خلف الشّمس
********
يتقلّب ذات اليمين والشّمال، عبثاً يحاول النوم، لكن الأرق بنى سدّاً منيعاً بين أجفانه وإغفاءة هنيئة.
ترى كيف سيَمضي نهاره غداً ؟
يتساءل وهو يمعن النّظر في زوجته وقد غلبها سلطان النّوم، يمسّد شعرها الفاحم بيده، يدقّق في قسمات وجهها.
عشر سنواتٍ مرّت على زواجهما كانت له بمثابة الشّمعة التي أضاءت لياليه الحالكة، ونعم المعين في أيام التقشّف والعوَز وما أكثرها، عندما صارحها بالخطوة التي عزم على انخاذها ارتعدت خوفاً؛ حاولت جاهدة أن تثنيه عن عزمه فقد رأت أنّه يرمي نفسه في هاوية لن يخرج منها سالماً؛ ذكّرته على الأقل إذا لم يهتم لسلامته، فليفكّر بها وبالطفلة الّتي طال انتظارهما لها.. طفلته ياااه هل من الممكن أن يفعل الشيطان فعله ويهمس لأحدهم أن يصيب هذا الملاك البريئ بأذى؛ انتفض جالساً وراح يهز رأسه بعنف كأنّه ينفض هذا الهاجس اللعين من مخيّلته؛ أحسّ برغبةٍ أن يضمّها إلى صدره، نهض متّجهًا إلى سريرها ركع على ركبتيه وراح يلثم جبينها وخدّها المتورّد، تكحّلت عيناه بطلّتها بعد انتظار خمس سنواتٍ وقد بلغت الخامسة منذ أيامٍ
ترى كيف سيَمضي نهاره غداً ؟
عاد السؤال يطنُّ في رأسه. حتّى أصحابه المقرّبين عندما صارحهم بما سيُقدم عليه حاولوا ردعه ولَيَّ عزيمته ولكنه كان كالحجر الأصم وجوابه دائماً لن أخون مبادئي وضميري مازال حيّاً لم يمت، ولعلّ الله قيّض لي هذه الأدلة والإثباتات و وضعها أمامي كنوع من الإختبار نعم لن أسكت لن أسكت وسأقدّم بلاغي غداً مقروناً بالحجج والبراهين السّاطعة التي تُدين ال... يضع أحدهم يده على فمه ويمنعه من أن يكمل الإسم: يا صاحبي فكّر مليّاً القانون لم يوضع لمثل هؤلاء إنّهم فوق المُساءلة
-لا أدري ماذا أقول لكن على الأقل مع هذه المستندات الادانة واضحة وجليّة على أساسها لا يسعني سوى المبادرة وغداً تتكشّف الحقائق.
-هه غداً ! نعم غداً الحقيقة البارزة ستكون أنّك أشهرت سيفك في وجه طواحين الهواء وأن ما تسعى إليه ما هو إلّا سراب؛ يا صديقي أنا أخشى عليك، وهذه الوثائق ما هي إلّا لعنة، أولى لك أن تحرقها وتذروها رماداً على أن يطّلع عليها أحد سوانا.
كان الصبح قد لاح والأرق يأبى أن يخاصم جفنيه، تارةً يحدّق بالسقف وأخرى ينظر إلى زوجته وبين الفينة والأخرى ينهض ويقف أمام سرير طفلته وخلال ذلك كلّه يحتدم الصّراع بين ضميره وأصواتهم النّاهرة.
رويداً رويداً بدأت أشعّة الشّمس تنسلّ من فُرجةٍ صغيرةٍ بين دفّتي السّتائر؛ نهض ودخل إلى الحمّام اغتسل لينتعش جسده بشيءٍ من النّشاط بعد هذا الأرق المضني.
عندما خرج كانت زوجته قد استيقظت وأعدّت قهوة الصّباح، حاولت أن تعيد كلام ليلة أمس لعله يقتنع لكنه لم يبدِ استعداداً لسماعها وبدا كأنّه اتخذ قراراً لا رجعة فيه
لبس ثياب الخروج تعطّر، حمل ملفاً أزرق اللون حرص أن يفنّد أوراقه ورقة ورقة.. اتّجه نحو ملاكه الغافي، حركتها المتململة في السّرير تشي بأنّها على وشك أن تستيقظ؛ لم يطاوعه قلبه أن يقترب أكثر، طبع قبلةً على جبين زوجته وخرج.
كان هذا صباح يوم الإثنين من شهر أيّار قبل ثلاث سنواتٍ مضت، وإلى الآن جوابها الوحيد على سؤال طفلتها: ماما أين بابا؟
تشير ساهمة: هناك خلف الشّمس...
*********
عمر حبيب/ سورية
