كان طيّبًا
*****
صَديقي كانَ طيّبًا جدًّا،
لِدَرجة أنّهُ كانَ يَصنَعُ مِنْ سَنابِل
القَمحِ قلائِد للعَصافير،
ويَبني أسوارً حَولَ بُيوتِ النّملِ في الحُقول،
يَمتطي الغَمامَ ويَقودُه نَحوَ الجَنوب
يَعصِرُه بِكفَّيه فوقَ الأفواهِ العَطِشَة،
يَصنعُ مِن هَديلِ الحَمامِ تهاويدَ للأيْتام،
يأكلُ وجبةً واحِدة ويتبرّعُ بِوجبَتين،
يَسكنُ غرفةً صغيرةً في بَيتِه الكَبير،
جَعل فيها مطبخًا ومِرحاض،
وباقي الغُرف أسْكَنَ فيها
كلّ المُشرّديين في حيّنا..
يفتحُ السّتائِر ساعةً واحِدة
فالشّمسُ يجبُ أن توزِّع أشعّتها بالتّساوي
على البُيوتِ المُجاوِرة..
يأخذُ أنفاسهُ بِحذر، يخشى أن يَسلُبَ
جرعَة هواءٍ زائِدةً من رِئة الكَون..
يكرهُ النّوم على السّرير؛
وينامُ داخلَ قَبر،
حَفرهُ ذاتَ كابوس
حينَ مرّ على صحوه مذكّرًا إياه؛
بعذابِ الحياة..
يَقضُم أظافِرهُ على العَشاء
ويَحتسي دُموعَه كشرابٍ يُساعِدُ على هَضمِ
مأساتِه،
يُعبّئ البَاقي في قَطّارةٍ طبّية
ليَذرِفها حينَ يجتاحُه جَفافٌ عاطِفي..
يَجمع ضَحكاتِه الوردِية ويُهديها للأطفالِ
في يومِ العِيد..
يَتصفّحُ الجَرائدَ كلَّ صَباح،
يُفتّشُ عن عَناوينَ للسَّلام،
يَبحثُ عَن وجهِ الحَقيقَةِ بينَ أصْباغِ
المَجلّاتِ المُلوّنة،
يُديرُ المِذياعَ على أغَاني الحُريّة
فَيخترِقهُ الرّصاص..
تَتهشّم نوافِذُ قلبهِ المُطلّة على
الإنْسانية؛
فَيسقُطُ في دوّامةٍ مِن تأنيبِ الضّمير..
يَزورُ المَقبرَة كلّ يَوم،
يَزرعُ الوَردَ على أضْرحَة الأمّهات
اللاتي فقدْنَ أبْناءهُن ذاتَ عُقوق،
يُمرّغُ صَوتهُ بالتُّرابِ ثُمَّ يَرتَديه
يَصرُخ، فَينبُت الصّبّار على ثَغرِه،
ثم يَقفِلُ عائدًا؛
دونَ أن يَعرفَ تَحتَ أيّ قَبرٍ
ترقُدُ أمه..
حينَ يَزورُه الأرَق
يَتعانقان،
يَفترِشانِ الأرضَ ويَشربانِ القَهوة،
حينَ يَعرضُ عليهِ سيجارَة
يُخبرُه أنّ التّدخينَ مُضرٌّ بِضحكَتِه،
لَم أخبرهُ يومًا أنّ ضِحكَتهُ أصبَحَت صَفراء،
وأنّ المرآةَ كاذِبة
رَشوتُها كي لا تَبوحَ لهُ بملامِحِه الشّاحِبة..
زَارهُ الطّبيبُ مَرّة،
أخبَرهُ أنْ يَنزعَ عن عَقلهِ دَبابيسَ أفكارِه،
أن يَتناوَلَ حبّةَ نِسيانٍ قَبلَ أن يتناوَلَ ذِكرياتِه
لكنّه كانِ يُخبّئها دائمًا تحتَ لِسانِه؛
ثم حينَ يُناديهِ الطّبيب؛
يَتظاهرُ بِنسيانِ اسمِه..
صَديقي لم يَتزوّج،
أعوامُه تَهربُ مِنهُ نحوَ الأرْبعين
وهُو لا يُحاوِل الإمساكَ بها،
قالَ أنّه يَخشى الزّواج،
فهوَ لا يَعرفُ من أيّ نُطفةٍ قُذِف
ولا أيّ رحمٍ تلقّاه،
مَن أُخته ومن تُراهُ أخاه؟
لا يعلمُ ما دِينُه، وماذا يُشبهُ
وطنُه!
لكنّه آمنَ بالله..
حينَ زارهُ الموتُ بعد طولِ انتِظار،
أخبرَهُ أن يأخُذهُ لأمّه،
كأمنيةٍ أخيرة،
لا يريدُ الرّحيلَ باسمٍ مُستعار،
لكنّ المَوتَ أصابهُ الزّكام
ولم يستطعْ تقصّي أي أثرٍ لها،
على شاهِد قَبرِهِ الأصَم وقفتُ حائرًا؛
ثم كَتبْت؛
صديقي كانَ طيبًا جدًّا...
********
تناهيد عبد الرحمن
