الريح والظلال
قراءة تحليلية
بقلم: الأديب المصري/ محمد البنا
لنص « حطاب »
للمفكر اللبناني/ سليمان جمعة
.............
النص
« حطاب »
حلمت أني أجر ورائي شجرة من غاب الصبح..
تصرخ..
يسيل ضوؤها فوق ظلالي ..
تخضر الظلال..
أقعد قليلا أتفيأ الرياحين.. نتحادث ..
نشتكي قلة الوحي في سيقان القصب..
الأغنيةالسارحة في بال الوديان لم تؤب بعد إلى ثقوب الريح..
انتهيت من قعودي ..قمت أكمل السير ..
هبط الليل فوق جبيني ..وتساتل يطوق هالة الطريق ورائي..
تعبت ..
ثقلت اجمة الضوء ..تراخت عيوني ..غفوت..على سفح الحلم ..
أدركت مناما آخر ..
بيدي فأس اقطع بها شجرة الصبح قطعا صغيرة ..القمها أسراب الضباب المهاجرة ..
انتهيت ..
لفحني الحر الشديد.. ذاب جبيني ..
سال سرابا على وجه الرمل...
تهت هناك..
الكوخ الذي يسكنني اقتلعته الرياح.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
سليمان جمعة ١٦ أكتوبر ٢٠٢١
...................
القراءة
-------
بعدما أُغلقت كل مسارب الأمل، وتفشى سواد واقع لعين فأسودت الأرض وامتنع المطر، ما من ملجأ إلا لسكنى الحلم، إلا أن الحلم أبى واستعصى، إذ بُعيد دنو (يسيل ضوؤها فوق ظلالي) تناءى (هبط الليل فوق جبيني)، راوغته (أدركت حلما آخر)، راوغني (سال سرابا على وجه الرمال)، تعبت/ انتهيت/ ( الكوخ / الأمل ) الذي منذ لحيظة كنت أتمسك به وألوذ إليه ..اقتلعته الرياح.
وي وكأن المبدع الموجوع ينزف ألمه ويأسه من تشظى بلدٍ هم ساكنيه، فمزقته الطوائف ورضى مضطرا عل وعسى (شجرة الصبح قطعا صغيرة القمها للطيور المهاجرة ).
نص نثري حفل بالصور البلاغية بالغة الدقة التعبيرية، وجودة المشهدية وكأنه يرسم بالكلمات ( هكذا عودنا سليمان في جل نصوصه )، حيث يمازج بين الحرف واللون، والقلم والريشة، والواقع والحلم، والأمل واليأس في بوتقة ظاهرها هادئ خامد، وتحت سطحها تشب نارُ ويشتعل وجد، وتتشظى روح.
حطاب يعاني أم مبدع ينزف أم مفكر مثقل بهموم بلده، أم انسان هزمه الواقع المر فلاذ لحلم.؟
اعتمد الكاتب لغة سردية بلاغية متكئًا ببراعة على أفعال حركية في زمن الماضي ( تعبت/ انتهيت، هبط،،...) كدالة سيميائية على محاولات مضنية للإقدام الذي صارعه الفشل وانتصر عليه، ومزجها بأفعال حركية في الزمن المضارع( يساتل، يسيل،..) كدالة سيميائية على استمرارية الوجع ( الواقع المؤلم )، والمدقق لروحانية الأفعال المضارعة المستخدمة لا يلبث أن يضع يده على كم النزف الوجداني المغرق في سوداوية المشهد إذ يحيله ببراعة إلى لون الدم لا إلى جريان الماء، كما أن الأفعال الماضية المستخدمة تنبو عن سعي لأمل أتبعه فشل ويأس.
اللوحة المشهدية رغم تتابعها السردي الأفقي إلا أنها خلت من الرتابة المفترضة( سرد تقليدي/ زمن ماضي)، وذلك لبراعة الكاتب في تقطيع المشهد بين لحظات مضي ولحظات توقف صامت ( تعبت / انتهيت ) ثم القفز السريع من حلم إلى حلم.
•••••••••
محمد البنا ١٦ أكتوبر ٢٠٢١