قراءة تحليلية بقلمي: أكثم جهاد
للقصّة القصيرة جدّاً (تتبير)
للكاتب: أسامة الحواتمة.
=======النص(ق.ق.ج)========
تَتبِير
الْثُّقْبُ الَّذِي فِي سُوْرِ صَخْرَتِنَا أُولُو الْبَأْسِ تَرَكُوه، دَخَلَهُ سَاكِنُوا الْأَرْضِ لَفِيفًا عِجَافًا، وَبَينَمَا تَهبِطُ أَجْنِحَةُ الْمَلَكَين... سَمِنَتْ بُطُونُهُمْ وَمَا اِسْتطَاعُوا الْهُرُوبَ.
*******
بقلم: أسامة الحواتمة/ الأردن
=======================
تقدمة:
عند الحديث عن مفهومي الحق والباطل فنحن نتحدث عن الضدين اللذين تلازما منذ نشأة الخلق وإلى أن تقوم الساعة، وتجلّت العلاقة بينهما بمفهوم (الصراع) وهذا الصراع هو أزليّ
بين الحق والباطل، ومستمر إلى ما شاء الله له أن يكون، وصور هذا الصراع كثيرة على مرّ التاريخ والأزمان، والانتصار غالباً حليف الحقّ ولله الحمد، فمهما طال الزمان هناك دائماً كلمة فيصل بين البينين، فلو أخذنا تجربة الإسلام كمثال على هذا الصراع، فإنّ الإسلام كما نعلم ظهر غريباً ثم بدأ رويداً رويداً بالتّماسك والثّبات ضد الكفر وزبانيته..رغم أنّ الذين حملوا على عاتقهم مهمّة الدعوة ونشر الدين الإسلامي هم الضعفاء والمساكين ولكن العقيدة الراسخة في قلوبهم والإيمان المطلق بهذا الدين الحنيف هو الاعتقاد الجازم عن دليل في وجدانهم وهذا هو مصدر قوتهم وهو أقوى سلاح يقف في مواجهة غطرسة صناديد قريش في ذلك الوقت.
فالحق الذي دعا له نبيّنا محمد صلّ الله عليه وسلم هو الكفّة الراجحة والمؤيد من الله وملائكته، ولذا فقد كانت كلمته هي الفيصل وهي الغالبة، ليصلنا الإسلام خالصاً ونقيّاً في رسالته كما أراد الله له أن يكون.
والأمثلة كثيرة على الصراع بين الحق والباطل على مرّ العصور، ولكن هناك صراع خاص له جذوره التاريخية بين قطبين لن يلتقيا أبداً وهو مستمر حتى يأتي أمر الله. إنّه الصراع مع الصهاينة، والشواهد التاريخية واضحة في تبيان هذا الصراع مع بني إسرائيل، والآيات الكريمة في القرآن الكريم كثيرة للدلالة على أهمية هذا الصراع، وإنّ الصهاينة أحفاد بني إسرائيل هم الجانب الأبرز في منظومة الباطل التي من سماتها الحقد والكراهية والجبروت وكيف لا؟ وهم ورثة قتلة الأنبياء والناكرين لفضل الله عليهم...لذا لم يشأ لهم ربّ العزّة أن يكون لهم شأن في الأرض سوى أن يسكنوها من غير دولة أو كيان يحميهم، لعلمه الأزليّ جلّ جلاله بجحودهم وكفرهم، قال تعالى: {...واسكنوا الأرض} والسّكنى هنا دلالة على أنه عقاب من الله لهم وأنهم غير جديرين بأن يكونوا خلفاءه في الأرض دون غيرهم من بني آدم.
وعليه فإن دولة اليهود زائلة حتماً ويقيناً، وعمرها الزمنيّ قصير جدّاً مقارنة بباقي الأمم، ولله حكمة في ذلك بأن تنتهي دولتهم المزعومة بالصراع الذي أخبرنا عنه الرسول الكريم صلّ الله عليه وسلم: (( ستقاتلون اليهود...إلخ الحديث)) وحينها سينطق الشجر ويتكلم الحجر لرفضهم هذا الكيان عن فطرة نقية واعترافٍ من الجمادات قبل الإنسان بعدم أحقيّة هذا الكيان في حقّ السيادة.
-العنوان:
تتبير: مصدر تبّرَ، بمعنى الهلاك، الانهيار، الهدم.
قال تعال: { وليتبروا ما علوا تتبيرا}.
عنوان عظيم ومفتاح لقصة على قدر كبير من الأهمية، وله حلاوة لفظيّة وكيف لا؟ وهو لفظ شرعيّ تناصي من القرآن الكريم.
-التحليل الفني والأدبي:
ابتدأ القاص قصته بجملة خبرية وتفسيرية لتساؤلات ذهنية..لماذا؟..وكيف؟..ولِمَ؟
(الثّقب الذي في سور صخرتنا)
الثقب هنا هو الفخ والمصيدة الخفيّة، وهذا الثقب كما أشار القاص هو معلوم لأصحاب الحق وهو راسخ في بصيرتهم ولكن يجب التفكير لم هو موجود ولم لا نراه في واقعنا الكلاسيكي وإنما نراه في تجاربنا العقلانية واستنتاجاتنا الذهنية، فهل هو حقّاً من فعل القدر ويبقى من الغيبيات التي مفاتيحها فقط عند أهل العقد والفكر النيّر؟ ومن ثم القدرة على ربط المفاهيم ببعضها البعض، وبالتالي فك رموز هذا الثقب لإدراك جوهر الحقيقة، ربما هذا ما رسمه القدر فكان له ما أراد من اختيار (سور القدس) الموقع الأنسب لهذا الثقب، حيث أن الصخرة هنا هي إشارة للقدس وسورها المبارك، وهذا الثقب غير مرئي بشكل مادي وإنما هو حسّي شعوري موجود في أذهان العقلاء وأصحاب الحق، والثابتين على دينهم وعقيدتهم كما أشرنا آنفاً.
وهذا الثقب القدري قد تركوه ولم يرمموه (أولوا البأس تركوه) وأولوا البأس هؤلاء قد تعددت التفاسير في تحديد هويّتهم، فقيل أنهم جالوت وجنوده، وقيل أنهم سنحاريب وجنوده، وعلى كل الأحوال فقد غضّوا النظر عن هذا الثقب الافتراضي، لعلمهم أنّ الأمر لم ينتهِ بعد وأنّ الصراع مازال مستمراً على تلك البقعة المباركة، وأنها ستكون أسطورة الأساطير في مجمل الصراعات على أرضها المباركة، قال تعالى: { وكان وعداً مفعولا }.
نعم إنّه وعد من الله، وإلا فكيف لأولي البأس أن يتركوا هذا الثقب ولا يكترثون له رغم قوتهم وجبروتهم، لأنّ أمر الله نافذ ولا مناص منه.
فالصراع الأزلي والحتمي لم ينتهِ بعد، ونهاية هذا الصراع لم تُضع أوزارها بعد، وكل ذلك بتدبير من ربّ العزّة جلّ جلاله، وتصديقاً لقول الرسول صلّ الله عليه وسلم: ((تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم، ثم يقول الحجر يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله)) وفي رواية أخرى ((إلا الغرقد فإنّه من شجر اليهود)) وهذا الغرقد نبات عشبي يكثر في أراضي بيت المقدس، وفي ذلك دلالة على أن الحرب المقدسة ستكون في تلك البقعة المباركة بين الحق والباطل (المسلم واليهودي).
حينها ستحط الحرب أوزارها، وتعود القدس لأصحاب الحق آمنة ومستقرة في ظل الإسلام حالها حال كل بقاع الإسلام.
(دخله ساكنوا الأرض لفيفاً عجافاً) هنا وقفة تاريخية لا بد من الإشارة لها، كما نعلم أن بيت المقدس تعرض لكثير من النزاعات والحروب الجمّة على أرضه المباركة عبر مرّ الزمان، والأرض المباركة تقبل أي إنسان يطأ ثراها، وذلك لبركتها الربانية، ولعلّ هذا الإنسان أيّاً كانت ملّته يهتدي ويتبارك ببركة الأرض المقدسة...وكما قال الشاعر:
في القدس تنتظم القبور
كأنهنّ سطور تاريخ المدينة
والكتاب ترابها
الكلّ مرّوا من هنا
فالقدس تقبل من أتاها
كافراً أو مؤمناً
أمرر بها واقرأ شواهدها
بكل لغات أهل الأرض
فيها الزنج والإفرنج والقفجاق
والصقلاب والبشناق والتتار والأتراك
أهل الله والهلاك والفقراء والملّاك
والفجّار والنسّاك
فيها كل من وطأ الثّرى
نعم صدق الشاعر..هذه هي القدس وهذا حالها منذ الأزل لها سحر خاص ومكانة مقدسة وجاذبية مميزة تهواها كل القلوب...كل ذلك يدل على أن القدس قد احتوت كل حضارات العالم القديم وترجمت كل ذلك في شواهدها التاريخية وقد تعرضت للغزو والفتوحات مرّات عديدة، ولعلّ من أشهر تلك االفتوحات تلك التي قام بها القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي حين حرّرها من الصليبيين، رغم تحالف القوات الصليبية من أعتى الدول الأوروبية وأقواها ( انجلترا، فرنسا، ألمانيا وغيرها) الذين خرجوا بشعار الحملة الصليبية المقدسة، وكان النصر حليف المسلمين بقيادة القائد العظيم صلاح الدين وهكذا حتى تمّ الانتداب عليها (الانتداب البريطاني) ومن ثم تصديق معاهدة رئيس وزراء بريطانيا آنذاك (بلفور) في وعده المشؤوم باعتبار أرض فلسطين هي أرض لليهود ومن ثم إعلان قيام دولتهم المزعومة في ١٩٤٨/٥/١٥ تاريخ نكبة فلسطين.
من ذلك نستخلص أن اليهود على مرّ التاريخ والأزمان لم يكن لهم دولة وكيان كما يزعمون بدليل قوله تعالى: { واسكنوا الأرض } وهذا السكن هو نفي للثبات في أرض، وهذا ما حدث معهم تماماً عندما شُتّتوا في جميع البلدان، ومن ثم قيامهم بخلق التداعيات بكل خبث لجعل قضيتهم محطّ أنظار الدول العظمى آنذاك، فاختلقوا قصة المحرقة في ألمانيا وبولونيا، وكذلك الاضطهاد والتطهير العرقي في باقي البلدان وكل ذلك من نتاج أفعالهم بعلم من ساساتهم لتحفيز المجتمع الدولي في التفاعل مع قضيتهم المزعومة، ليكون الإجراء المناسب هو إنشاء كيان لهم في أرض فلسطين وعلى حساب هوية ساكنيها أصحاب الحق أهل فلسطين، فكان لهم ما أرادوا من خلال عبورهم ذلك الثقب الذي في السور حين اهتدوا إليه (ليس حنكة منهم إنما قدر الله الذي هو واقع لا محالة) ليدخلوا منه (لفيفاً) أي مختلطين قد التفّ بعضهم على بعض، قال تعالى في سورة الإسراء: {فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً}.
نعم لقد جاءوا مختلطين من شتّى المنابت والأصول وهم هزال ضعفاء والجوع قد نال منهم لينفدوا من الثقب، حتى التمّ شملهم رويداً رويداً من معظم القارات وبدعم من بريطانيا وحلفائها وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.
وهنا تكمن المفارقة العجيبة، عندما دخلوا من هذا الثقب هزالاً فلن يستطيعوا الخروج منه بمحض إرادتهم...لماذا؟
لأنهم سفكوا الدماء وأباحوا المحرمات وهتكوا الأعراض وقتلوا الأبرياء ودنّسوا الأرض المباركة بأفعالهم القذرة، وهذه صفاتهم التي ورثوها من أسلافهم (بني إسرائيل) والقرآن الكريم خير شاهد على أقوالهم وأفعالهم ونواياهم الخبيثة.
ولأن تلك النزعة السّادية محفورة في غرائزهم البهيمية فقد امتلأت بطونهم من جرّاء أفعالهم الوحشية ليقعوا في فخ القدر (الثقب) الذي لن يستطيعوا الخروج منه بإذن الله لينالوا عقابهم الذي يستحقونه فوق ثرى البقعة المباركة في الحرب المقدسة التي أخبرنا عنها رسولنا الكريم.
(بينما تهبط أجنحة الملكين)
استخدم القاص كلمة (بينما) ظرف زماني لتلك الفترة الحاسمة من هذا الاحتلال الغاشم، اي منذ ذلك الحدث (النكبة) وما تلاه من نكبات مماثلة ونكسات مشابهة وإلى أن يأتِ أمر الله، فإنهم سيمكثون في الأرض المباركة وهم في حالة اتخام من كثرة ما اقترفوه من آثام وجرائم ونهب لخيرات ليست من حقهم، وعليه فإنّ الثقب القديم سيضيق عليهم ولن يستطيعوا الخروج منه وذلك لحكمة إلاهية سبق توضيحها.
وعليه فإن أمر الله واقع لا محالة وستحل بشارته بإنزال النبيّ عيسى ابن مريم عليه السلام، وهذا ما قصده القاص في جملة (تهبط أجنحة الملكين) وستقع الحرب المباركة بين المسلمين واليهود، وستكون الغلبة للمسلمين بإذن الله وهذا أمر عقائدي مؤكد، لا سيما ونبي الله عيسى مشارك فيها إلى جانب أصحاب الحق (المسلمين) ولا مجال للفرار من الأرض الطاهرة، فكلّما لجأوا للثقب، باءت محاولاتم بالفشل، والسبب (سمنت بطونهم وما استطاعوا الهروب).
والسّمنة تعبير مجازي عن الإسفاف الذي نال منهم ومن أعوانهم، وستنتهي معركة الحق والباطل وينتصر الحق ويزهق الباطل.
قال تعالى: { وقل جاء الحق وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقاً}.
وفي الختام، القصّة رائعة جداً بكل حيثياتها واستشهاداتها القرآنية والتاريخية...تحيتي للقاص المبدع أسامة الحواتمة، وكل التقدير لذلك النفس القصصي المترابط في استشهاداته والموفق في إسقاطاته العميقة فكان ذاك النّص الأكثر من رائع.
**********
قراءة وتحليل: أكثم جهاد/الأردن
