فستق حلبي
*****
"لم أذهب يوماً إلى حلب فارغة اليدين ...كنت دائماً أحمل حلما بحجم حب ...و كنت أحمل زوادتي من الألم والانكسار كذلك..." قال صوت في داخلها...قطعته سكين الوقت المرّ...
حين تضم حلب سماء حلمك فستسيج ماتبقى من نزيف الأمنيات وتنظمها كعقد من صباحات أليفة ...تتفتح في عيون الطريق إلى المخيم، الطريق التي بدات تسيل على تمطي جسد التعب المتسلق على أبواب البيوت المسودة وحيطان الدكاكين المنقوشة بخربشات حروف وكلمات اختصرت حكايات طفحت بمرارة النفي والنزوح و أثقلت خطوات العابرين عبر ممرات الموت السرية الى غد مبهم العينين بعد أيام دامية تحول فيها الموت إلى فرض يومي يؤديه الناس كما يؤدون صلواتهم .
يستيقظ الحنين في دمها ، تفرج حرارته عن كلمات اغنية حب لاتبوح وقصيدة لاتتعب من الجري وراء حقول جديدة للضوء وسنابل لغة أزلية الدهشة؛ وعادت بذاكرتها إلى سنوات طويلة أيام دراستها منذ عقد من السنوات؛ كم كانت تحب حلب والقصائد وصوت الفستق الحلبي آن تفتحه .
وهاهي تعود إليها الآن لا لتمارس هوايتها في التسكع في بساتين اللوز والفستق بعد الخروج من المحاضرات أو لتهزُّ مدرجات الكلية بقصائد عن الحبِّ والثورة ؛ بل لتندرج في قوائم النازحين.
يطرق صوت السيارة وجه الشارع الطيني ويزرع في كل خطوة رعشة كشف جديد وتوجس لخوف يتناسل في خلايا الدم ، أمالت رأسها على كتفه بإعياء وهمست ألم نصل بعد؟؟!! ...
- بقي القلي ؛ .وندت عنها تمتمة : - قليل من عمرنا .
هدر صوت محرك السيارة ففزت من على كتفه هلعة أعاد رأسها وقال: لاتخافي لايوجد هنا طائرات بأجنحة سوداء .
وراءهما في مؤخرة السيارة يتكوم إخوتها الصغار وقد التف بعضهم على بعض يلتمسون دفئاً او شيئا من أمان ...
"تعبوا من الطريق الطويل " همست. فقال لها : سيرتاحون الآن ولن نوقظهم قبل وصولنا ...
السنوات الخمس التي مضت وهما يتنقلان من مخيم إلى آخر يحملان الأطفال الخمسة يهربان بهم من ألموت الذي خطف والديهم وتركهم على عاتقها وعاتق ابن عمها و خطيبها. لمع خاتم خطوبتها في يدها اليمنى ؛ نظر إليها وهي تتأمل الخاتم وتبدو أحلامها بعرس وبيت هادئ وقد تلاشت منذ زمن طويل .قال: "من السهولة ان ننقله إلى اليد الأخرى " .وبدت كلمة السهولة جبلاً شاهقاً يسحقها صعوده ...دمعت عيناها وقالت: ً - "مستحيل..."
أمسك جانبي وجهها بكفيه الضخمين وهمس: ..أأنت خائفة؟؟!! أتخافين وانت معي؟! اعتدل في جلسته وضع وجهه بمقابل وجهها وعينيه في عمق عينيها حيث يزهر اللوز وهمس :
- " أعدك أننا سنصل إلى المدينة سالمين وسأقيم لك عرساً رائعاً وسنعيش معاً ونربي إخوتك معا،ً .
تناول يدها بنفس القوة والحنان سحب خاتم خطوبتهما من بنصرها الأيمن ودسه بعذوبة في يسراها ؛ و في أذنها همس بإصرار :-" أنت زوجتي منذ الآن ."
في السماء الضيقة ...تئزُّ طائرة نزقة
وعلى جانبي الطريق يتفتق فستق حلبي دامي الأطراف.....
بقلم : عبير عزاوي
