زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

طريق العودة _ بقلم: أ. مهاب حسين







قصة قصيرة 

طريق العودة

*******


كانت شوارع القاهرة مزدحمة، وكنت عائداً لمنزلي ليلاً بعد يوم شاق طويل .
تداعت الذكريات ..
عشرون عاماً مضت فى قاهرة المعز،
تمادى العمرُ حتى أوشك على الحافة ! .
الشيب يغزو شعري، حلمي الرهين لم يبدأ بعد.
تمنيت أن أصبح كاتبا مرموقا، ممثلا مشهورا، وتماديت .. صاحب فرقة مسرحية، وانتهي بي الأمر ..
موظفا مغمورا في أحد الدواوين الحكومية..

يهل المدير بذقنه الحليق، يزعق بملء فيه، فيترجرج لغده :

- لم تأخرت .. 
لم أنبس..
- خصم يومان.. وعشرة إن كررتها. 

فكرت في دك عنقه الغليظ، هذا العجوز المتصابي .. لكني آثرت الصمت وعدت إلى مدفني بالأرشيف، أهذي بغمغمات، أثارت ضحك وسخرية زملائي الملاعين. 

أما بعد الظهر .. فأعمل بائعا في متجر للملابس النسائية..
                               
      ماذا يفعل الزمن ؟.

تحاصرني النساء، يرمقونني بخبث، أتصبب عرقا، إحداهن.. في دلال وغنج :
- هل هذا اللون يناسبني ؟.
- بالتأكيد !..
وهي تتأوه، متمايلة :
- لكنه لا يروق زوجي .
وأنا أتأتئ :
- أظن.. أظن ..

آه .. كم أكابد أشواقا جامحة، رغبات مكبوته، أغلها الهرم وسخرية زوجتي !. 
عبرتُ الشوارع : الشارع تلو الآخر
عبرتُ الميادين : الميدان تلو الآخر
وكأن الطريق لا ينتهي .. وكأن البيت يبتعد، لا يقترب . هو نفس طريق العودة الذى أسلُكه منذ سنين.
سألت شرطيا، هز كتفيه وأدار ظهره، عربة الشرطة الرابضة، استحثت خطاي بعيدا.
استوقفت أحد المارة، أجابني في ريبة :

- لقد اقتربت.

لكني .. كلما أوغلت، أستغربُ شكل البنايات والدكاكين، الناس التى يحوطنني . كيف تغيروا ومتى ؟ .
كنت أعرج  دوما من باب اللوق إلى ميدان التحرير من ذاك الطريق فأصل سريعا.
عالمي القديم كان جاثما بالأمس،
 أين ذهب ؟.
ماذا يتبادر إلى ذهني في تلك اللحظة : 
مدير يتوعد بالرفت أمام الموظفين في حجرته الواسعة، رأس تنحني في صمت .  زوجة تصرخ في استهزاء  :

- أنت لا تصلح لشيء ..

ترميني بنظرة ذات مغزى، فأطأطئ الرأس في خنوع، ثم تصفع الباب من خلفي .
أولاد .. ماعادوا يزورن أو يردون على نداءات أبيهم المتكررة كأنهم أولاد حرام. جيران  يسيئون بلا سبب، أصحاب حوانيت، معاملتهم فظة.
كأن العالم قد جن.
 ‎
              ‎فكرت في ركوب المترو، أي حافلة 
تخرجني من هذه الدوائر اللامتناهية. سألني عجوز وأنا سائر :

- كم ياولدي الساعة الآن ؟.
- منتصف الليل ياجد.

رمقني بارتياب ثم مضى. 
بدت محطات المترو مغلقة.
الحافلات تمضي مسرعة.
كلما أوغلت .. كلما شعرتُ بالتيه، 
أين ذهب المنزل ؟ .
الناس التي أعرفها ..الباعة الذين يعرفونني . الجيران الذين ينادونني باسمى؟ .
وجدت كل شيئ حولي ساكناً ..لاصوت إلا بعض هواء خفيف يشعرني بالقشعريرة .
يحركُ أوراق أشجار مغروسة على جانبى الطوار .
 ‎
نظرت حولي ..
بدت أنوار الشرفات مطفأة .
كأنني فى عزلة ! .
أتشابهت الشوارع والأزقة فضللتُ ؟ .
جربتُ هاتفي الجوال، الشبكة معطلة،
بحثت عن  أى عابر  لأسأله، لم أجد أحداً . حتى ساعة يدي عقاربها توقفت ! .
هل أنا فى حلم وسوف أستيقظ ؟ .

ما هؤلاء القوم الذين يهلون من بعيد .. 
أشعر بدبيبهم، ثقل أنفاسهم، نحيب مكتوم. خاطبوني بلهجة محببة وهم يقتربون :

- أنسيتنا !.
 أجبت في تلعثم :
 - لا.. أبدا.. 
 - أوحشتنا. 
 - أنتم أيضا.. 

بدت ملامحهم مألوفة يشبهون : زوجتي، أبنائي، جيراني، مديري، أصدقاء الطفولة، بطل سينمائي أحببته في صغري، زميلة الجامعة التي عشقتها زمنا .. 
وجوه عابرة عفرتها أتربة الزمن وضاعت في غياهب الذاكرة ..
ماهذا الحشد !.
رغم أني لا أرى سوى أطيافهم البعيدة .
ليس حلماً ..
إنه كابوس ..
بالتأكيد كابوس ..
وسأصحو بين لحظة وأخرى، لأواصل حياتي السقيمة، وأتعجب من ذلك الحلم السخيف.

ضاقت المسافات ..
تحاصرني أشباحهم ..
مر شريط عمري أمامي في ثوان كلمحة مبهرة.
الدائرة محكمة، الطريق تبخر .
 أحاول الفكاك .. النعاس يغلبني. 
 تبتلعني الكلمات !. 


**********

 ‎
مهاب حسين/مصر.

































عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية