تحية ٌ طيبةٌ...
قصيدةُ "الهايكو Haiko"
خمسةُ نصوصٍ.. مثالًا!
تقديم:-
قصيدةٌ صغيرةٌ، تعبّرُ عن لحظةِ اِنبهارٍ في الحياة أو الطبيعة، بمشاهدة حسيّة/بصريّة/موسميَّةٍ و بحسب ذوبان الشاعر و قنصه للحظةٍ مشهدية، تتكون من ثلاثة أسطر:
- الأول.. وصفٌ للمشهد، و غالبًا ما يكون شبهَ جملةٍ أو جملة إسمية، و من خمسة مقاطع صوتية.
- الثاني.. حدثُ المشهد، و غالبًا ما يكون آنيًّا، زمنه في الحاضر، للدلالة على الحيوية و الحركة، و تتبُّع عبارات النص، يَضعُ القارئَ في خضمِّ موجِ المشهد.. يتكون من سبعة مقاطع صوتية.
- الثالث.. حلقةُ الوصل و الربط بين الأول و الثاني، من خمسة مقاطع.
بَيدَ أن عدد المقاطع الصوتية ليس إلزامًا، تبعًا لاختلاف اللغة المكتوب بها، و لقوة و ضعف اللغة الحسية القادرة على التعبير المكثف عن مشهد أو صورة جمالية.
يعتمدُ النّصُّ على تكثيف و اختزال اللفظ، دون استعمال محسنات بديعية أو مجاز! و هو حرٌّ من أعباء البيان و البلاغة. يركّز على لحظات الجمال في الطبيعة و التجارب المؤثرة؛ كمصدر أساسي للإلهام، يفرض على الشاعر اختيارًا دقيقًا لكل حرف و كلمة، مع الإحتفاظ بالدهشة و البساطة و الآنيَّة، شرط ضمان تَحَمُّل هذه الكلمات القليلة معنًىٰ قوي و مميز لدى القارئ، و صياغتها بأفضل صيغة، مع جملة ختامية تثير اهتمام القارئ..
بل تتركه مندهشًا و عاجزًا عن التعليق
لبُرهةٍ من الزمن.. مع نصٍّ بالغ القصر.
و لا ننسىٰ.. عدم ضرورة و جدوى وجود عنوان للقصيدة، لانها تتحدث عن نفسها...
أصلُ الموضوع:-
ثَمَّ نصوصٌ نُشِرَتْ حديثًا، وَجدْتُ فيها- بعدَ الإذن من كاتبتها الإستاذة "ثُريّا الشّمام"- ما يستحق الٕاحاطة بها
و تقديمها أنموذجًا عن قصيدة الهايكو التي لاقت اقبالًا شديدًا من المتذوّق
و المبدع.. و في صفحات منتديات و روابط و مجموعات كثيرة.
و قد اِستغرَقْتُ بالكلام عنها كثيرًا، كونها كانت طَيِّعةً و ليِّنَةً و قريبةً إلى الذّوق المعتاد.. فضلًا عن كونها قريبة إلى واقع نعيشه بالتفصيل، أبدعتِ الكاتبة في رصده و ألتقطتْ أجمل لحظاته، و كأنها منغمسة فيه.. فعلًا، لا خيالًا!
التحليلُ...
أولًا.. فكرةُ النصوصِ:-
قارئُ النصوص يَلحظُ خيطًا رفيعًا،
يربطها مع بعض، من حيث مضمون فكرتها - الثِّيمَة Theme- بَيَّنَتْ أفعالها بوضوح حالة وجدانية مأساوية.
فحملت افعالًا آنيِّةً...
(تُغْرِقُ- تُحَرِّقُ- فِطامٌ- تُجْهِضُ- تَغْتالُ).
فهل ذلك مصادفةً؟
أم انها تعزف على وترِ اليأس و الحزن و الخذلان في آلةٍ موسيقيةٍ صُنِعَتْ بالتحديد لهذا الحال؟!
النصُّ الأول:-
بِلا شِطآنٍ-
تُغْرِقُ مَراكِبَ حَنِينٍ...
دَمْعَةٌ حَرَّىٰ! (ثريا الشمام)
دمعةٌ فاضتْ و أغرقت مراكب حنين! وهي قطعًا عَرضٌ لمشهدٍ أليمٍ، نَقلَ لنا حدثًا يتكررُ، و لا أملَ في وضع نهايةٍ له. نلمسهُ في غرق مراكب المهاجرين في أعالي البحار، و تحوّل ركابها إلى طُعمٍ مُستساغٍ للكواسج و الحيتان!
النصُّ الثاني:-
فُؤادٌ-
تُحَرِّقُهُ لَوعَةُ ٱلوَتِينِ...
صَرَاخاتُ طِفْلَةٍ! (ثريا...)
الوتينُ.. عِرْقٌ متعلقٌ بالقلب، و هو كنهرٍ للجسد، يعتمدُ عليه في تغذيته بالدَّم.
{ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} ( الحاقة- 46)
فإذا أَلَمَّ به ألَمٌ و لوعةٌ.. انعكس سلبًا على القلب، و حرَّقتهُ آلامُهُ! و إذا اِنقطع.. مات صاحبُهُ!
هنا.. صرخةُ طفلةٍ تُشعِلُ الوتينَ و تقطّعُ نياطَ القلب.
النصُّ الثالث:-
دُونَ كَلامٍ-
فِطَامُ ٱلسِّنِينِ...
خِذْلَانُ أُمٍّ! (ثريا...)
رُبَّما تُصابُ الأمُّ بالخذلان بعد فطام رضيعها، و اِبتعاد فَلذَّةِ كبدِها.. عنها!
و على الرّغم أن الرضيعَ يبدأُ بتنويع مصادر غذائه- و هذا شيء حَسِنٌ و لا مَنْدُوحَةَ منه- لكن الأم بحاجة إلى صبرٍ و إمكانية اِستيعاب ظروف مرحلة فطام طفلها.
هذا.. الفطامُ الطبيعي...
ماذا عن أسوء أنواع الفطام، الذي يفاجئ الأُم و الرضيع على حدٍّ سواء؟
فالنصُّ تكلم عن فطام السِّنين، الذي يذيقُ الطرفين مُرَّ العذاب و الهَلاك!
فلا كلامَ اذا وقع، و لا حالَ يَسرُّ!
و قد تكون الحرب، و ما تفعله في الإنسان.. هي السبب في ذلك!
النصُّ الرابع:-
مِثْلُ وَردَةٍ حَمْراءَ-
تُجْهَضُ ٱلأُمْنِياتُ دَوْمًا...
عِيدٌ بِلا لِقاءِ! (ثريا...)
الوردةُ هِبَةٌ للانسان، تبعثُ السكينةَ
و الهدوءَ في القلوب، تَجلبُ له راحةَ النفس و الطمأنينة، و تبثُّ الأمل.
و هي على مسافةٍ واحدة بين العقل
و الوجدان، تُحاكيهُما برقةٍ و رومانسية و شفافية و عطرٍ فوّاح...
لكن.. لماذا الحمراءُ تحديدًا؟
يُقالُ.. إنها رسالةٌ بين اثنين مضمونها
( أُحُبُّكَ.. مِن كُلِّ قَلبي!)
بمعنى.. إنَّها ترمزُ إلى الحُبِّ الحقيقي
و الجمال، و بحسب درجات لونها الذي يتدرج بين القاتمِ و الفاقعِ و الناري...
وجميعهم يرمزون إلى رغبةٍ في الحُبِّ عميقةٍ أو خدّاعةٍ أو ملتهبةٍ!
أمّا النصُّ فلهُ إضافةٌ أخرى...
الأمنيةُ هي: حديثُ النفس و مبتغاها،
و الرغبةُ في حدوث شيء محبوب...
و جَمعُ أمنية = أمنيات أو أماني...
شُبِّهَتِ الأمنياتُ و هي تُجْهَضُ قبل ولادتها، بالوردةِ الحمراء التي تُقطعُ لمناسبةٍ بين متحابِّين.. بَيْدَ أنها لن تَصلَ رسالتُها، لانعدامِ أمنيةِ اللّقاءِ!
النصُّ الخامس:-
سِرٌّ صَغِيرٌ-
يَغْتالُ لَيْلِي...
ما أَكْبَرَ ٱلأَحْلَامِ! (ثريا...)
تحوَّلتِ الكاتبةُ بهذا النَّصِّ من الأشياء و مُحاكاتها في النصوص السابقة.. إلى أنسنةِ نَصِّها الأخير، و قَيَّدَتِ الإنسان كمحورٍ لتفسير مواقفٍ حياتية.
اِهتمّتْ بمصيره، و اَستجابتْ لحاجاته و طموحاته، و باغتت المُتلقي بوجود
(سِرٍّ صَغيرٍ) يَغْتالُ أنسانيتها، إن لم يَتحققْ لها، و يتركها معلقةً خارج الزمان و المكان. سِرٌّ صغيرٌ هو بمثابة قِشَّةٍ تَقصمُ ظَهرَ بعيرٍ!! و يَحدثُ أثرًا كبيرًا ليس بذاته فقط، بل يأتي بعد تراكم أحداثٍ جَمَّةٍ، لا تُحتَملُ، اذا أُغْتِيلتْ طموحاتُ و أحلامُ ذلك الإنسان. و لِرُبَّما يَندرجُ ضمنَ أسرارٍ تُسْعِدُ حياتَهُ، لو تحقق َ في مناماته و سَكناتهِ، و مستعدٌّ أن يعيشَ العمرَ على حافةِ انتظارٍ، تُشرفُ على مُنحدرٍ سَحيقٍ، لا تتجاوزُ موطئَ قَدمٍ بُغيةَ تحقيقُ ذلك الحُلْمَ/السِّرَّ الصَّغير!
ثانيًا.. فنيةُ النصوص:-
اِلتزمتِ النصوصُ بقواعد- اذا صَحَّ التعبيرُ- كتابة نصِّ الهايكو.
فابتدأت بوصف الحال بعبارة، تصنيفها اللّغوي (شبهُ جملةٍ أو جملةٌ اسميةٌ) هَيَّأتِ القارئ إلى حدثٍ آنيٍّ لمشهدِ لحظةٍ اِقتنصَتْها (الهايكوست) و نقلتها بشفافية و بأقل كلمات، استوعبت مشهد حسّي بدقةٍ و حرفية، و تكثيف فاقَ التصور الاعتيادي.
و من نافلة القول نؤكد:-
قوةُ النصوصِ تمثلت بحلقات وصلٍ متينة، جاءت قصيرةً من كلمتين، ربطت الوصفُ بالحدث الآني.
ثالثًا.. بناءُ النصوص:-
لم تتجاوز كلمات كل نص على حِدَتِهِ ست مفردات، تماسكت مع بعض بنسيجٍ متقن و سلس، باسلوب سهل و معنًى مفهوم، خالٍ من الرّمزية و التشبيه و لم يُكْتَبْ لغرض التفاخر بكلماتٍ رنّانة أو قاموسية!
اِتخذَ علاماتِ التنقيط أنوارًا كاشفةً، لتسهيل قراءة النص و فهمه.
السطرُ الاول- انتهى بـ ( - ) الشرطة او الوصلة، للانتقال إلى الحدث الأساس.
السطر الثاني- انتهى بـ ( ... ) علامة حذف ما لا يُرادُ تكراره، أو لعدم الحاجة إلى ذِكر المزيد.
السطرُ الثالث- انتهى بـ ( ! )علامة التعجب لانه يحمل جملة اندهاش و تعجب، تثير حفيظة القارئ، و تؤثر فيه، و هي علامة انفعال الكاتب لإيصال مشاعره و للتعبير عن الحزن أو الفرح أو التعجب. و استُعملت بهدف انتهاء معنى، أو بيان علاقة بين الجمل و ايصال شعور الكاتب.
أخيرًا...
إنَّ التوافقات الوجدانية بيننا كبشر، تقوّي اللُّحمة و تزيد التعاطف فيما بيننا.
فالقصيدة أو القصة في مستوياتها الإبداعية، تنمو و تترعرع اليوم على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، و هي بحاجة إلى تقويم و توجيه مسؤول. بحاجة إلى دعم متواصل يرفعُ مستويات تراكم أعدادِ المنشورات الإبداعية، ممّا يَكفلُ حتمًا تحوّل الكَمُّ إلى كَيفٍ!
و نحن بامس الحاجة للإثنين في وقتنا الحاضر، و بالحدِّ الأدنى، لان الثقافة على وجه الخصوص تواجه هجمات متتالية و مؤذية من سياسيي السلطة و من أيدٍ خفيّةٍ و بدفعٍ خارجي.
نأملُ أن نرى ذلك من خلال متابعتنا الحثيثة لما يَنشرهُ الأصدقاءُ و غير الأصدقاءِ...
مع أجمل التحيات...
(صاحب ساجت/العراق)
في أدناه النصوص موضوعة القراءة:-
بِلا شِطآنٍ-
تُغْرِقُ مَراكِبَ حَنِينٍ...
دَمْعَةٌ حَرَّىٰ!
فُؤادٌ-
تُحَرِّقُهُ لَوعَةُ ٱلوَتِينِ...
صَرَاخاتُ طِفْلَةٍ!
دُونَ كَلامٍ-
فِطَامُ ٱلسِّنِينِ...
خِذْلَانُ أُمٍّ!
مِثْلُ وَردَةٍ حَمْراءَ-
تُجْهَضُ ٱلأُمْنِياتُ دَوْمًا...
عِيدٌ بِلا لِقاءِ!
سِرٌّ صَغِيرٌ-
يَغْتالُ لَيْلِي...
ما أَكْبَرُ ٱلأَحْلَامِ!
******
(ثريا الشمام/سوريا)
