المتسولة الصغيرة (هاتها من البداية)
*********
كنت جالسا في ركني المعتاد خارج المقهى الصغير؛ أحتسى الشاي وأمتص دخان النارجيلة بعمق؛ أضع أمامي الورق وأمسك بالقلم؛ وأهيم أبحث عن القوافي والكَلِم.
أفقت من غفوتي الهائمة بكفٍ صغيرٍ ملوث بالأوساخ أمام ناظري، وإذا بطفلة صغيرة في ثياب رثة تتطلع نحوي بعينين صافيتين كلها رجاء صامت وتوسل؛ وضعت القلم، بحثت في جيبي فوجدت بعض القروش الفضية؛ وضعتها في اليد الصغيرة؛ قبضت عليها بلهفة؛ ثم دارت على عقبيها ومضت.
تأملتها وهى منطلقة في طريقها تحث السير، فبدت في ضوء المصابيح الشحيحة ذات تكوين جسماني بديع.
قفز شيطان الشعر وتربع في الهواء أمامي؛
طفلة صغيرة
تستجدى
قد مضت
نعم .. نعم ... أخيرًا
وبنظرة مستقبلية استشرافية لما يمكن أن يؤول إليه حال هذه الطفلة ...
أكمل شيطاني؛
طفلة صغيرة
تستجدى
قد مضت
أرى أردافها .. ثقلت
كبرت
آه ... التحولات المنطقية - المصير المحتوم لمتسولة صغيرة ذات تكوين بديع .. الضياع .. أجل أجل .. الضياع والرذيلة.
كبرت
لم تعد تمد يدًا صغيرة طفلة
ذراعين كمخلبين قد مدت
يا للشيطان ... جميل ... جميل
تعرت
أكمل ... اكمل أيها العبقري؛ هاتها من البداية؛
طفلة صغيرة
تستجدى
قد مضت
أرى أردافها ثقلت
كبرت
لم تعد تمد يدا صغيرة طفلة
ذراعين كمخلبين قد مدت
...............
وإذا بجلبة حولي، وحركة سريعة، وهمهمات، وحوقلات؛ وانتباه رواد المقهى يهرولون نحو الميدان الصغير القريب.
لا شعوريًا وجدتني انهض أهرول مثلهم؛ واندفعت نحو حلقة صغيرة من الناس تتزاحم، اندسست بينهم؛ ونظرت ... هي .... هي!...
إنها طفلتي الصغيرة ملقاة على الأرض؛ ينساب من فيها خيط قاني ... صدمتها سيارة طائشة.
وقفت مشدوها كالتمثال؛ أراقب رجال الشرطة والنيابة يعاينون الجثة الصغيرة؛ ويرسمون كروكيًا صغيرًا على الأرض؛ ... حملها أحدهم ومضى.
مازلت أقف وحيدا أحملق في بقعة الدم؛ تألقت قروشي الفضية المبعثرة في ضوء مصابيح السيارات
العابرة .... ركعت ألمها...
طفلة صغيرة
تستجدى
قد مضت
صغيرة ظلت
ما كبرت
لم تعد تمد يدًا صغيرة طفلة
ذراعيها المتسخة سكنت
على الأسفلت البارد تمددت
ليتها .... عاااشت
تربع شيطان الشعر في الهواء أمامي وقال بسخرية : هاتها من البداية
ودمعة حرى من عيني ... انحدرت.
ومضيت لا ألوى على شيء
****
سمير العَصَري
