حكاية_الروح
******
النوم فسحة الأرواح؛ حيث تنسدل الجفون و تسكن الجوارح، و تصمّ الأذان إلا عن همس الكرى، فتنفتح لها أسرار الحقيقة عارية دون ضبابات الجسد و ما يكون فيه من أغلال، لتنطلق في عوالمها البعيدة فيما أسميناه نحن عالم الأحلام، حيث تتلاقى الأرواح مرفرفة بهيجة، و قد حررّها النوم من كل قيد كان يغلّها في وقت الصحو. صارت حرّة في طيرانها العجيب، حتى لا يكاد يمنعها مكان و لا يعوقها زمن، فتلتقي ربما بحبيب مات منذ مدّة، أو تزور آخر يبعد عنها- في الصحو- آلاف الأميال ، فتأنس به ، و تسعد بصحبته، و قد تسرّ له بسر ما كانت لتبوح به إلا في تلك العوالم المخفية، حيث لا أذن تسمع و لا عين ترى، و لا لسان يقول، و إنما هي لغة التلاقي لا غير، لا تفهمها إلا الروح تهمس بها إلى روح مثلها، فيظلّ البوحُ سرّا بين هذين الروحين لا تدركه الأفهام و لا تنطقه الشفاه .
و من الأرواح ما أن تنتهي رحلتها، فتعود لتسكن جسدها و تلبس قيدها، لتصحو بذلك جوارحها، حتى تكاد لا تخفي عن صاحبها ما رأت و أدركت؛ فمنّا من يذكر مشاهدات الأحلام و ما كان فيها من أمور عجاب، فيظلّ يذكرها حينا حتى تزول مع اندماج صاحبها في انشغالاته و أعماله. و من الأرواح ما يكتم عن صاحبه ما رأى، فلا يكاد يذكر من رحلته تلك شيئا البتّة، حتى تراه ينكر أنه من الأساس يحلم، أو أنّ روحه قد زارت عوالم أخرى في ملتقى الأرواح. و الحقّ إنّها قد فعلت، و لكنّها -أي الروح- قد ضنّت عليه بما رأت و أدركت، و فضّلت أن تظل رحلاتها مطوية في عالم الأسرار و الغيبيات.
و أمّا روحي فهي كريمة معي، لا تضنّ عليّ بحكي ما كان في رحلاتها و غزواتها في عوالمهاالبعيدة. فكم من مرّة حكت لي عن ما زارت هي من أماكن و من تلاقت معهم من أرواح ، فآنس بما تحكي و تبوح لحظات، ثمّ سرعان ما أذهب إلى عملي لأطوي ما قالت في عالم النسيان المظلم. و لكن يكاد ما حكته لي روحي بالأمس لا يفارقني، إذ أجده عجيبا و غريبا، فأراني كلّما أسعفني الوقت و أمهلتني العزلة أسألها مُلحّا في السؤال: هل تصدقينني أيتها الروح؟ هل وجدتِ ما تحكين حقّاً؟!
تقول الروح إنّها و بعد أن انبجست من عقال الجسم و انطلقت، رأت ألا تلتقي روحا بعينها، و ألّا تستقرّ في عالم بذاته، و إنما أرادت أن تبقى بعيدة منعزلة، ترى ما تراه من أرواح أخرى، كيف تتلاقى و تأتلف، و كيف تتنافر و تختلف. فبقيت هي تشاهد من بعيد مشاهدة الصامت المتأمل لما يدور و يكون.
تقول الروح إنها وجدت ثلّة من الأرواح الطائرة ، تكون الواحدة فيها كنقطة من ضوء، أو كلمع نجم في سماء حالكة، و هي غير مستقرة، بل تدور هنا و هناك كالحيران، لا يكاد يطمئنها مكان و لا مستقر، تتجمع تارّة فتضيء ما حولها بضياء من النور و البهجة، ثم تتباعد فتتفرق الأنوار إلى نقاط ضوء وسط سواد السماء. و من هؤلاء من لها صوت من نغم، كلما غدت أو راحت تكون نغمة من قيثارة أو نفخة من ناي. و منها من له صوت كالنحيب، تراها رغم ما تشعّ من ضوء تعاني الألم. تقول الروح إنّما تلكم الثلّة هي أرواح الأدباء و الفنّانون و الشعراء!
ثم إنّ روحي قد تركت أولئك الحيارى، لتنظر في أرواح أخرى، فتقول إنّها رأت جمعاً من الأرواح أشبه بالصخور، ساكنةً لا يكاد يحركها شيء. و هي داكنة أشبه بسواد الليل، فلا تعرف ما سر دكنتها تلك، أهو السكون قد حطّ عليها بسواده الثقيل، فجعلها حجارةً صمّاء لا تدرك الحركة و لا تستطيع التحليق، أم هي الحكمة قد وضعت رداءها على تلكم الأرواح فجعلتها ساكنة، مطمئنة، و وديعة . أهو ظلام الجمود أم هو دكن الرزانة و الطمأنينة؟ تسائلني روحي فلا تلقى مني جوابا ، ثم تقول إنما كانت تلكم الأرواح للكهّان و العبّاد من قساوسة و رهبان و شيوخ !
ثم تترك روحي تلكم الصخور الجامدة الرزينة، و تذهب لتلقى حفنة من الأرواح المزركشة في نفسها كجلود التماسيح، و التي تتلوّى في الفضاء كالأفاعي. تقول الروح إنّها تدور حول الأرواح الأخرى كما الأرض تدور حول الشمس، تأخذ من ضيائها و تستأنس بمداراتها، ثمّ سرعان ما تتركها لتبحث عن روحٍ غيرها تكون أكبر إشعاعا و أكثر ضياءً.. تقول الروح: أولئك هم المنتفعون و المنافقون، و إنّ منهم السارقون و المرتشون، بل و منهم رجال السياسة و الوزراء و الحكّام!
ثمّ إن الروح قد تركت أولئك المنتفعين، لتذهب إلى كوكبة أخرى من الأرواح الحارقة الوهّاجة، لاتكد لتقترب منها إلا و قد شعرت بلفحة اللهيب تكاد تحرقها. تقول الروح إنّها أرواح من نار، لا تعرف السكون و لا تعرف الراحة، و إنما هي أرواح ثائرة و متمرّدة، لا ترضى بحال و لا تأنس لقرار. و هم متطرفون في جميع حيواتهم، ذلك أنّ أرواحهم مجدولة بجدائل من لهب الحريق . تقول الروح إنّ من هؤلاء يكون الثوّار في كل زمان و مكان، كما أنّ منهم يكون العشّاق!
و بينما تسيح روحي في فضاءات الأرواح و عوالم الأحلام، إذا بداعي الصحو يأتيها بجرس المنبه، فتطير مسرعة لتلبس قيد جسدي المسجى تحت اللحاف على سريري، فتنتبه فيّ الحواس، و تتحرك الجوارح، و تفتح الجفون الأبواب لمقلتيّ كي تستهلّ يومها بشعاع الشمس المنبثق من نافذة غرفتي.
و بينما أنا منشغلٌ بترتيب حاجياتي و الذهاب إلى العمل مع بواكير الصباح، فكرت في حكاية الروح و ما كان في رحلتها في الليلة الفائتة. و رأيتني أكلّم روحي وأقول :
أكانت رحلتكِ تلك أيتها الروح رحلة حقّ و انكشافٍ لحقيقة، أم هي دربٌ من الوهم و الخيالات، و أضغاث أحلام لا غير ؟!..لستُ أدري!
***********
خالد العجماوي
