«إن أعظم سعادة تكمن في الشخصية.»
الإنسان الراقي أبو الأدب الألماني يوهان فولفيغانغ فون غيته.
مراجعتي المتواضعة لكتاب "فن العيش السعيد (قواعد الحياة الخمسون)" "فن العيش الحكيم تأملات في الحياة والناس" لـ"ـفيلسوف التشاؤم" مؤسس "إرادة الحياة" المؤسسة لـ"ـإرادة القوة" النيتشويه "آرثر شوبنهاور".
نوع الكتاب: فلسفة.
العنوان: صادم بالنسبة لي؛ السعادة وشوبنهاور؟!.. أفضل العنوان الثاني لبعض تراجم هذا الكتاب، أولا لأن السعادة لا تجتمع بحضور شوبنهاور وثانيا لأن مفهوم السعادة الذي طرحه الكاتب في كتابه مفهوم غير نمطي، وثالثا لأن السعادة أي الحكمة في التعامل مع الدنيا مرتبطة بالمعرفة.
الغلاف: مناسب؛ تحويل مجردات شوبنهاور إلى محسوسات أمر عسير، ربما أعسر من تحويل مجردات قطب الفلسفة الألمانية الأول إلى محسوسات¹؛ لذلك الاكتفاء بصورته الشخصية في الغلاف أمر معقول.
ـــــــــــــــــــــ
تأسيس المعتقد على الأفكار
نقطة انطلاق
قبل البحث عن تعريف مناسب للسعادة - التي هي صنو تجنب الألم - لا بد من تجنب نهجين فكريين بحسب شوبنهاور، هما: الكلبية والميكافيلية، الكلبية أو الأفلاطونية أو الإبيقورية أو الديوجينية أو الغنوصية أو الرواقية العامة في هذا السياق تعني الزهد في الدنيا زهدا يوهم الزاهد أن الدنيا وهم من الأوهام²، والميكافيلية أو البراغماتية في هذا السياق تعني بناء راحة البال على أكتاف الآخرين باعتبارهم أدواتا وآلات ووسائل لقضاء المآرب لا غير، والانغماس في الدنيا.³
وهذا التجنب سيمكن الإنسان من تشييد نقطة انطلاق صحيحة لفهم السعادة والسعي لها؛ أي أن لديه فرصة كبيرة في خوض غمار نهج يقع في منتصفهما - لا طقو ولا كسير مخو -، وإن أخطأ بعد توجيه نفسه إلى بداية صحيحة فلا بأس؛ في العمر مندوحة لتجاوز الخطأ.
السعادة بحسب شوبنهاور هي: تجنب الآلام والمصائب قدر المستطاع، لأن الألم ذو قوة سلبية طويلة الأثر مقارنة بالسعادة الخفيفة الهوائية الإيجابية؛ وفي هذا المقام استشهد شوبنهاور بأرسطو: «الحكيم لا يبحث عن السعادة بل يتجنب الألم.».
وللسعادة ثلاث مصادر: الفكر، صحة البدن، المزاج الحسن، وللمصدر الثاني أكبر دور في تحقيق الإنسان السعادة؛ من الطبيعي جدا أن نجد فقيرا سعيدا ذو صحة جيدة وثريا حزينا معتل البدن ضعيف الصحة.
ويتحكم بالسعادة مجموعتان من العوامل: عوامل داخلية وهي الأكثر قوة (مصادر السعادة الثلاثة)، وعوامل خارجية مثل المستوى الاقتصادي والوضع الأسري والوظيفة.
وعلى الإنسان كي يكون حكيما أي سعيدا عليه معرفة الأنواع الثلاثة للضرورات وفق تصنيف الشاحب التجريدي الأقل شحوبا من أفلاطون إبيقور (أبيقور): ضرورات طبيعية حقيقية، ضرورات غير طبيعية حقيقية، ضرورات غير طبيعية وغير حقيقية.
لا فائدة من التحدث عن هذه الضرورات لأن التحدث عنها حرق لمحتوى الكتاب ولأن شوبنهاور لم يوضحها كثيرا، قد يتضرر قارئ من جراء ذلك في عملية الفهم، لكن إلمامي بجزء لا بأس به من الإبيقورية من خلال بعض الكتب مثل: تاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم جنبني ذلك.
وكما هو ملاحظ أعلاه ربطت كثيرا بين لفظتي السعادة والمعرفة؛ لأن شوبنهاور يرى أن العيش السعيد ينبثق من المعرفة أما العيش التعيس ينبثق من الجهل.
ـــــــــــــــــــــ
خلاصة قواعد الحياة الخمسون
الشوبنهاورية
تجنب الحسد؛ والله إن الحسد أبغض عدو للإنسان، فهو بحسب شوبنهاور يجعل الإنسان يشكك بقدراته وما يمتلكه، لأنه يرى من خلاله ما ليس عنده وما امتلكه غيره نتيجة امتلاكهم قدرات داخلية وخِلال شخصية غير التي لديه؛ «انظر إلى من تسبقهم لا إلى من يسبقونك».
التشتت من أشرس العوامل الخارجية التي تودي بالإنسان إلى الهلاك؛ بحسب شوبنهاور الحياة البشرية تسير بخط مستقيم - وهو تصور ماركسي فج -⁴، وتشتيت انتباه الإنسان عن هدفه الرئيس بمتع وملذات زائلة زائفة يجعل المستقيم منحنيا ومتعرجا.
النظر إلى الماضي والتفكير بالمستقبل يهمشان الحاضر، أكثر البشر الذين تعامل معهم شوبنهاور والذين قرأ عنهم عانوا من هذا الداء، لا الماضي يعود ولا المستقبل يأتي إن لم نعش الحاضر لنبني المستقبل، وما ينطبق على الفرد هنا ينطبق على الجماعة والأمصار والدول أيضا.
توقع الأسوأ دوما؛ هذه التوقعات ستجنبك توقع الأفضل، هذه التوقعات ستخلق لديك استعدادات نفسية لتحمل الألم الحاصل لا محالة وتجاوزه سريعا.
الشيخوخة فترة تحصيل ثمار الإنجازات، لذلك إن تهت في فترة شبابك ورجولتك عن هدفك وتحقيق ذاتك فأنت أتعس إنسان على وجه البسيطة.
حدد دائرة علاقاتك الاجتماعية جيدا؛ لا تجعلها واسعة جدا فتضيق نفسك بها ولا ضيقة جدا فتموت وحيدا، واعتزل مثبطي الهمم ما استطعت.
ـــــــــــــــــــــ
تناقضات شوبنهاور
إذا أردنا تلخيص نظرية "إرادة الحياة" الواردة بشكل رئيس في كتاب "العالم إرادة وتصور" يمكننا تلخيصها بالآتي: يتكون الإنسان من عنصرين: إرادة وفكر، والإرادة سابقة للفكر ومتحكمة فيها لدى ذوي نفوس الصلبة، والعكس صحيح - عكس نظرية إرادة القوة لنيتشه الذي يرى فيها أسبقية الفكر على الإرادة - وهذه الإرادة لدى بني البشر الأقوياء والضعاف تسمى بـ"ـالإرادة الذاتية".
الأقوياء ينجحون دوما في مواجهة "إرادة الحياة" (إرادة الطبيعة) العمياء أي الله - الطبيعة هي الله بحسب شوبنهاور - التي خلقت لتدمر فقط، أما الضعفاء فينسحقون تحت حوافرها.
وإرادة الحياة ضرورة ولها أكبر قوة في الوجود، أما هنا فيرى أن العوامل الخارجية - أي ما أفرزته هذه الإرادة القوية - لا قوة لها إلا على الضعاف!
إما أن الرجل يناقض نفسه أو أن هذا الكتاب كتبه قبل هذه النظرية، لكن الاحتمال الثاني فرضية واهية، لأنني لا أعلم سنة نشر هذا الكتاب ولأن كتاب العالم إرادة وتصور هو أول ما كتبه - على حد علمي -، وكتابات شوبنهاور مليئة بهذه الإرادة الخبيثة المدمرة.
في النهاية أعجبني اتكاء شوبنهاور على الفلسفات الإغريقية العريقة في الكتاب، واستشهاده بأشعار العظيم غوته وهوراس وهوميروس وغيرهم من أساطين الفلسفة والأدب.
تقييمي للكتاب: ٧.٧/١٠
رئيس نادي قراء الزمرة: علاء طبال
ـــــــــــــــــــــ
¹: تيار المثالية الألمانية الذي مثله كانط وهيغيل، وفي ألمانيا اعتبر الشعب الألماني معارضة هذين الإلهين البشريين نوع من الكفر والتجديف، والتنين ماركس أول مجدف شرب من معين أبيه الروحي هيغيل ثم جدف عليه، تلاه شوبنهاور وتلميذه د.نيتشه.
²: ليست مصطلحات فلسفية مترادفة لكنها تشترك فيما سبق ذكره وإن اختلفت الشدة والسبل.
³: ليسا مصطلحان فلسفيان مترادفان لكنهما يشتركان فيما سبق ذكره، والفرق بينهما في ذلك يكمن في الشدة لصالح الميكافيلية.
⁴: الديالكتيكية الجدلية وصيرورة التاريخ عند ماركس، رأى ماركس أن التاريخ البشري يسير في خط مستقيم لا متناه، وهو تصور ساذج أنجبته فيزياء نيوتين؛ من المعروف للذي قرأ أبرز كتب ماركس وأنغلز أن نيوتن أنجب ماركس مثلما أنجب نيتشه هتلر وموسيلني وفرانكو، ومثلما أنجب طاغور كازنتزاكيس.
