انطباعات حول عوالم القصة القصيرة :
•••••••••••••
اللقاء الثانى :
ـــــــــ
قراءة تطبيقية للمعالم :
ــــــــــــــــــ
القصة القصيرة اتُفق على أنها تتناول "حادثة واحدة
أو شخصية واحدة أو موقفًا واحدًا"
ويقول ( روبرت لويس ستيفنسون)مؤلف الرواية الشهيرة
دكتور جيكل و مستر هايد:
" ليس هناك إلا ثلاثة طرق لكتابة القصة؛ فقد يأخذ الكاتب
حبكة ثم يجعل الشخصيات ملائمة لها، أو يأخذ شــخصية
ويختار الأحداث والمواقف التي تنمي تلك الشـــــــخصية،
أو قد يأخذ جوًا معينًا ويجعل الفعل والأشخاص تعبر عنه
أو تجســده "
و في هذه القصة اختار الكاتب السبيل الأول متكئا على
تلك الحكمة التي جعلها في مستهل النص كعلامة دالة .
ـــــــــــــــــــــــــــ
قراءة لقصـــــة “مؤاخذة الجحش بقضم الجزرة” للأديب:
د. شريف عابدين :
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولا : النص:
العدل.. ومنطق الحيوان:
“لا يُسرق بيتك ونافذتك موصدة..لا قبلة مختلسََة دون تواطؤ”
ذلك الصبي الهادئ الخجول المتلعثم كان مملوكًا لشاهبندر التجار حين أهداه لكبير العسس في البلدة.. وحين عهد إليه الكبير بقيادة الدابة التي تحمل ابنته إلى كُتَّاب الشيخ، كان يؤكد ثقته العمياء.. والحقيقة أن أحدًا لم يختلف على ولائه وأمانته.. أشاد به الجميع وأثنوا على وداعته ودماثته
***
لكم كانت جميلة تلك الفتاة الصغيرة.. رغم كل القيود الصارمة والتقاليد العتيقة كانت تتسم بالمرح والنشاط الدائب، لا تهدأ أبدًا عن المشاكسة وتدبير المقالب.. ويحرص الكل على ترضيتها وعدم مضايقتها؛ فقد كانت قرة عين الكبير
***
ما حدث في ذلك اليوم لم يتوقعه أبدًا؛ فما أن هم بمساعدتها على النزول من الهودج في باحة الكتَّاب، حتى عاجلته بمد يدها نحو عينه معتصرة قشرة اليوسفي، بينما انهمكت في تلمظ ثمرتها الناضجة بتلذذ، وهي تقفز في رشاقة غير عابئة بما ألمَّ به
***
ظل يدعك في عينيه حتى صارتا ككأسي دم تنسكب منهما الدموع، وحين حاول أن يلحق بها اصـــــطدم بأحد الأعمدة وصاح من الألم فالتفتت إليه تتعجل إحضار حقيبتها.. ســــــــارعت نحوه.. فإذا بالغلام يئن في صمت ،أخذت تربت على كتفه في حنو بالغ معتذرة عما اقترفته دون توقع ما حدث، لكن الفتى لا يســـتطيع الرؤية , .يلوِّح فقط بيديه متلمسًا ما حوله حتى يكاد أن يترنح.
انخرطت الفتاة في البكاء في فزع، وانهمكت في تقبيل جبينه فاشرأبَّت إليها عنقه وتلامست الشفاه، وحين تذوق دمعها أخذ يرتشــــفه معتذرًا بينما يلثم وجهها مجهشًا بالبكاء، واستغرقا في القبلات حين مرّ بهما الشيخ متوجهًا إلى حلقة الدرس، هاله الموقف صاح :
ـ أيها الشيطان ماذا تفعل؟
وأخذ يكيل له بعصاه الخيزران على مؤخرته؛ فقفز هاربًا، والشيخ يعدو خلفه متوعدًا.. لكن خطاه المتعثرة .لم تســــــعفه لإصابته القديمة بشلل الأطفال فتمكن الفتى من الفرار
***
اختفى الغلام تمامًا من البلدة؛ رغم جهود العسس، وانتشرت الشائعات في البلدة بأن “زلال عينها” أسكره حين ارتوى منه منسابًا على شفتيها فتســــامت روحه وتبخر في الآفاق، بينما جرؤ البعض على اتهام الفتاة بإخفائه بعيدا عن أعين أبيها
***
لكن واجبه ككبير العسس حتّم عليه أن يبلغ الواقعة إلى قاضي القضاة، خاصّة بعدما شاع الأمر وتناقله .العامة والخاصة
:قال له قاضي القضاة الأمر لا يستحق.. لا يتجاوز جزرة قضمها جحش
***
لو لم يذع الخبر لانتهى كل شيء، لكنها صحف المعارضة ومصورو (الباباراتزي) ممن يقتفون أثر الفتاة .التي لم تخف روعة تلك القبلات وأسهبت في وصفها لصديقاتها
غمغم الكبير:
لو قبُض عليه؛ لقمت بتصفيته في سكون
ثم زفر طويلا:
لو لم ينتشر الخبر كالنار في الهشيم
ردد البعض:
لابد أنها كانت تمزح كطفلة حين اعتصرت ببراءة قشرة اليوسفي
وصرَّح البعض الآخر بأنها كانت تود أن تجلو عين الفتى التي تتجنب رؤيتها حتى ينتبه إلى جمالها .. بينما أشاع الكثير من الناس أن عين ذلك الفتى القارح كانت تستدعي أن تصوب لها رصاصة لا أبخرة زيوت اليوسفي العطرية لأنه كان يختلس النظر إلى فتنتها.. لكنهم اتفقوا على أنهما لم يفترقا، وأن الفتاة لو أبدت أية .شكوى منه لأرسله والدها إلى ما وراء الشمس.
***
لم تتوقف البلدة عن الخوض في سيرة الفتاة ورســـــــــــــم العديد من الســــيناريوهات المثيرة، وصارت أمثولة القاضي بالجحش الذي قضم الجزرة رمزًا للتهكم على العسس فكان الناس يمطون (بوزهم) كلما مرّوا بأحدهم، وينقشون مخطوطًا صوريًا للجحش على الجدران صار رمزًا للتهكم من السلطات.. وصاروا يطلقون المثل على كل المواقف التي تتماهى أو تفتقد أي علاقة بالسياق على سبيل التهكم، وأصبح الجحش أيقونة للتندر والطرافة.. واجتاحت صورته الرمزية في وضع القضم شبكات التواصل الاجتماعي.
***
هرع كبير البصاصين إلى القاضي مناشدًا وضع حد لتلك المهزلة فأجابه مجددا :
الأمر لا يستدعي حنقك، هي بالفعل جزرة وقضمها جحش
استشاط غضب الكبير:
كيف والبلدة تتحدث عن تقبيل ابنتي؟.. لابد من ردع ذلك الآثم
رد القاضي:
تلك مهمتك.. لقد فرَّ من أيدي رجالك
قاطعه الكبير :
إذن لابد من ردع ذلك الجحش الذي يطاردنا الدهماء بأمثولته.. لابد أن نغلق الملف.. أين عدالتكم الناجزة؟
***
اجتمع قاضي القضاة بمستشاريه، أخبرهم باستياء الكبير، واقترح عليهم ترضيته بعقد جلسة عرفية لمحاكمة :الجحش الأقرب لمحل إقامته. قال الجحش :
قضمتها ولم ألتهمها.. نلت الجزء وليس الكل، ثم أنها جزرة وليست تفاحة، كما أنني حمار صغير.. لدي العذر أنا! حمار موسوم بالغباء.. وصغير ..أي لم أرْقَ إلى درجة تخلف الحمار اليافع.. ولا تتعدى المقولة إعدادات مجازية لحسم الخلاف وإنهاء الجدل، ثم أنها لا ترتبط لدينا سوى بنموذج الجزرة والعصا في تراث .المفهوم اللوجيستي
***
عاتبه صاحبه حين أخبره المحامي بإمكان تحمله غرامة مالية:
حرمت من المدمس.. أعيش على الفول النابت لأوفر لك القشر.. وأنت تأكل الجزر!.. لا أحرق التبن لتقتات أنت.. بينما أتوق إلى الدفء
رد الجحش :
يا سيدي هي قضمة افتراضية.. جدال محتدم بلا معنى في أمرٍ منتهٍ
***
اعترض الجحش على التشبيه:
ما علاقة الجزرة بالقبلة؟
تلك الأمثولة تذكر في سياق الجدال عندما يكون أحد الطرفين غير مقتنع ويلقي اللوم على الطرف الآخر ..
ثم أن القبلة هي غذاء الروح.. بينما الجزرة غذاء للجسد.. الجزرة هي هبة الطبيعة.. القبلة هي هبة الحب ..
!يمكنك أن تتناول الجزرة سيرا.. لكن أثناء القبلة يتوقف الكون.. القبلة لا تُختلس، لا تُسرق
***
عندما ألمح الجحش إلى أن هناك شبهة تواطؤ أراد القاضي أن ينهي الأمر حتى لا تتورط ابنة كبير العسس
يا حضرات المستشارين لم تكن الجزرة سوى الحلم الذي داعب جحشنا.. مثلما كانت القبلة حلم الفتى وقد توصَّل يقين المحكمة بما لا يدع مجالا للشك أن الأمر لا يتعدى قضم الجحش للجزرة متماهيًا مع اختلاس القبلة.. وعليه قررنا الاكتفاء بعقوبة جلد الفتى.. وقياسًا عليه يدفع ولي أمره الغرامة إحقاقًا للحق .العام وُيُجلد الفتى ترضية للمتضرر
***
لكن هروب الفتى عقَّد الأمر.. وإمعانًا في تحسين الصورة أمام المنظمات الحقوقية، وحتى يُسلمِّ المتهم نفسه للعدالة، انتدبت له المحكمة محاميَّا؛ فانبرى مدافعا :
سيدي القاضي.. إن السياق لم يكن وديًّا البتة بين الفتاة وموكلي الغائب؛ فقد كانت تجبره على تناول شطائر الحلبة التي لا يطيقها، وأن ينسخ لها محاضرات الشيخ، كما أنها استعارت منه أعدادا من مجلة “تان تان” لم تردها حتى الآن , لقد عُهِدَ إليه بمرافقتها قبل أن يخضرَّ شاربه، واستمر إلى الآن مكلفًا بمرافقتها على أجمل وجه إلى الكتَّاب .بإشادة الجميع وشهادتهم.
***
في نهاية الجلسة أعلن القاضي:
تتم محاكمة الجحش بدلًا من الفتى بالقياس
صاح الجحش:
لن أكون كبش الفداء.. البشر يفعلونها ونحن نتحمل نتيجتها واستطرد :
سيدي القاضي لم أختلس الجزرة من حقل الجار مثلما اختلس الفتى القبلة من ابنة كبير البصاصين.. لم أفعل.. هي تهمة افتراضية وقياس مجازي! نعم.. تهمة افتراضية وقياس مجازي.. لم أختلس الجزرة من حقل أحد
***
يتمتم الجحش:
ثم أن الأمر مفهوم جدًّا، ولا يصعب على جحش حصاوي مثلي فهمه.. إن التهيؤ لوضع القبلة سيدي القاضي يتطلب التموضع الإرادي للشفاه
يصيح النائب العام :
أحتج سيدي القاضي
لقد كان ينوي تقبيل جبينها تعبيرًا عن الاعتذار وطلبًا للعفو
يقاطعه الجحش:
من يعتذر لمن؟
ألم يفزعها عندما استشعرت أنه فقد الإبصار؟
!حين اضطربت وأشاحت برأسها للخلف برزت شفتاها قبالته
يقاطعه الجحش صارمًا :
إن اقتراف الفعل تم بالتواطؤ.. ليس هناك ثمة سرقة أو اختلاس كما تدعون
علق القاضي:
تعني لا ضرر ولا ضرار؟
صاح الجحش:
لا يسرق بيتك ونافذتك موصدة
!لا قبلة مختلسة دون تواطؤ
***
لكز كبير العسس القاضي
تبًا لهذا الجحش سيقلب الطاولة تماما.. سيورط الفتاة ..فلتسرع في حسم الأمر
يعلن القاضي :
ُيُجلد الجحش 05 جلدة.. يدفع صاحبه غرامة مالية.. يودع في خزينة المحكمة للحق العام 055 درهم ..
رفعت الجلسة..محكمة
***
عند تنفيذ الحكم ..
إذا كان عقاب القبلة رمزيا بجلد الظهر امتهانًا لمن امتهن كرامة أنثى.. بمعاقبته كالدابة وإهانته كما أهانها فليكن عقاب الجزرة واقعيا منطقيا بجلد البطن التي التهمتها..
انقلب الجحش على ظهره كالسلحفاة! متشبثا بالأرض زجره القاضي بعدما استشاط غضبه:
هيا انهض أيها الجحش
لم تتعد على شرف الجزرة لقد التهمتها ماديا استأصلت جزءًا منها.. لم تقتصر على كينونتها المعنوية كرامتها أو شرفها.. بل التهمت جزءًا عينيًا منها والعين بالعين
نهق الجحش معترضا .
ذلك هو الظلم بعينه! هل يتساوى قضم قمة مخروط الجزرة مع قاعدتها؟
وأردف قائلا:
يا مولاي ليس من العدل أن تختزل القبلة )تلك الحديقة المثمرة من أشهى الفاكهة( في قضمة جزرة.. ألا يتجاوز تأثير فعل القبلة منطقة الفم؟
تمتم والد الفتاة :
أيها اللعين
وقاطعه القاضي:
ُيُسجن الجحش لحين بت لجنة الحكماء في جواز قطع رأسه بدلا من ذيله بالقياس مع الجزء الذي قام بقضمه من أعلى الجزرة.
•••••••••••••••••••••
ثانيًا :(القــراءة)
[1]
الدكتور شريف عابدين فارس من فرسان القصة القصيرة جدًا، وأحد أعلامها البارزين فى العالم العربى، وقد تناولت أعماله فيها بالدراسة والتدقيق كتابات كثيرة جدًا حاولت أن تحدد تخوم ومعالم رؤاه، ومنهج تناوله الخاص ومعالجته لها.. والآن.. نحن فى مساحة جديدة من مساحات الرسم و التحليق الإبداعى له مساحة تؤكد مفهومى على الأقل _ وإيمانى الشديد بوحدة الفنون فى نفس المبدع، وأن المجالات الأدبية المختلفة _ وربما الفنية أيضًا _ تكمن، فى روح الأديب المتميز، فتمكنه من خوض الأودية المختلفة القريبة وارتياد واحات التعامل الإنسانى التصويرى لو أراد.. وهو ما أكده بامتياز كاتبنا المدهش بحق.
القصة القصيرة جدًا والقصة القصيرة، كلاهما يتعامل في النهاية مع الموقف واللحظة.. إلا أن الاختلافات تتسع بينهما بعد ذلك في كيفية هذا التعامل و حدوده وهدفه النهائى .. ما ينعكس بالتالى على الاختلاف البنائى الخاص بكل منهما القصة القصيرة جدًا سؤال الدهشة الذى يبدأ بنهاية القصة _ كما عند بريخت فى مسرحه الملحمى التغريبى _ .. فهى لا تجيب.. بل تستثير التأمل وتدعو إليه بإلحاح.
أما القصة القصيرة فتقوم بالدور العارض لشريحة من شرائح الحياة عبر تفاعل _ يتصاعد فى شكل هرمى إلى رأس المثلث وقمة التأزم ثم _ فى حركة عكسية يتغير المسار هبوطًا فى الخط النازل المقابل وصولا إلى لحظة التنوير النهائية التى تنفك عندها الخيوط و التشابكات التى احتدمت قبلا فى نمط أرسطى تطهيرى.
إذًا الموقف فى القصة القصيرة جدًا شديد البؤرية والتكثيف والمركزية والميكروسكوبية، بعكس القصة القصيرة التى تتعدد فيها الأحداث والشخصيات_ مقارنة بالقصة القصيرة جدًا _ وإن كان هذا التعدد ليس هو التعدد الروائى المنفصل غير الرابط فى سلسلة طويلة، بل هو التوسع فقط فى الظلال المحيطة بالحدث الرئيسى والموقف الواحد.. فهو ليس تعدد مواقف، بل تعدد ظلال، وهو ما سنراه فى هذا العمل الفلسفى المميز الذى بين أيدينا
ثنائية الشكل
بالرغم من صعوبة التفرقة بين الحكاية والقصة _ فكلاهما حكى _ إلا أن الأمر قد استقر فى النهاية على عنصر الواقعية فى القصة .. وعناصر الأخلاقية والحكمة والخيال والأنسنة وطرق الموضوعات الأسطورية والملحمية وقصص الحيوان فى مسعى للاقتراب من الحس الشعبى وفلسفته “التى تتناقلها الأجيال فى الحكاية، وتجسيدها الكامل “الحكاية الشعبية
تقاطعًا مع التراث الشفاهى الفولكورى والحكمة المستقاة {كألف ليلة وليلة وكليلة و دمنة}
•••••••••••••••
[2]
وهذا النص الماثل قد زاوج بين الشكلين بمهارة تستعصى على التصنيف الحاد:
[القصة الحكاية]
فهى قصة _ تجنسيًا _ لمن أردا التدليل والإثبات، وهى بالمثل حكاية لمن أراد التوقف عنده ذا الشكل والاستمساك ولا شك أن البراعة فى هذا الاستخدام للشكلين _ مزاوجة وتركيبًا وصهرًا فى منطق جديد _ لهو مما يجسب لهذا الكاتب النشِط، وهو أيضًا ما ارتآه ضروريًا لمعالجة هذا الموضوع _ موضوع العدالة _ بشكل يخالف نمطًا قديمًا معروفًا فىمعالجة “كافكا” لها مثلا فى روايته (المحاكمة)، أو معالجة المحاكمة نفسها فى رواية (الغريب) لألبير كامو.. فكلاهما كانت الشخصيات الإنسانية هى الأساس، وليس الحيوان فى مقابل الإنسان محاجاةً و مجادلة.. فالموضوع، فى قصتنا هذه هو موضوع بسيط للغاية، تطور ليصل إلى حد الموت عقابًا وليس للفاعل الأصلى، بل لمثيل وشبيه _ كما فى السحر إذا وقع الضرر عليه فكأنما وقع على الإنسان المقصود _ أو كأنها “عروس النيل” يلقيها الفراعنة قديمًا استرضاءً وقربانًا كى يفيض النيل، وكل هذا يقتضى الارتكان إلى نمط
الحكاية _ فى هذا القص _ المفعم بالرؤى والتساؤلات الفلسفية اختار السلطان المملوكى فى مسرحية توفيق الحكيم (السلطان الحائر) القانون ليحكم فى مشكلة أحقيته بالحكم بينما هو عبد، وأنه كى يكون جديرًا بالحكم فلابد أن يكون حرًا، فلابد إذًا أن يُشترى أولا ثم يُعتق بعد ذلك ورغم أن الفكرة تدخل فى إطار الفنتازيا المشوقة الأقرب إلى عدم التصديق أن ُيُعرض فى مزاد و تشتريه عاهرة ( إلا أنها منطقية فيما يتصل بتطبيق العدل) من ناحية العلة والمعلول والأسباب والنتائج، وكان السجال القانونى فيها يتسم بالقوة والعقلانية المطلقة، إلا أن المحاكمة العبثية هنا فى هذا النص السيريالى _ وهى مرحلة عند توفيق الحكيم أيضًا تمثل تيار اللامعقول متمثلة فى مسرحيته “يا طالع الشجرة” _ كانت محاكمة تفتقر إلى أى منطق للعقل ولم يفز فيها [عقليًا] إلا الحمار الصغير على جحافل الظلم الأبله المشوه عند بنى الإنسان.
الشاطر حسن والقبلة الملتبسة
فكرة القصة تقوم على جرم اقتناص قبلة _ مع التشكك فى كونها مقتنصة _ فهى بالفعل تواطؤ تم بفعل قدرى مفاجىء غير مرتب له الفعل غاية فى الغرابة، ورسم الكاتب له يعد من علامات المهارة فى الصياغة والتصوير الذى يستوجب كل الثناء، فالفعل يقف على الحافة الحرجة بين كل زوايا الحلم والتحقق والإمكان والاستحالة والإرادة والتواطؤ والمفاجأة والدهشة _ حتى لأصحابه _ والشجاعة والتهور الانتحارى .. إنه فعل يحتوى مئات المعانى، ويماثل فورة الأمواج العاتية التى تضيع فيها كل موجبات الفهم والعقل.. إنها كتلك اللحظة التى يرى فيها قاتل بالصدفة نفسه والسكين فى يده يقطر دمًا وآخر ملقىً على الأرض، ولا يعرف كيف ولا متى قتله فى غمرة غيبوبة الفعل المحتدم.
جموح الفعل هو أن” الشاطر حسن” هنا _ الخادم الفقير المتدنى المكانة والحال _ قد تجرأ وقبَّل من هى فى وضع الأميرة، والأكثر صعوبة أن براعته قد جعلتها تسبح معه فى عمق البحر المضطرم غير آبهة مثله.
اللوحة تمثل أيقونة من الفنتازيا الساحرة.. أن يفعلا ذلك فى عرض الطريق وأمام المارة فى ملمح أسطورى بالفعل:
“زلال عينها” أسكره حين ارتوى منه منسابًا على شفتيها فتسامت”
{روحه و تبخر فى الآفاق}
كما أن البراعة أيضًا تلامس فكرة التعاطف الإنسانى الذى يلائم مثل تلك الفتاة التى تربت فى خدر ناعم زاد روحها المرحة الطفولية بهاءً وسحرًا هى أيضا على أعتاب الأنوثة وتفجراتها متعددة الألوان، ولا شك أنها قد سمعت حكايا ألف ليلة وليلة، وراودتها _ ولو من بعيد _ دوائر الحب المزدان بغرابة الخيال الحكائى، وذلك الفارس الشجاع المتحدى الذى يخوض المخاطر ببسالة أنا أقف طويلا أمام هذا الفعل (الأيقونى) الذى يجِّسِّد لوحده، كما ذكرت، لوحة تماثل فى بهائها لوحة الجيوكندا متعددة الزوايا.
القياس وحيلة الإزاحة:
ذروة العبث
قضية أخرى تفرعت و نتجت عن القضية الأم ليتحول الأمر إليها فعلا افتراضًيًا:
{متهم فى فعل لم يقع}
•••••••
[3]
فى رواية ” كافكا” لم يعرف المتهم لمَ تم القبض عليه، ولماذا تتم محاكمته، كما لم تحدد الرواية جريمة ما، وهذا أمر يستثير التساؤل والغرابة و الدهشة، لكن ما يثير الضحك الحزين أن يتم اختراع قضية بالقياس الافتراضى.
وتسير القضية كأنها قد وقعت فعلا، ليصل الحكم المتوقع بعد ذلك إلى الإعدام.
(أما تداخل القضيتين) الأساسية والافتراضية المصطنعة لفعل ومتهم آخرين فهو فعل حكائى فى منتهى البراعة التى تصل للذروة المهنية لكاتبنا العظيم:
{فتى وقبلة مُختلسة} واقعًا
{جحش وجزرة مقضومة} افتراضًا
وهى طريقة امتزاج الحقيقة والوهم وقد عولجت بمهارة، كما حدث فى مسرحية ” ساعة الغذاء ” _ ذات الفصل الواحد _ لجون مورتيمر } مدير عابث يستغل ساعة الغذاء لقضاء وقت مع السكرتيرة فى الفندق القريب الذى يمتلكه صديق له، وفى أحد الأيام غاب الصديق فاتفق معها أن يمثلا دور زوج وزوجته لتسمح لهما زوجة صديقه بالصعود للغرفة ، لكن السكرتيرة بعد فترة من التمثيل تلبس _ وهمًا _ دور الزوج الفعلية وتستمر فى أداء الدور بعد ذهاب زوجة صاحبة الفندق رغم محاولات المدير لاقناعها أنهما كانا يمثلان ذلك.. ثم انتقلت العدوى بعد ذلك له، وانتهت المسرحية بإسراعهما لاجضار ابنهما [ الخيالى !!] من المدرسة.
(فى النص الحالى أيضًا، اتخذ المسار هذا المنحى الوهمى) المصطنع، وأكُملت الأحداث بناءً عليه.
فى علم النفس هناك ما ُيُعرف بآليتى الإزاحة
– Displacement وهى توجيه الأنفعالات الشديدة نحو أشخاص أخرين، والتحويل Conversation – وهو تحويل الصراعات الإنفعالية أو الدوافع المكبوتة وتعبيرها عن نفسها خارجـيًًا تهييبًا اوخوفًـاً وعجزًا عن مواجهة المصدر الأصلى، وهما تندرجان تحت مصطلح} ميكانيزمات الدفاع { عملا لاشعوريًا و إنكارًا للواقع و تزييفه، وتعنيان أيضًا اتخاذ هدف آخر أكثر سهولة، لكنه هنا كان فعلا متعمًدً اهو ما تمثله آلية [كبش الفداء] كما وضَّحها علم النفس الاجتماعى، والتى تستخدمها الجماعات حلا للصراع والمشكلات القائمة، وهى أيضًا
على المستوى السياسى، اختراع أزمة لتحويل الانتباه إليها، وشغل الناس عن القضية الرئيسية، كما يستخدمها التفاوض كآلية من آليات استراتيجياته، لكن الحمار الصغير كان منتبهًا وواعيًا تمامًا لـــ [اللعبة]، وفهم ما لم يفهمه القوم، لكنه مع ذلك تحمـلَّ تبعة غبائهم , تلاعبهم و سيىء خداعهم.
تمثل كل من القصة القصيرة والقصيرة جدًا منهجًا فى الرؤية المكثفة أو رؤية نعيد بها الاكتشاف والنظر الواعى، وتجعلنا نقبض على الجوهر الصافى لكل ما نمر به _ أو يمر به غيرنا فى الحياة عن طريق تثبيت اللحظة الفارقة.. اللحظة الكاشفة.. اللحظة الإنسانية الخطرة، فنرى التجربة الإنسانية بعد ذلك بشكل مغاير. ما كان لها بدونها أن تبين.
[4]
…………………….
عن القصة القصيرة:
تتكون القصة القصيرة من بناء.. ونسيج
(البناء يشمل العناصر الرئيسية) الشخصية – الحدث – البيئة
والنسيج يشمل:
(اللغة – والوصف _ والحوار _ والسرد)
ولنحاول أن نطبق هذه المفردات على هذه القصة لنرى كيف وظف الكاتب هذه التقنيات
أولا: البناء:
الشخصية الرئيسية:
هى هذا الحمار الصغير، وليس الفتى أو الفتاة اللذان كانا فقط أداة لاشتعال الحدث لتتحقق أزمة البطل الأساسى الذى قد ُيُنفذ فيه حكم الإعدام قريبًا بغير ذنب جناه .. الأنسنة هنا متوفرة تمامًا فى سجال الحمار مع القاضى.
الحدث:
جنون معاقبة الغريب لجرم ارتكبه قريب هرب، وباستحضار فعل مشابه فى جوهره(فعل الاختلاس)، لكنه مضحك فى بلاهة القياس و خطئه فى افتقاد الحد الأوسط الرابط بين المقدمتين كى تكون النتيجة صحيحة
البيئة:
مجموعة من العتاة بيدهم السلطة والقانون يكيفونهما كيفما
أرادوا ويتلاعبون بالقانون وبمنطقه بكل الاستهتار، ويرتكبون الظلم بسهولة محاولين أن يغلفوه بأسباب التعقل و الرصانة ..
هى إذًا بيئة مناسبة جدًا لاشتعال حدث وأزمة.
ثانيًا: النسيج
أولا: اللغة
تنوعت طبقًا لمجريات الأمور لترسم أجواء كل حال ومناخه التأثيرى بين الشاعرية
فى وصف وهج القبلة، وبين المنطقية التى يتطلبها حوار الحمار فى مقابل القاضى.
ثانيًا : الوصف
جاء موظفا لخدمة ما أراده الكاتب.. ومعبرًا عن الجو والخلفية التى تدور فيها الأحداث:
ذلك الصبي الهادئ الخجول المتلعثم كان مملوكًا لشاهبندر التجار ما حدث في ذلك اليوم لم يتوقعه أبدًا انخرطت الفتاة في البكاء في فزع، وانهمكت في تقبيل جبينه فاشرأبَّت إليها عنقه
وتلامست الشفاه،
اختفى الغلام تمامًا من البلدة
وانتشرت الشائعات!
ـ الأمر لا يستحق.. لا يتجاوز جزرة قضمها جحش
ـ إذن لابد من ردع ذلك الجحش الذي يطاردنا الدهماء بأمثولته
عندما ألمح الجحش إلى أن هناك شبهة تواطؤ وهكذا…
استطاع الوصف أن يرسم صورة كاملة عن أجواء ومناخ المكان والشخصيات
والأزمة _ أو تشابك أزمتين _ أحدهما اشتُقت من الأخرى، ثم زاملتها، ثم أصبحت
هى المشكلة الرئيسية.
ثالثـاً: الحوار
شمل نصف القصة تقريبًا، فى شكل يِّقربها أيضًا من مسرحية الفصل الواحد، تتماثل القصة القصيرة ومسرحية الفصل الواحد فى العناصر والبناء، لكن _ الاختلاف هو فى عنصر الحوار الطاغى والشامل فى المسرحية _
فرض الموضوع القائم على السجال و الجدال التوسع فى الحوار. ليبين كل طرف حجته، ولو تم الاستعاضة عن الحوار بالوصف لما تحقق التأثير المطلوب الذى ُيُحدثه تكلم الأشخاص أنفسهم عن أزمتهم.
رابعًا : السرد:
السرد _ أو فعل الكتابة _ يقتضى فى النوع القصصى منه التشويق والتنسيق و أن تمثل الغواية فيه العنصر الهام اشتهاءً ولذة كما بسطها رولان بارت، الإيقاع والتراتب تواكبه سرعة النص الداخلية طبقًا لنوعية المحكى..
الصراع والاصطدام بين الشخصيات _ الفعلى أو الذهنى _ يمثل عنصر التطور الطبيعى للحدث مطروحًا بجدلياته فى دعوة حثيثة للقارىء كى ُيُعمل ذهنه للمشاركة فى الأزمة الماثلة، وفى هذا يقول الأديب الامريكي “ستيفن كينج “: على الكاتب أن يختفى من بعد مقدمة الروايه، “بمعنى أن ُيُترك القراء لفهم معنى القصه بشكل” غير مباشر من تلقاء أنفسهم .
هناك اتفاق ضمنى بين الكاتب والقارىء على قبول أفعال شخصيات الحيوانات والطيور كما فى الرسوم المتحركة حيث يتم التجاوز عن الحساب المنطقى، لأن المفهوم أن السرد القصصى بُنشىء الواقع (من جديد).. واقعًا
ليس موازيًا، بل واقع يتم تشكيله فى صورة متقاطعة متخلقة، فهو ليس الواقع “على سطح مرآة “.. بل هو واقع فى حياة جديدة متحدية مستفزة من هنا يمكن فهم لذة لكتابة _ ولذة القراءة ولذة النص نفسه _ أو تلك.. العلاقة الشبقية والعشق والوصول الى نهاية الحكى والاشباع الروائى، الكشف والتعرية للخبىء _ متعة وغبطة _ بحسب رولان بارت ..
إن هذا الكشف هو (اكتشاف) بالمعنى الصوفى للكلمة، وعمق المغامرة الُحُلمية فى الوقت نفسه.. توق سندباد إلى استجلاء ما وراء الأكمة فى الأرض الغامضة.
هذه الاعتبارات روعيت بدقة شديدة هنا فى هذا النص، فتتابع السرد كان إيقاعه المنتظم , يخلو من الفجوات, متسلسل محكم الترابط , يسير للنهاية فى سلاسة تامة, منطقى مع تصاعد الحدث ونقطة النهاية ، كما أن نقطة الصراع مثَّلت تشويقًا.
•••••••••••
[5]
حكائيًا _ بمفهوم (الحكاية) _ يحيل إلى كليلة ودمنة وألف ليلة، وظلال دون كيشوت أيضًا من ناحية الحرص الشديد على المغزى والحكمة المستصفاة المستخلصة فى هذا (الفعل المغاير).. اشتباك حيوان مع مفاهيم المنظومة الإنسانية العميقة المتعلقة بالمصطلحات العقلية الخلافية هى مغامرة ألقى الكاتب فيها بجسارة متناهية بفعل التلقى _ المشارك الذى يقتسم فيه القارىء مع المؤلف عبء الصورة النهائية للعمل _ لهذا المتلقى ليدلو بدلوه مرغمًا فى التفكير فى الخطوط التى طُرحت أمامه. تلك النقطة البؤرية وظِّفت بعناية، وبشكل محكم التركيز والحيادية _ حيادية الحكم _ لخدمة الهدف والأثر، ورُسمت الشخصيات بدقة واقعية تراعى تعارضها وتباينها واصطدامها فيما يتصل بالأحكام القيمية.. جاءت منطقية مع نفسها.. وتصرفاتها مبررة.
نبه الناقد هايدن وايت إلى أنّ القضية الجوهرية في السرد تكمن في فكرة (كيف تترجم المعرفة إلى أخبار) وكيف نحول المعلومات إلى حكي، كيف نحول التجربة الإنسانية إلى بنى من المعاني التي تتخذ شكل الخصائص الثقافية المرتبطة بالزمان والمكان والناس والأحداث. وقد أجاد الكاتب _ هندسيًا _ بناء معمار النص بدمج القصصية بالحكاية،
واستعمال أداة الحوار المسرحية ليجسد التفاعل والاحتدام فى المواجهة المباشرة
بين أطراف النزاع، وبهذا صاغ التجربة الإنسانية المتصلة بفكرة العدالة فى إطار المحكى التأثيرى، وهو ما يفرقها عن التأمل التقريرى أو التقعيد الفلسفى النظرى…
تقول" سوزان فرجسون " إن من الخصائص الشكلية الأساسية الموجودة فى القصة القصيرة الحديثة _ وهى نفسها الموجودة أيضًا فى الرواية الحديثة _ تحديد زاوية الرؤية واتجاهها ,
التخلى عن عدد من العناصر التى كانت موجودة فى العقدة التقليدية أو تحويلها , زيادة الاتكاء على المجاز والكناية فى عرض الاحداث والموجودات , (التخلى عن الزمان الوقائعى ) الكرونولوجى , اتجاه الأسلوب ...وكل هذه العناصر تمثل الاتجاه الانطباعى "
(البنية السردية للقصة القصيرة \ عبد الرحيم الكردى 2005 )
وقد تحقق هذا إلى حد كبير فى هذا النص، فقد ُحُصرت الأزمة فى مفهوم ملتبس حاول الجميع الالتفاف حوله خدمة لمصلحة كل طرف، وبسجال وحجاج يشبه المهارة السوفسطائية القديمة، وكانت العقدة هادئة نُزعت منها عوامل التجسيد اللونى الزاعق الموجودة فى أغلب القصص القصيرة والمتمثلة فى _ كثافة الألوان _ جريمة قتل .. اختفاء.. مشاكل الحب الزاعقة كالهجر والخيانة , كما أن الأسلوب تميز بالحيادية التسجيلية التامة والسرعة والتتابع الإيقاع النمنتظم لخدمة التتابع و التسلسل…. إلى آخره _ كما يظهر فى هذا الشكل الهندسى الصارم:
ذلك الصبي الهادئ الخجول المتلعثم كان مملوكًا لشاهبندر التجار حين أهداه لكبير
العسس في البلدة
لكم كانت جميلة تلك الفتاة الصغيرة
ما حدث في ذلك اليوم لم يتوقعه أبدًا
عاجلته بمد يدها نحو عينه معتصرة قشرة اليوسفي
انخرطت الفتاة في البكاء في فزع، وانهمكت في تقبيل جبينه فاشرأبَّت إليها عنقه
وتلامست الشفاه
أخذ يكيل له بعصاه الخيزران على مؤخرته؛
قفز هاربًا، والشيخ يعدو خلفه
اختفى الغلام تمامًا من البلدة؛ رغم جهود العسس
شاع الأمر وتناقله العامة والخاصة
كان ذلك تمهيدًا للصراع الفكرى القادم، وتكنيكـاً سرديًا بارعًا بالانتقال من التسجيل للحوار_ والذى أحد أبطاله حمار صغير _ وهو ما يدعو _ إلى التأمل،
فاختيار الحمار بالذات بما يحيطه من دوائر تتصل بالغباء بعكس القرد مثلا .. أو الهدهد فى المرجعية القرآنية، أو النمل فى الاستنتاج (لا يحطمنكم سليمان وجنوده) لمناقشة قضية معقدة كفكرة العدالة التى تناولتها أقلام الفلاسفة على مر العصور، وظهرت جلية فى (كتاب الجمهورية لأفلاطون ) هو اختيار تغريبى بريختى بالغ الدقة والمهار ة .
•••••••••••
هذه القصة القصيرة لم تنته أبدًا بنهايتها المعلنة، بل هى بداية، ومحاولة لتجميع و ضبط خيوط تشابكت تعقيدًا.. هى دعوة للتفكير على أصعدة كثيرة، ومستويات شتى، وهو المسعى الرائع للفن القصصى، وهو ما أثمنه شخصيًا وأقدِّره.
************
أحمد طنطاوى
••••••••••
تنسيق واخراج: سامية عبد السعيد
