الحَشْتَبَشْتَكَ
******
نظر إليه بحَنانٍ، اِعتَصَرَ القلقُ قلبَه، طالت رَقْدَتَهُ، مُسْتَلْقٍ بلا حَرَاك، جلس إلى جواره منهكاً وسُرْعَانَ ما راح في غَفْوة طَرَحَته في أغوار ذاكرته حيثُ البَراءَة الأولى الخالية مِنْ أَوْزَارِ التَّكليف، تَرَاءى له مَشْهَدٌ ضبابي ذُهِلَ عنه رَدَحًا من الدّهْرِ، يجالسه، ينظر إليه أبوه في عينيه، يَسأَله بجِدّيّةٍ مُفْتَعَلة، وبلغةٍ عربية رصينة:
- هلْ رأيتُ الحَشْتَبَشْتَكَ يا غُلام؟.
يُجيب مُتملِّصًا:
- لاااا يا أبى.
ينظر إليه نظرة ذات مغزى ليبدِّل جَوَابه ويعيد سؤاله:
- هل رأيت الحَشْتَبَشْتَكَ ؟.
- نَعَم يا أبتِ.
- ما لونه ؟.
- رمادي اللون
- هل له خُرْطُوم ؟.
وهكذا؛
يداعب ابنه، يسأله يتلقَّى اجابته يصحِّح له لغته، نُطْقهُ، مَخارج الحروف، يتلاعبان سويًا بالألفاظ، يتضاحكان في حِوَارٍ هزلىٍ فانتازى لانهائي، يُشحذ بَديهته ويُثرى حصيلته اللُغَوِيَّة.
...........................
انتبه من سُباته، تَطَلُّع في وجه أبيه، يتلمَّس نجاته.
مَال على أُذُنه، همس والدموع تتجمع في عينيه دون وعي:
- الحَشْتَبَشْتَكْ!
تَمَلْمَلَ الرجل في نومته؛ رَعَش جفناه.
- هل ... هل ... هل رأيت الحَشْتَبَشْتَكَ يا أبى ؟
ارتسمت ابتسامة واهيه على وجه الأب، نطق بصوتٍ متهدجٍ لا يكاد يبين:
- نَ.. نعم ... يااا .... يا بُنى
عاجله بلهفة:
- هل رأيت الحَشْتَبَشْتَكَ ... صِفهُ لي؟
اعتدل الأب في نومته، تزداد نبرته وضوحا وقوة،
- رأيته رأى العين ... رأيته بأُمِّ عيني ... كفاك الله شره يا بنى.
بين الضَحْكات والدُموع، أَغْرَقَا في حِوَارٍ أُسْطوريّ.
******
سمير العصري
