تحليل بقلم الكاتبة منى نآصر
لقصة «الوشاح» للأستاذ الكاتب "خالد الخليف"
-لِمَ اعْتَرَفْتَ بما لم تقترفْ يا متَّهم!؟..
-سألني القاضي هذا السؤال، على طريقة مارك زوكنبرغ عندما يسألك: بم تفكِّر!؟..
-هبَّت في نفسي الريح الخبيثة، مرَّةً أخرى، على إيقاع هذا السؤالِ الباهتِ، سؤالِ العارفِ الداري، وانطلق العفريت المتقوقع داخلي، على شكل زوبعةٍ، عبَثَتْ بأوراق المحكمة، وأنا أجيب على السؤال، ببلادة:
- أردتُ ردَّ الجميل، للمحقِّق النبيل، على حسن استضافته لي، وتعويضاً مني له، عن عرقه، في خدمتي، وعن عِصِيِّه الخشنةِ، وسياطِهِ الناعمةِ، أردتُ منحَهُ الشعورَ بالمقدرة والتفوُّق، كنت أرجو أن أتسبَّبَ له بترقيةٍ أو مكافأة، أووسامِ الرضا عن الذات على الأقلّ، سيِّدي القاضي!..
-هل أنت مجنون؟..
-ما تراهُ عدالتكم، وما يرتِّبُه فضلكم، سيِّدي القاضي!..
-انتشر في القاعة همسٌ، كأصداء قهقهةٍ مكتومةٍ، رَسَمَتْ على إهاب القاضي أخدودًا عميقًا، وأضرمت فيه نارًا تعالت ألسنتُها إلى عنان السماء، وغشت خياشيمَهُ موجةٌ من قَتَارٍ، تفوح من قَصَبِ البشرِ، وأقتابِهم المحترقة، أشاح بوجهة يمينًا ثم شمالًا، حاول إغلاق أنفه، ولكنَّ شبح ذي نُوَاسٍ حمل مطرقة العدالة، وأهوى بها على رأسه، بطرقات عنيفة متتالية، صائحًا بالحضور: هدووووء..
-خمدت النار، وانتشرت الهياكلُ المحترقةُ، في القاعة أمام عينيه، على المقاعد، وفي الزوايا، وفي الممرَّات..
-بينما ظلَّ العفريتُ يعبث بأوراق المحكمة، وها هو يؤزُّ القاضي، فيعدِّلُ جلسته، ويثبِّتُ نظَّارتَهُ على أنفه..
-ألا تعلم أنَّه لولا تدخُّل السماء، وظهور الجاني الحقيقي، لذهبتَ إلى المشنقة طوع إرادتك!؟.
-استفزَّتِ العفريتَ، عبارةُ طوعِ إرادتك، الشاعريَّة هذه، إلّا أنّه تمالك نفسه وهدأ، على ذكر السماء، ثمّ انفجر باكيًا، وجلس بين الهياكل المسنَّدة، يتفحَّص الجماجم المتفحِّمة..
-عَلِمْتُ أنَّ في السماء عدالةً، فأردْتُ رفْعَ قضيَّتي إليها سيادة القاضي!..
-لَئنْ تلُفّ حبل المشنقة، حول عنقك بيديك، فتعترف بما لم تَقْتَرِف، بما اقْتُرِفَ وما لم يُقْتَرَفْ بعد، خيرٌ لكَ من حياة المتًّهم، بين العِصِيِّ المشرعة، والسياطِ المفزعة، وأشرفُ من عمرٍ تحياه، على كرسيِّ التحقيقِ، تتحرَّى عطفَ جلادك، تحرِّي الصائمين هلالَ العيدِ!..
-افْعَلْها.. فعدالة السماء تسمع وترى، في حضورٍ دائمٍ، لا تعرف العطلة القضائية، سيادة القاضي!..
-صفَّرَ العفريت مجدَّدًا، وقهقتِ الريح، تبثُّ الروح في هذه الهياكلِ النَّخِرَةِ، تعيدُ فيها، بعض ما احترقتْ لأجله، فشرعت تجأرُ في صمتٍ مريب: يا للسماء..
-استقرَّ المارد واقفًا، مثبِتًا رجليه في كفَّتي الميزان، بعد رجحانٍ استغرق ثلاث طرقات بمطرقة العدالة..
-شعر القاضي بأن عبَثًا ما، يطالُ الميزان،
-فتنحنحَ، كمن هزَّهُ الحرجُ، كاظمًا غيظَهُ!.
-ظهور الجاني الحقيقي، لا ينفي ما لم تنْفِهِ بإقرارك، وهو لا يكفي المحكمة لتقرير براءتك، وأنت تصرُّ، على رفع قضيَّتكَ، إلى عدالة السماء، أيُّها المتَّهم.. وبصرف المحكمة النظرَ، عن هذا التداخل القانوني.. فقد تقَرَّرَ إرسالُكََ إلى السماء لتضليلِكَ العدالةَ، وعرقلةِ القانون.
-سكنتِ الريحُ الزارية الذارية، وانكفأَ العفريتُ إلى قمقمِهِ، واستحالتْ الهياكلُ إلى رماد، وقاعة المحكمة، إلى يبابٍ خراب، يَتَوشَّحُ فيهِ المحقِّقُ النبيهُ، نَوْطَ الاستحقاق، غرابًا يبحثُ في الأرض.
...................
تحليل الكاتبة :منى ناصر
《السلام عليكم ورحمة الله وبركاته》
قال تعالى:
(إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأماناتِ إلى أهلها وإذا حكمتكم بين النّاس أن تحكموا بالعدل...) [58: النساء]
لا تكاد تخلو محاكمنا العربية والإسلامية من هذهِ الآية العظيمة، مع رسم توضيحي لميزان العدالة، وكأننا بذلك نقف أمام تذكير وتنبيه وتحذير لمن يتولى مهمة القضاء بأن يتقي الله في نفسه.. ولكن الواقع يتجه نحو الخزي والعار.
..................... أما بعد؛
تحية طيبة للشاعر المِقدام والقاص في إطلالته المميزة أ. خالد خليف
_قال بعض الحكماء:
" الأدب: أدبان، أدب شريعة وأدب سياسة؛ فأدب الشريعة ما أدى الغرض، وأدب السياسة ما عمر الأرض، وكلاهما يرجع إلى الأمانة والعدل اللذين بهما سلامة الإنسان، وعمارة البلدان، فإن من ترك الفرض ظلم نفسه، ومن خرب الأرض ظلم نفسه وغيره".
ومن هُنا نجد قصة #الوشاح انبثق جوهرها،
ليتحقق المغزى من ذلك؛ فكانت للكاتب بصمته...
...................................
#العنوان
_وشاح القضاة ألوانه تختلف من هيئة قضائية لأخرى، وعدد نجومه تحدد درجة القاضي، وهذه العادة ظهرت داخل المحاكم للتمييز بين القضاة والمحاميين.
(كان العنوان موفقاً وأكثر اختزالاً، ويترك سؤالاً في الذهن لأكبر شريحة من القراء، ما علاقة الوشاح بالقضاة؟)
فليس الجميع مدركاً أنّها تعني رتبة، مثلها كالرتب المستخدمة في السلك العسكري، للتمييز بين القادة والجنود.
..........................
#المدخل
استخدم الكاتب اسلوب الاستجابة والمثير بشكل مؤقت ومقتضب جدا، وذلك بتساؤلٍ فُجائي ينعش الذاكرة، تماما كما يفعلها معنا السيد مارك عبر الفيس بوك، ورافق ذلك لغة من العيار الثقيل، وكأن بنا نتصفح عدة معاجم لغوية، مع رمزياتٍ للشخصيات تميل للغموض أكثر من الوضوح.. ومن هنا سأسلط تركيزي على ثلاثة محاور:
#أولاً.. القاضي
_حيث جاءت رمزيته (بالعفريت) بينما هناك (الشيطان) و(المارد) و(الأباليس)..
فنجد أن سبب الاختيار (العفريت):
بمعنى الماكر المخادع اللئيم ومن أهم صفاته الحيلة.
#ثانياً.. المحتوى
_في القدم كان القضاء على يد الرسل ورجال الدين، وكانت تطبق الشرائع السماوية، أما في وقتنا الحالي فقد القضاء هيبته ومكانته التي أُقيم لأجلها وهو إحقاق العدالة، فاختلط الحابل بالنابل، ولا مخرج من هذهِ المحرقة الإنسانية إلا برحمة من قاضي السماء يشفي بها صدور قومٍ مؤمنين.
#ثالثاً.. الخاتمة
_اختصرت الخاتمة حجم الألم القائم، بجملة مفارقة ومتناسبة مع القصة؛ فالغراب ينذر باستمرار الجريمة والتي كانت بدايتها في عهد (قابيل وهابيل).
وأخيراً لدي #نصيحة من وجهة نظري المتواضعة وقد لا يوافقني فيها الكثير
وهي؛
_أن يتجنّب الكاتب طريقة الوعظ في القصة، ويكثر من طريقة المثير والاستجابة كما أشرت إليها آنفاً، فالقصة القصيرة تتميز بحرية الطريقة بعيداً عن جمودية الوعظ.
بالتوفيق الدائم
