زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

تحليل الكاتب الأستاذ : عبد الرحيم خير لقصة «الوشاح» للأستاذ الكاتب "خالد الخليف"


تحليل الكاتب  الأستاذ : عبد الرحيم خير لقصة «الوشاح» للأستاذ الكاتب "خالد الخليف"

-لِمَ اعْتَرَفْتَ بما لم تقترفْ يا متَّهم!؟..
-‏سألني القاضي هذا السؤال، على طريقة مارك زوكنبرغ عندما يسألك: بم تفكِّر!؟..
-‏هبَّت في نفسي الريح الخبيثة، مرَّةً أخرى، على إيقاع هذا السؤالِ الباهتِ، سؤالِ العارفِ الداري، وانطلق العفريت المتقوقع داخلي، على شكل زوبعةٍ، عبَثَتْ بأوراق المحكمة، وأنا أجيب على السؤال، ببلادة:
- أردتُ ردَّ الجميل، للمحقِّق النبيل، على حسن استضافته لي، وتعويضاً مني له، عن عرقه، في خدمتي، وعن عِصِيِّه الخشنةِ، وسياطِهِ الناعمةِ، أردتُ منحَهُ الشعورَ بالمقدرة والتفوُّق، كنت أرجو أن أتسبَّبَ له بترقيةٍ أو مكافأة، أووسامِ الرضا عن الذات على الأقلّ، سيِّدي القاضي!..
-‏هل أنت مجنون؟..
-‏ما تراهُ عدالتكم، وما يرتِّبُه فضلكم، سيِّدي القاضي!..
-‏انتشر في القاعة همسٌ، كأصداء قهقهةٍ مكتومةٍ، رَسَمَتْ على إهاب القاضي أخدودًا عميقًا، وأضرمت فيه نارًا تعالت ألسنتُها إلى عنان السماء، وغشت خياشيمَهُ موجةٌ من قَتَارٍ، تفوح من قَصَبِ البشرِ، وأقتابِهم المحترقة، أشاح بوجهة يمينًا ثم شمالًا، حاول إغلاق أنفه، ولكنَّ شبح ذي نُوَاسٍ حمل مطرقة العدالة، وأهوى بها على رأسه، بطرقات عنيفة متتالية، صائحًا بالحضور: هدووووء..
-‏خمدت النار، وانتشرت الهياكلُ المحترقةُ، في القاعة أمام عينيه، على المقاعد، وفي الزوايا، وفي الممرَّات..
-‏بينما ظلَّ العفريتُ يعبث بأوراق المحكمة، وها هو يؤزُّ القاضي، فيعدِّلُ جلسته، ويثبِّتُ نظَّارتَهُ على أنفه..
-‏ألا تعلم أنَّه لولا تدخُّل السماء، وظهور الجاني الحقيقي، لذهبتَ إلى المشنقة طوع إرادتك!؟.
-‏استفزَّتِ العفريتَ، عبارةُ طوعِ إرادتك، الشاعريَّة هذه، إلّا أنّه تمالك نفسه وهدأ، على ذكر السماء، ثمّ انفجر باكيًا، وجلس بين الهياكل المسنَّدة، يتفحَّص الجماجم المتفحِّمة..
-‏عَلِمْتُ أنَّ في السماء عدالةً، فأردْتُ رفْعَ قضيَّتي إليها سيادة القاضي!..
-‏لَئنْ تلُفّ حبل المشنقة، حول عنقك بيديك، فتعترف بما لم تَقْتَرِف، بما اقْتُرِفَ وما لم يُقْتَرَفْ بعد، خيرٌ لكَ من حياة المتًّهم، بين العِصِيِّ المشرعة، والسياطِ المفزعة، وأشرفُ من عمرٍ تحياه، على كرسيِّ التحقيقِ، تتحرَّى عطفَ جلادك، تحرِّي الصائمين هلالَ العيدِ!..
-‏افْعَلْها.. فعدالة السماء تسمع وترى، في حضورٍ دائمٍ، لا تعرف العطلة القضائية، سيادة القاضي!..
-‏صفَّرَ العفريت مجدَّدًا، وقهقتِ الريح، تبثُّ الروح في هذه الهياكلِ النَّخِرَةِ، تعيدُ فيها، بعض ما احترقتْ لأجله، فشرعت تجأرُ في صمتٍ مريب: يا للسماء..
-‏استقرَّ المارد واقفًا، مثبِتًا رجليه في كفَّتي الميزان، بعد رجحانٍ استغرق ثلاث طرقات بمطرقة العدالة..
-‏شعر القاضي بأن عبَثًا ما، يطالُ الميزان،
-‏فتنحنحَ، كمن هزَّهُ الحرجُ، كاظمًا غيظَهُ!.
-‏ظهور الجاني الحقيقي، لا ينفي ما لم تنْفِهِ بإقرارك، وهو لا يكفي المحكمة لتقرير براءتك، وأنت تصرُّ، على رفع قضيَّتكَ، إلى عدالة السماء، أيُّها المتَّهم.. وبصرف المحكمة النظرَ، عن هذا التداخل القانوني.. فقد تقَرَّرَ إرسالُكََ إلى السماء لتضليلِكَ العدالةَ، وعرقلةِ القانون.
-‏سكنتِ الريحُ الزارية الذارية، وانكفأَ العفريتُ إلى قمقمِهِ، واستحالتْ الهياكلُ إلى رماد، وقاعة المحكمة، إلى يبابٍ خراب، يَتَوشَّحُ فيهِ المحقِّقُ النبيهُ، نَوْطَ الاستحقاق، غرابًا يبحثُ في الأرض.

....................
تحليل الأستاذ : عبد الرحيم خير

الاعتراف دليل الإثبات الأول في ترتيب الأدلة الجنائية، وهو سيد الأدلة كما يقولون....
لكن ولكي يعد الاعتراف سيد الأدلة وأكثرها برهانا، يجب التأكد أولا أن المتهم لم تمارس بحقه ضغوط تجبره على الاعتراف، ويكفي أن تشك المحكمة في الاعتراف كي يعتبره القاضي كأنه لم يكن....
لكن عندما يحيد ميزان العدل، ويصبح القضاء تابعا للسلطة والمنفذ لقراراتها بحق الأبرياء، وأحد أذرعتها الباطشة بالخصوم والمعارضين يصبح الاعتراف سيد الأدلة، وإن تأكد القاضي من براءة المتهم وعلم أنه أجبر عليه ....
وفي القصة التي نحن بصددها يبدو أن التهمة لم تكن تهمة جنائية وإنما هي تهمة سياسية، ليست تهمة واحدة بل تهمٌ جاهزة ملفقة من التهم المستحدثة، فيكفي أن تعبر عن مكنون نفسك فتكتُب علي حائط صفحتك ما يجول بفكرك وخاطرك مما تنكره لتكون ساعتها تحت طائلة القانون، تحاسب على مادار بفكرك وخَطّت يدك ( سألني القاضي هذا السؤال، على طريقة مارك زوكنبرغ عندما يسألك:
  بم تفكِّر!؟)
وبهذا السؤال ( بم تفكِّر!؟) ودلالة اسم ( مارك زوكنبرغ ) نعلم أن قضية الاتهام إنما هي قضية فكر ساحتها الفضاء، الأزرق وسلاحُ الجريمة هو الكلمة ، والتهمة هي الفكر أو المعارضة، والخصم هو السلطة وأذرعها، سلاحهم البطش، وعقابهم الموت والمتهم والضحية دائما من عامة الشعب ...
يصف الكاتب المشهد بلغة شاعرية وأسلوب رائع كتبه على شكل لافتات تشبه إلى حد بعيد لافتات الشاعر أحمد مطر ولغته الساخرة المنتقدة للحكام ومعاونيهم، يمضي الكاتب في وصف مشهد المحاكمة يقول:
-‏هبَّت في نفسي الريح الخبيثة ...
-وانطلق العفريت المتقوقع داخلي....
 على شكل زوبعةٍ، عبَثَتْ بأوراق المحكمة....

إشارات إلي الثورة المزلزلة في نفس المتهم ضد النظام القائم على الظلم والبطش، هذه الثورة التي كادت أن تقتلع جذور الظلم لولا هذا البطش والتنكيل، هذه الثورة كانت تشبه النار التي باتت تحرق الظالمين لولا استخدام القوة والبطش والضرب بقوة على أيدي المعارضين، وحين شعر منفذ العدالة بهذا الظلم وأراد التراجع عنه فإن يدا باطشة هددته وخوفته فعاد يساند الظلم من جديد .
  أجاد الكاتب استدعاء الرمز التاريخي (ذو نواس ) المعروف بظلمه، والذي اضطهد الأحباش المسيحين ونكل بهم لخلافهم معه ،هذا الاستدعاء
والتوظيف لشخصيته ذو نواس أو شبحه دلل به الكاتب على أن مطرقة العدالة أصبحت آلة وسلاحا للفتك بالمخالفين أو بمن لا يحسمون أمرهم كالقاضي الذي اهتز موقفه فنزلت المطرقة على رأسه بطرقات متتالية، وما ذو نواس إلا دلالة وإشارة لحاكم اليوم ...
( ولكنَّ شبح ذي نُوَاسٍ حمل مطرقة العدالة، وأهوى بها على رأسه، بطرقات عنيفة متتالية، صائحًا بالحضور: هدووووء..) ..

أظن أن المحاكمة لم تكن محاكمة متهم ولكنها محاكمة شعب نشد التغيير وخرجت جموعه في ثورة عارمة زلزلت أركان أنظمة ظالمة وكادت أن تقتلع جذورها، ولأن الثورة لم يكتب لها النجاح عاد الظُّلام من جديد أشد ظلما وأكثر قهرا لشعوب غُلبت على أمرها..
 انتهت الثورة وَوُئدت أحلام الثوار وعاد ذلك المارد الذي خرج من أناس غلبوا على أمرهم بفعل الظلم والقهر إلى قمقمه، وسكنت وهدأت رياح الثورة
ُ الزارية الذارية، وعم البلاد الظلم والخراب وتَحصل المحقق على جائزة؛ وشاحٌ ستر به سوأة أفعاله .....

الوشاح نص ثري كتب برمزية عالية تؤكد مهارة الكاتب وتمكنه
دام الإبداع والحرف الراقي والشكر موصول لزمرة القصص على حسن الاختيار لهذا النص الرائع.
••••••••••••••••••••••••••••••

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية