نظرية التلقي
بقلم أ. أيوب علي
--------------------
إن عملية التلقي في ابسط تعريف لها ، هي عملية مشاركة وجودية تقوم على الجدل بين المتلقي والنص . وهي لم تكن بالضد تجاه أي مقاربة من المقاربات النقدية الحديثة ، مثل الشكلانية والبنيوية والتفكيكية وغيرها ، وكانت أهم نقلة قامت بها هي التحول من قطب المؤلف - النص إلى قطب النص – القاريء .
ترى نظرية التلقي أن القاريء ملزم بتوظيف قدراته وثقافته وخبرته في تحليل النص ، سعياً إلى فك شفراته وسبر أغواره ، وهذا ما يحقق المتعة للقاريء والمبدع معاً .
أدّت نظرية التلقي إلى إعادة الاعتراف بتاريخية الأثر الادبي إذ جعلت استجابة القراءة الجمالية جزءاً من البنية الدلالية .
إنّ النص هو مصدر القراءة وهو العامل المشترك بين المتلقي والمبدع ، فمسألة إنتاجية النص تستبطن استجابة القارىء بموجب تشكل هذه المساحة اللغوية التي في ذهن المتلقي .
تهتم نظرية التلقي بالكيفية التي تم بها تلقي النص الادبي في لحظة تاريخية معينة وترتكز على شهادات المتلقين بشأن هذا النص أو بشأن الادب عموماً ، وعلى أحكامهم وردود افعالهم المحددة تاريخياً وتعدها عوامل حاسمة في تحديد كيفية التلقي في هذه اللحظة التاريخية بعينها وتوجهها هذا هو ما يبرر اعتمادها على المناهج التاريخية والسوسيولوجية .
لقد أحدثت نظرية التلقي ثورة عارمة في مجال الدراسات الأدبية والنقدية وفي تاريخ الأدب الحديث وذلك بوصفها نمطا جديدا في الدرس الأدبي ، مِن الباحثين مَن يرجع بواكير هذه النظرية لحقبة قديمة من هذا الزمن ، إذ استخلص ( روبرت هولب ) من الوظيفة الاتصالية للبلاغة نقطة بداية لنظرية التلقي حيث يقول : ( وكتاب فن الشعر لـ ( ارسطو ) بشتماله على فكرة التطهير بوصفها مقولة أساسية من مقولات التجربة الجمالية ، يمكن أن يعد أقدم تصوير لنظرية تقوم فيها استجابة الجمهور المتلقي بدور أساس ) ، هذا يعني أنّ تاريخ نظرية التلقي يعود إلى ( نظرية المحاكاة ) عند ( ارسطو ) لاشتمالها على فكرة التطهير التي تقوم وتنهض على استجابة المتلقين وردود أفعالهم تجاه الأثر الأدبي .
ميّز تودوروف بين ثلاثة ضروب من القراءة :
1 - القراءة الإسقاطية : وهي اسلوب خاص من القراءة تتميّز بالاجترار والنمطية ، لا تركز على النص ولكنها تمرّ من خلاله أي تجعل النص معبرا نحو المؤلف والمجتمع ، وتعامل النص على أنه وثيقة لإثبات قضايا شخصية ، اجتماعية .
2- قراءة الشرح : وهي قراءة تركز على النص ولكنها لا تهتم إلا بظاهر معناه ، وتعطي المعنى قيمة يرتفع بها فوق الكلمات ، فهي تعتمد على وضع كلمات بديلة للمعاني نفسها عن طريق اجترار ساذج للكلمات ذاتها .
3 - القراءة الشعرية : وهي قراءة النص من خلال شفراته بناء على معطيات سياقه الفني ، وبهذا يصبح النص قوة مندفعة لهدم الحواجز كلها بين النصوص .
إنّ القراءة الشعرية تطمح إلى كشف ما هو كامن في باطن النص سعياً إلى سبر أغواره وفك شفراته ، هذه القراءة تتجاوز اللفظ الحاضر إلى عميق معانيه الجمالية وتكشف ما هو خفي في اعماق النص .وقرأ فيه بنيته العميقة .
وبما أن الاهتمام بالقاريء من صلب نظرية التلقي ومنظريها فإنّ لهذا القاريء سمات عدة ، منها :
1- القارئ النموذجي الذي استعمله المفكر الأسلوبي مكاييل ريفاتير ليحدد في ضوئه مظاهر القراءة الأسلوبية التي تتطلب شخصا متمرسا كل التمرس بنظام لغة الشعر ، و مدركا لطبيعة الاختلاف بين هذه اللغة و بين اللغة اليومية .
2- القارئ الخبير : و يتلخص فعله بالسعي الدائم إلى إخصاب مضامين النصوص التي تعتبر وثائق أفكار و أحاسيس تنقلها اللغة .
3- القارئ المقصود : و هو من توجه إليه النص حين ظهوره المبدئي أي الذات الجماعية التي عاشت الأوضاع التاريخية للمبدع " ثم الذات التي تشكل استمرارا مباشرا للنص ، و تقمصا جديدا لفعله ، في إطار نوع من التكامل بينهما .
4- القارئ الضمني : و يرى احد الباحثين أن امبرتو ايكو هو أول باحث حدد هوية هذا القارئ ، إذ يمثل المقصد الذي يوصله نشاطه التعاوني إلى استخراج ما يفترضه النص و يعدنا به لا ما يقوله النص في حد ذاته ، إضافة إلى ملئه الفضاءات الفارغة و ربطه ما يوجد في النص بغيره مما يتناص معه .
و لعل هذا القارئ الأخير شعل مساحة مهمة من فكر منظري التقي ، لا سيما ( فولنغانغ ايزر ) الذي فصّل في مفهوم هذا القارئ ، إذ يرى أنه مجسد كل الاستعدادات المسبقة الضرورية بالنسبة للعمل الأدبي كي يمارس تأثيره ، و هي استعدادات مسبقة ليست مرسومة من طرف واقع خارجي و تجريبي ، بل من طرف النص ذاته . و بالتالي فالقارئ الضمني كمفهوم ، له جذور متأصلة في بنية النص إنه تركيب لا يمكن بتاتا مطابقته مع أي قارئ حقيقي .
و قد بين ( روبرت هولب ) أن ( ايزر ) نسخ مفهوم القارئ الضمني عن مفهوم المؤلف الضمني ل( واين بوث ) في كتابه ( بلاغة الفن القصصي ) .
-----------------------------------------
المصادر :
1-نظرية التلقي – روبرت هولب ترجمة عزالدين اسماعيل .
2-فعل القراءة نظرية جمالية التجاوب في الادب – فولفغانغ ايزر ترجمة حميد لحمداني والجيلالي الكدية .
3-مفهومات نظرية القراءة والتلقي – الدكتور خالد علي مصطفى ، ربى عبد الرضا عبد الرزاق – مجلة ( ديالى ) ص 158 العدد التاسع والستون – 2016 .
4-مناهج النقد المعاصر – د. صلا فضل .
5-من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة – عبدالكريم شرفي .
6-دليل الناقد الأدبي – ميجان الرويلي ، سعد البازعي .
7-شفرات النص – د . صلاح فضل .
8-الخطاب النقدي العربي المعاصر وعلاقته بمناهج النقد الغربي .
