•••••••••
أوراقنا اليوم كتبتها أستاذة متعددة المواهب
فهي شاعرة وقاصة وكاتبة خواطر
كما أنها في لجنة تدقيق النصوص لغويا ونحويا في منشورات وإصدارات الزمرة
هي الأستاذة: دلال سليق
عفوية وبساطة و إمتاع قل نظيره، وقلم نتمنى ان يمتعنا أكثر وأكثر
بالإضافة لمشاركاتها القصصية والشعرية والنثرية،
كانت حكما في أكبر المسابقات في " زمرة الأدب الملكية "
وغيرها من المجموعات ومنها مجموعة " ببلومانيا "
لن أطيل عليكم وأترككم مع ملحمة حياة ممتعة جدا بأسلوب أستاذتنا المعتاد في العفوية والصدق والشفافية والإدهاش والمتعة.
أسرتي:
كنت البنت الوحيدة مع صبيين
أحدهما يكبرني بأربع سنوات والثاني يصغرني بست سنوات.
وكان حمل أمي كما يقولون "حملاً عزيزاً "فهي تلد كل ثلاث سنوات طفلاً .
وكان لي أخ اصغر مني بثلاث سنوات اسمه رضوان أصبت وإياه بالحصبة فلم ينجُ منها.
وبقيت المدللة حتى أنجبت امي بنتاً فقالت لي إحدى الماكرات : (راح دلالك وجاء بدالك،نزل بابوجك عن الرف).
وفي سري كرهت الطفلة الصغيرة وتمنيت هلاكها.
كنت في العاشرة من عمري وبدلا من أن تقول لي قريبتنا جاءتك أخت ورفيقة ولعبة أثارت غيرتي
وماتت الصغيرة بعد ثمانية أيام وقيل:إنّها اختنقت وهي ترضع.
٠٠٠
أبي :
أبي !وما أعذبها من كلمة!
تحمل في طياتها الحب والعطف والفخر.
كنّا نفهم عليه دون أن يتكلم من النظرة فقط.
كان يذبح خروفاً عندما يرزق بطفل أو طفلة
عرفه الجميع شهماً لبقاً فطناً ،كريماً يكثر من الولائم للأقرباء والأصدقاء.
له معارف من كلّ أبناء الجولان ووجهائهم.
فهو يمتهن الحلاقة ؛ لكن أين تعلّم هذه المهنة؟
توفي_جدي وترك له أمه وثلاث أخوات أصغر منه، وهو في الحادية عشرة من عمره وكم فرح جدي عندما ختم أبي القرآن الكريم وهو الولد الوحيد فقد أنجبت جدتي عدة ذكور لم يكتب لهم الحياة فخاطت للمولود ثوباً من سبع فاطمات.
عمل أبي حارساً في المالية، وكانت البارودة أطول منه؛
لكنّ نفسه المتوثبة وطموحه الذي لايحد جعله يرفض هذا الواقع الصعب ، فكتب إلى مدير المالية: أسلمك عهدتي كاملة وأنا مسافر إلى فلسطين لعند خالتي وسأعمل هناك وأرجع
لاصطحاب أمي وأخواتي أرجو أن تخبر والدتي.
وانتسب إلى الجيش العربي في فلسطين وتعلّم مهنة الحلاقة،وكان يكتب القصائد في المناسبات الوطنية ويحب الرئيس جمال عبد الناصر ويشيد بوطنيته ، وكم غضب عند الانفصال .
وفعلاً رجع ابي واصطحب معه عماتي وجدتي وابن خالته وعائلته وبنت خالته وابنها،وعاش الجميع في غزّة ينعمون بخيراتها وقضَوا أجمل أيام حياتهم.
وكان مخططاً أن يتزوج أبي بنت خالته من غزة وأن تكون عمتي الصغرى بديلة، ولكن لاشيء يستقرّ على حال فقد اشتعلت حرب1948
وكانت النكبةوعاد أبي وكل أقربائه مهجّرين إلى الوطن الأم لايملكون شيئاً.
وعاش الجميع في الجولان في مدينة القنيطرة وعمل ابن خالته مستخدما في المدرسة، أما ابي فقد استأجر دكاناً وبدأ العمل في مهنته.
زواج أبي من أمي
لم يكن أبي يعرف ابنة عمه
وبالصدفة أخذتهم جدتي لزيارتهم وكان مع أمي زجاجة عطر فعطرت أكف الجميع،وكانت لطيفة جميلة فقدم لها أبي ليرة سوريّة جديدة وكانت تعادل ربع ليرة من الذهب.
وكانت امي تعيش مع امها وهي منفصلة عن ابيها ولها اخ من أمها.
جدتي(أم أمي) كانت نموذجاً للنساء الشاميات في اللباقة والحكمة وسرد القصص والخياطة، بينما كان جدي فارس البيداء خيّالاً يعاشر البدو وله عندهم ماشية
ولايأكل إلا السمن العربي،
وكان أهل حيّ الميدان يحسبون له حساباً ويقولون
أقبل "ابو مرعي"حسن ابو شعر بلباسه العربي وقامته الفارعة وعرض منكبيه ووجهه الصارم ويهابونه.
تزوج جدتي وهي ابنة عمه وعندها ولد و هو عنده ثلاثة أبناء أيتام
وبقيت هي في بيت زوجها مع ابنها ولكن الزهرة والحجر لم يتفقا فطلبت الطلاق بعدأن أنجبت أمي وأبقتها معها.
وتزوج جدي أكثر من امرأة لكن لم تبق معه أي واحدة منهن.كان يطبخ بيده ولايحب ان يأكل من طبخ امرأة
تمّ الزفاف .
وانتقلت أمي من دمشق إلى القنيطرة.
وحدث معها أمر يدعو للضحك فقد رأى أبي أحد أصدقائه فقال لأمي: اسبقيني للبيت.
ولم تكن تحفظ الطريق فتاهت وانهمرت دمموعها وهي تضع على وجهها منديلا وتحمل صرة فيها ملابسها.فسألت شخصاً في الطريق :
هل تعرف بيت محمد حمزة؟
قال لها: نعم!
ماذا تقربين له؟
_أنا زوجته.
قال لي اسبقيني لكنّني تهت.
رزق_أبي_وأمي بأخي الكبير فكان فرحة عمرهما
كان جميلاً ذكياً مجتهداً يضرب الأقرباء به المثل لأولادهم.
وتتلمذت على يديه فقد علمني مرتين على كتابةمقدمة للتعبير الإبداعي، وانطلقت بعد ذلك اكتب فكنت المميزة في المدرسة وكل درس تعبير تطلب مني المدرسة قراءة موضوعي ،وكذلك موضوع التعبير الأدبي عن الشعراء والعصور الادبية.
وشغفت بالقراءة فكنت آخذ الروايات والقصص التي يقتنيها أخي من مصروفه رغم قلة الموارد وأسهر طوال الليل لأنهيها.
كان للنزوح من مدينتنا أثر كبير على كتاباتي.
وكذلك تنقلنا بين بيوت الإيجار حتى استقر بنا المقام واقتنينا بيتا صغيرا من أرث لأبي وأمي.
ومما شجعني على الكتابة مدرّسة اللغة العربية فقد طلبت منا في الصف التاسع شراء دفتر لكتابة المذكرات
وقرأت يوميات نائب في الأرياف وهو يتساءل :
(لماذا أدون حياتي في يوميات ألأنها حياة سعيدة؟
إنّ صاحب الحياة السعيدة لايدونها بل يعيشها فقط...)
وجاريته في ذلك فهو يعيش مع الجريمة، وأنا اعيش مع النكبة
وتضاعف حبّ فلسطين في قلبي فالجرح واحد والألم واحد.
*اختياري لدراسة الأدب العربي
كنت مجدة ولكنني متفوقة في اللغات وخاصة اللغة العربيةفدخلت الفرع الادبي واخترت فرع اللغة العربية.
وصدمت بالدرجات التي يمنحنا إياها المدرسون.
ولكنني تفوقت في مادة النحو وكان لاينجح بها إلا كل طويل عمر
فالأستاذ لفظه صعب وشديد على الطلاب ولاأحد يجرؤ على الكلام أمامه.
وسأل مرة عن إعراب كلمة من أسئلة الدورات وقرأتها بالشكل الصحيح وأعربتها فأثنى عليّ.
درّست قبل التخرج وفرح أبي وأناأضع بين يديه أول مبلغ من تعبي، وأعطى جارتنا الفقيرة خمسين ليرة.
مرض أبي ووقع طريح الفراش وأجريت له عملية لم يستفد منها...
توفي أبي وأنا أدرس في الجامعة وأخي الصغير في الصف العاشر والكبير مسافر إلى روسيا.
تتالت_الجراح وفطر قلبي الفراق ولم يكن من عزاء لي سوى قلمي ..
أبثه أشجاني وأفرغ على القرطاس آلامي وزفراتي فقد تبعته جدتي قبل مضي عام.
كانت سندا لنا وبركة ونبع حنان.
وكم سهرت معي أيام الامتحان ودعت لي.
أثر الكلمة في النفس:
للكلمة وقع السحر في النفس والقلب فكيف إن كان المرء مرهف الإحساس ؟
كنت أبكي لنظرة عتاب أو لموقف من قريب أساء فهمي ولاأبوح لأحد إلا لقلمي.رثيت أبي وجدتي ثم أخي الصغير وأمي ثم أخي الكبير.وفقدت طفلي في المهد وهو رضيع في ولادة مبكرة وظروف قاسية. وكتبت عنه قصة عصفور في الجنةولم يهدأ بالي إلا عندما رزقت بابنتي الصغرى.لقد بدت ملاكا صغيرا باسما ترنو إليّ بعينيها الزرقاوين.
فحمدت الله على مارزقني .
*الطموح والسعي ثم التكيف مع الواقع.
نجد ونسعى، فنصيب ونخيب ونتلقى الصدمات والطعنات من أقرب الناس، فنتسلح بالإيمان وبالإرادة والصبر .ونتكيف مع الظروف بما لا ينقص من اعتزازنا بأنفسنا.
