زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قصة قصيرة بقلم أ. حفيظة اللود. بعنوان : روح امرأة



قصة قصيرة بقلم أ. حفيظة اللود.
بعنوان : روح امرأة

    عرفتها امرأة ريفية حلوة القسمات، مستديرة الوجه، لا يكاد يفارق شعرها منديل ابيض خفيف مزين بخيوط صوفية ملونة، يتدلى قرطان دائريان ذهبيان من اذنيها فيما تزين معصميها دمالج صفراء ذهبية. كانت اقرب الى امرأة ميسورة بأخلاق ملائكية. لم تنسها سنوات انتقالها من البادية الى المدينة اصولها القروية بل ظلت كريمة محبة للجميع، كنا نتحلق صغيرات ببيتها بعد صلاة العصر على السطح حيث خصصت -الدّا حادّة- مطبخا تقليديا بتنور طيني وقدور عتيقة تفحمت قيعانها لكرم صاحبتها فيما امتلأت جنبات المطبخ بأكواز الذرة الجافة والخضراء. كنا نفرك بأكفنا الغضة حبات الذرة اليابسة فلا نذر منها الا عود الوسط . تعلمت أن أسميه -الزغبور- بعاميتنا فكنت أجده اسما غريبا لا يستقيم على لساني فأتلعثم في نطقه.
     ما كانت رحمها الله تفضل ابناءها وبناتها على ابناء جاراتها ابدا، فما ان تشم انوفنا الصغيرة رائحة الذرة المقلية في سماء زقاقنا حتى نقطع لعبنا الطفولي، نتسابق الى السطح تتعالى أصواتنا هاتفات: ًالدّا.. كمشة ً. دّا. لفظ توقير للكبيرة من النساء وكمشة اي ملء راحتي اليد. نمد أكفا عديدة فما كانت تضيق بنا قط. ولم يكن باب بيتها ذي الثلاث طوابق بالصعب الفتح، اذ تتوسط الباب من جهة اليمين دائرة حديدية بارزة النتوء يكفي ادارتها بأيدينا الصغيرة ليفتح الباب بلا مزلاج. نسابق الريح على الدرج الاسمنتي صعودا نحو الاعلى...نحو الدّا حادّة ... حتى كلب الصيد -ريكس- ليس بإمكانه اخافتنا أو النباح في وجوهنا فقد ألف ذخولنا المتكرر البيت. كانت – الدا حادة - تتحمل عبثنا الطفولي، أجدها جالسة باسمة الثغر، وضيئة الوجه. تزين خديها شامات عديدة اختارت أن ترتاح على وجنتيها ساكنة حتى اذا نلنا حاجتنا قفلنا راجعين. كنت أزورها ببيتها كل وقت، لضيق زقاقنا، كانت تكفيني مسافة الثلاث أمتار الفاصلة بين بيت أسرتي وبيت الدّا أقطعها في خطوتين، فرحة، جذلانة، خفيفة، حيث أبواب الجيران مفتوحة دوما لعلاقات صافية نقية كاللبن. أراقب الدّا حادّة وهي تؤدي أشغالها البيتية وآنس جدا بالتجول معها على السطح وقد حوّلت حمامها البلدي القديم الى مكان لتربية الارانب الرومية ، أتسلى بإطعامها الحشائش فيما أراقب الدّا في اندهاش، مشيتها، حركاتها، ضحكاتها، صورها على حائط غرفة نومها وهي في رحلة الحج مع زوجها، يدها المعطاءة، تطعم هذا وذاك... ترتدي سروالا تقليديا نقشت عليه ورود ملونة منسوجة بالطرز الرباطي نسبة الى نوع من التطريز بآلة الحياكة العصرية يزيده قفطانه القصير الأكمام بهاءا ورنقا.
         كانت تنصت الى اسئلتي الطفولية، تكلمني، ننزل الى الطابق الثاني حيث سكنها الخاص فيما تقيم ضرتها بالطابق الاول. وبقدر ما كانت الدّا حادّة طيعة، رقيقة الطبع، يحبها الجيران، تجود بخيرات الأرض التي ترد عليها من ضيعة زوجها بإحدى المداشر القريبةِ. كان الرجل فلاحا ميسورا مكافحا ومقاولا حذقا، تجود عليه الارض بخيراتها لكل موسم من زيتون ورمان وتين وذرة وقمح... فكانت تجعل لكل جارة نصيبا من محصول الزيت البكر كل موسم عصر جديد، طالما بعثتني وصويحباتي من المنعمات بكمشات ذرة السطح نطرق باب كل جارة نمدها بنصيبها بانتشاء شديد. ترسل بسخاء اطباق الارز المطهو بماء الزعتر البري المسقى بزيت الزيتون والزبدة البلدية لجاراتها في عيد يناير الفلاحي، لا يفتر فاهها ابدا عن الابتسام وهي تحدثني... ولأن الحاج رجل مضياف وطالما اجتمعت في بيته شلة رفاق القنص بجبال امسكرود، كانت الحاجة تتفنن في اكرامهم واعداد وجبات الدجاج المحمر ، وقد كانت وجبة لا تعدها الا البيوت الميسورة آن ذاك. حيث تغمس الدجاجات المكتنزات في خليط التوابل وروائح الثوم المدقوق والليمون الحامض استعيدها اليوم طازجة، عبقة رغم طول السنين... حتى اذا تُبلن واصطبغن بالكركم و الزعفران نصبت قدورها الكبيرة على الارض، تطهوها متفننة وقد رفعت ثوب النصف الامامي من قميصها المطرز على حزام المجدول الصوفي الذي يزين خصرها تتدلى منه دوائر فضية لامعة فيما يُظهر سروالها التقليدي القصير المطرز الفضفاض ساقين معتدلتين تنتعل صاحبتهما دوما بلغة تقليدية مختلفة الالوان... 
           تباشير رمضان المعظم لا تكتمل ابدا الا بأمسيات وصباحات الكراوش "الشباكية بلا عسل" . فبعد تسريحها وتشبيكها في قطع عجين ملتوية، غنية البهارات، لم تكن –الدّا- تحتاج كثير دقة للفها بخفة بأصابعها النحيلة... بعدها تتصاعد روائح القلي في صحون بيضاء كبيرة مقعرة... وحدها فقاعات الزيت وأبخرة توابل العجين تبعث سعادة لا يكملها الا طقس التذوق مساء في فناء البيت الواسع مع أباريق الشاي المنعنعة...
              لكن المشاكل وضغوط الزوجة الثانية جعلا الحاجة دوما في موقف الدّفاع عن ابنائها لتقف شامخة بين مطرقة أبناء يتطلعون للحرية والعيش بطريقة زمانهم وسندان الزوج الصعب المراس. كان على الحاجة الدفاع عن أبنائها دوما ومسؤولية إطعامهم والعناية بهم خاصة وأن بيت الخزين لم يعد لها بل صار للزوجة الصغرى.
       ولان لدورة الايام حكم وللضغط تبعات، تصاب الحاجة بشلل نصفي اقعدها الفراش اعواما. كنت ازورها وقدسكن حبها قلبي لطيبتها، تتمتم، وقد فقدت القدرة على الكلام الا إشارة بسبابتها، تشير... وتكرر الاشارة... تأمر بناتها أن يناولنني نصيبا مما يجود به زوارها من موز او لوز أو حلوى...
        كنت أراقب سريرها الحديدي وملاءاتها القطنية الدافئة وقد اختارت بدلها فراشا بسيطا على الارض. أقترب منها فتتسع عيناها فرحا لمقدمي وأنا الطفلة الصغيرة ذات الجدائل البنية الطويلة.. تنظر الي نظرات كنت أفهمها بلغة الحب الطفولي وعلاقة الجوار الممتدة من الوالدية وقد عقصت ما تبقى من شعرها بشكل دائرة أعلى رأسها، أحدثها، وقد لا تسمعني... عن رائحة الذرة المقلية التي اشتقت إليها... عن جولتنا بالسطح، عن أرانبنا....امتنعت كبرى بناتها عن الزواج مفضلة العناية بوالدتها...والحق أنها كانت تتفنن في تنظيفها وتطييبها يوميا بالبخور واعداد غرفتها للزوار من أهل القرية الذين يفيدون مبكرين.
         يوم وفاتها، بكيت فراقها وأنا طفلة العشر سنوات، بكيت هذه الروح الطيبة وبعفوية، لم أستسغ طقوس تغسيلها وقد أغلق في وجهي باب غرفتها للمرة الاولى، لم أخف الموت يومها بل كففت دموعي عندما أخبرتني أمي مواسية أن دموعي قد تحرق –الدّا- في قبرها. لكني بكيت سرا هامَةَ امرأة حملت على عاتقها مسؤولية أربع بنات وخمسة رجال. لم تنحن الدّا حادّة أبدا... بكيت ابتسامتها التي غرست محبة أولاد الدرب... بموتها أنغلق الباب الحديدي في وجوهنا وانقطع موعدنا على سطحها بعد صلاة العصر. ماتت- الدّا-. لكنها في قلبي لم تمت. والآن تدور دورة الزمان بي وقد تزوجت وانجبت، وأجد الدّا أمامي أتذكرها بعطر زهر الخزامى في مخيلتي، باصطفاف ثيابها المرتبة دوما في دولابها، بسعة صدرها... أتذكرها كزهرة يانعة مشرقة لا يمكن لأحد ان يقطفها من ذاكرتي.


قصة قصيرة نشرت لي بجريدة التجديد عدد 1896 بتاريخ 21 ماي 2008م.

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية