خلف السياج
ـــــــــــــــــ
سارت عبر شريط ترابي ضيق، وعليها حمل ضخم من البرسيم الأخضر، انهمر المطر، فخرت المياه من جانبيها على حيد الطريق، الذي ازداد وحولة، نفر الطين من تحت عجلاتها، لتترك خلفها قناتين صغيرتين، سرعان ما امتلأتا بالوحل، جلس فوق الحمل شاب قمحي اللون، يرتدي جلابية ملتصقة بجسده بفعل المطر، وحول رأسه وأذنيه تلفيعة صوفية يستدفئ بها.
أمسك بقوة عنان البغلة التي تجر العربة بصعوبة، انزلقت حوافرها بفعل الوحل، فسقطت على ساقيها الأماميتين، انحدر الحمل على جسدها، ساعدها الشاب على النهوض، سوي الحمل، وسار بمحاذاتها يستحثها، سقط الحمل الضخم ثانية بفعل انعطاف الطريق المفاجئ، رفع الحمل، فسقطت البغلة، تكرر ذلك مرات.
داعبه الطريق الأسفلتي على امتداد الأفق، وانشغل بحساب أعمدة الكهرباء المضيئة و تلك التي أنطفأت عيناها، فجأة... سقطت إحدى العجلات في نقرة اختفت تحت ماء المطر ، تأرجحت بعنف، فقدت توازنها، انحدرت بما عليها تجاه القناة الجانبية لتستقر فوق البغلة، بينما قفز الشاب إلى الشط الآخر للقناة، أخذ يصرخ ويستغيث... نزل إلى القناة حاول أن يرفع خشبتها عن ظهر البغلة... ما زال يستغيث... غاصت العربة في الماء الضحل لا يظهر منها إلا ما تحمله، تلبكت البغلة في الطين اللزج، صرخ مستغيثا، جاء رجل من أقصى حقله يسعى، قفز في القناة مندفعا، رفع معه العربة من الناحية الثانية، فلم تتزحزح ، صرخا معا... جاء ثالث، فأخلوا الحمل من فوقها، شقت الصرخات سكون المكان، وعاد صداها فكأنما الفضاء الوادع يردد الصراخ... صاروا أربعة، هيا يا رجال، خفتت أنفاس البغلة، تقاطر الناس... باتوا سبعة.
- الشاب الثاني: علينا أن نستجمع قوانا.. صاح: هيلا هوب... ردد الجمع: يالله،
-هيلا.. يالله
كلما رفعوا العربة قليلا، عادت لتسقط رغما عنهم، بدأت القوى تخور، والحيلة تعجز، والبغلة ترقد في الوحل، لا يظهر منها غير رأسها.
أخذ العيون رجل طويل القامة، مشدود العود، وفي يمينه عصا يتكئ عليها، تعجلته النظرات، وضع عصاه علي جسر القناة، ألقى بنفسه فيها، جعل كل واحد منهم في مكان، وضع كتفه تحت العربة، رفعها من الطين مع البغلة، وقف الجميع مذهولين، صاح فيهم: اقطعوا الحبال، تحررت البغلة من العربة، رفعوها من الطين، انهمكوا في إخراجها، ورصّ الحمل فوقها، انسل الرجل من بينهم، تلفتوا... بحثوا عنه... لم يجدوه... دهشوا...
- الشاب الثاني: رأيته وأنا أرفع رأسي قادما من هذا الاتجاه، وربما عاد منه، وأشار بيده إلى مدق صغير.
- الشاب الثالث: أظنه عفريتا من الجن ظهر في صورة إنسان، ثم اختفى
- أحد الدراويش: أعتقد أنه ولي من الأولياء وقطب من الأقطاب، وما حدث كرامة من كراماته، سمعته يهمس: مدد يا أم هاشم، مدد يا حسين.
الشاب الثاني: دعوا هذا الهراء الذي لا يقبله عقل طفل، هو ساحر... ألم تروه يغزّ البغلة بطرف بعصاه، فهبت واقفة؟!
استتر الرجل بعيدا بالظلام، خلف سياج من الغاب، جلس القرفصاء؛ ليقضي حاجته، وهو يسمع حديثهم منتشيا ببقبقة بوله وهو ينحدر تجاه العربات البشرية المُكهّنه هناك...
********
محمود فودة
٢٠٢٠/٩/٣
