الدراما المشهدية بين الحركة والسكون في تصعيد الحدث
قراءة نقدية في قصيدة - كواليس المسرح الفاضي -
للشاعر: أيمن عبده
بقلم: سيد فاروق
****
الدراما المشهدية:
********
يخوض الشاعر - أيمن عبده - معترك المشهد الشعري، في الآونة الأخيرة من خلال بعض القصائد التي نشرها تباعًا على الفضاء الأزرق؛ عبر متصفحه الشخصي (فيس بوك) حيث تتسم تلك القصائد برسم الصورة المشهدية للأحداث الواقعية بطريقة فلسفية وسردية حكائية هادفة.
ومن المعروف أنَّ الأعمال الأدبية عند الشاعر تتسم بالدهشة واستخدام أسلوبه المميز الذي ينهل من معين خصب متكأ في موضوعات قصائده على الأحداث المعاصرة لكنها عادةً ما تكون ممزوجة بشي من الدرامة القاتمة أو ما يعرف ب (البلاك كومك) وهي الكوميديا الساخرة من دخان الواقع الذي يحرق القلوب والذي عادة ما يقدم فيها الشاعر نقد لمشاهد مجتمعية في قالب إبداعي ساخر .
غير أن الشاعر لا يتغيب عن النشر طوال الوقت في هذا الصدد فهو لا يتوقف عن الكتابة والمشاركة في تطوير القصيدة العامية لتأخذ شكلا جديدا طبقًا لمجريات الأحداث وتصاعدها في النص الشعري ؛
وليست الدرامية مفهومًا جديدًا على فنون الأدب الإبداعية بل إنّها من «أقدم الفنون الأدائية التي عرفها الإنسان وأنبلها جميعاً. ولا نكون مبالغين إذا قلنا أنها أيضاً أصعب الفنون التي مارسها الإنسان حتى الآن»(1)،
والجدير بالذكر أنَّ الدراما «كلمة يونانية الأصل، ومعناها الحرفي ((يفعل-أو عمل يُقام له))»(2) وهو المفهوم نفسه الذي كان يقصده أرسطو من «المحاكاة» التي كان أساسها محاكاة الفعل.
ويُقصد بالنزعة الدرامية أنّ «القصيدة تشتمل على أكثر من صوت»(3). أي أنها لا تقتصر على صوت واحد، أو تجربة مستقلة لشخصية واحدة، تستأثر بصوت القصيدة، فمن خلال انطلاق الشاعر في كتابته لتجربته أو للقصيدة من خلال التفكير الدرامي يدرك «أن ذاته لا تقف وحدها معزولة عن بقية الذوات الأخرى وعن العالم الموضوعي بعامة، وإنما هي دائماً ومهما كان لها استقلالها، ليست إلا ذاتاً مستمدة أولاً من ذوات، تعيش في عالم موضوعي تتفاعل فيه مع ذوات أخرى»(4) تشترك معها في العديد من النقاط والتجارب؛ بل وتتفاعل ذات الشاعر والذوات الأخرى مع الكونيات وأصوات الأحداث العامة التي تؤثر في كينونيات الإنسان .
وهنا عرض جديد لمشهد مسرحي يتجسد من بداية عنوان القصيدة _ كواليس المسرح الفاضي _ والذي يكفي لأن يضع المتلقي في حالة من الأغواء والإغراء ليثير حافظتة لرؤية هذا المشهد من وراء الكاميرات في الكواليس حيث تتصاعد فيه الأحداث رغم فراغ المسرح إلا أنَّ الكواليس وما وراء الحدث تعج بالمشاهد القاتمة والصور التي كانت محل نقد لدى الشاعر والتي كان لها دورها الفاعل في شحذ همة الشاعر وتحريك قريحته نحو الكتابة وتجسيد الحدث، بداية بالأرقام المجهولة ونظرية المؤامرة التي صدرها الشاعر في بداية المشهد الدرامي المرئي المسموع حيث يقول :
رقم مجهول.....
وطقس غويط بيستغبى على المخاليق
وشئ مكَّار
بيرمي بكل أوراقه في قلب النار
وبيراهن على المقتول
وبيمثِّل على الحاضرين
بإن الغيمه حتمطَّر
وإن الحلم لو سافر بلا أوطان حيتفسَّر
وكما عودنا الشاعر في إستخدام بعض الأساليب المشهورة من العلوم الطبيعة والإنسانية والفلسفة والكمياء العضوية والرياضيات والجو سياسية التي تعني بالمكاسب السياسية من الجغرافيا في قصائده السابقة يفاجأنا بهذا النص المحمَّل بالمشهدية السردية والدرامة والسينما والمسرح هذا الأخير الذي يعني برسم الصورة الحركية المرئية في النصوص الشعري ولعلَّ أهم ما يميز أعماله الشعرية بشكل ملحوظ عن غيرها هو نضج الفكرة ورسوخ الثقافة وإعمال العقل والحكمة في تصعيد الحدث وصولًا للمضمون والهدف الذي يرنو إليه الشاعر فتجربته الشعرية مليئة بالدهشة والتأمل والفكر المتزن الذي يحمل على عاتقه هموم الأمة وقضاياها بشكل ملحوظ .
فالمجهول دائما مخيف ويتماهى مع الطقس الهاوي في جب المخيلة الذي يراهن على الأرواح ويسخف بعقول البشر فيبشر دائما بالخير الزائف والحقيقة تتحدث دائما أنَّ ما هذا إلا مجرد تمثيل لواقع مأمول وتبشير بمستقبل أفضل لكن كل المؤشرات توشي بأنه غير موجود على أرض الواقع .
إن العناصر الفنية التي اعتمد عليها الشاعر - أيمن عبده - في القصيدة السردية تمثل أحد أهم تقنيات السرد الحديثة في القصيدة المعاصرة عبر مراحل تطورها من قصيدة تقليدية تعتمد على الوصف ونقطة البداية، ثم العقدة، ونقطة التنوير، إلى قصيدة حديثة تعتمد على جودة الحبكة والتركيز والتكثيف اللغوي للهجة المحلية لعاميتنا المصرية، وتفاعل الشخصيات مع أحداثيات الزمان والمكان والتداعي الداخلي، وتصاعد الحوار قد أدى إلى مايسمى بالدراما المشهدية في القصيدة المعاصرة إن صح لنا هذا التعبير.
وفي هذا الإطار يقول الشاعر :
سيناريو العرض بالتشويش
وبيشوِّش
على الجدران في عزلتها
عشان تخرج
دراما العرض من بيتها
ولمَّا يهل ع المسرح
بتتزاحم....
كراسي المسرح الفاضي على الأبواب
عشان تهرب من الخُطَّاب
يشوف في عرايس الحته
عيون مكسوره خوَّافه
فيحدف هو خُطَّافه
تصاب البنت في الطرحه
فيخطف منَّها الفرحه
تلملم هي أوجاعها
يشوف البنت ك الطارحه
فيغضب مسرحه الفاضي من الأحداث
يقف مكسور
يقف مبتور
فكان مكشوف
وكان مكسوف
يداري العوره من وشُّه
فراح شد ف خيوط المسرح المنهار
ودق الزار
كما واحد
تشوفه يدق ع الأفكار
فيرجع تاني للكواليس
ويرفض إنه يتراجع عن التقويس
فيبدأ
يكتب التخاريف من الأول
ويرسم
ع الورق دبور ويحكي معاه
يشوف الحلم ع المسرح
كما أقصاه
يمدد حلمه من دجلة لقلب النيل
فيحلم حلم مش قده
وأرض الصبر تستعصى فبتهده
****
تتصاعد الأحداث في تبعاتها المتتالية ارتكازا على الرمز المشهدي للسناريوهات المتنامية في التشويش حتى على الجدار لتخرج من شرنقة العزلة حتي تتزاحم " كراسي المسرح الفاضي على الأبواب .. عشان تهرب من الخُطَّاب " وهو عرض مشهدي لمسرح أنهارت مشاهده وباتت الأحداث فيه تتصاعد داخل الكوليس بعيدة عن مرأى العين المغيبة قصدا فتتنامى وتبلغ ذروتها حتى تكشف النقاب عن ماهية الحلم في نهاية المقطع وتأتي لحظة التنوير وإعلان الحقيقة المهمة " يشوف الحلم ع المسرح .. كما أقصاه ... يمدد حلمه من دجلة لقلب النيل ... فيحلم حلم مش قده ... وأرض الصبر تستعصى فبتهده " ؛
ترى ما هو ذاك المسرح الذي يكون بطله هو الحلم ؟
وما هو الحلم الذي يتسع ويتمدد من دجلة (الفرات) في العراق إلى قلب النيل وأرض الكنانة؟!!!
ومن هو ذاك الحالم المتطلع لحلم ليس له طاقة به ؟!!!
ثم ما هي أرض الصبر التي تستعصى كي تعد الحلم؟!!!!
أيها القارئ أنت مدعو من قبل الشاعر للمشاركة في فك رموز الرؤيا وحل طلاسم الأسئلة المطروحة في هذا النص لتكون منتجا فاعلا في النص الشعري فالشاعر يكتب لتشاركه الرأي والفكر والتأويل.
تقنية الفلاش بلاك ( flashback )
*************
عمد الشاعر - أيمن عبده - إلى تطوير الأدوات الفنية في القص الشعري، واعتماد التكنيك الجديد في السرد: مثل حالة تذكر مشاهد من الماضي السياسي والأحداث الجديدة القديمة، وإعادة شريط الذاكرة، واستخدام عملية التقديم والتأخير بإسقاط مشاهد حية درامية تلعب دوراً في التشويق والدهشة على طريقة ما يعرف بتقنية «الفلاش باك»، أو ما يعرف بالاسترجاع المشهدي، والتداعي الداخلي وغيرها، كل هذه الطرق الجديدة تندرج ضمن الدرامية الحكائية في قصيدة السرد المعاصرة، " ،
ولقد تمكن الشاعر أيمن عبده من «تطوير القصيدة الحديثة، وإغنائها ومنحها أشكالاً متجددة»(5)، ولعل أبرز الأدوات الدرامية التي ارتكز عليها الشاعر المعاصر في بناء قصيدته الجديدة الشخصية، «الموضوعية، الحوار، الصراع، اللغة، المشهد»(6) والزمان والمكان، فضلا عن اللجوء إلى بعض التقنيات السينمائية أهمهما المونتاج، فلا تتوقف تكنيكات الدراما عند حدود معينة، فهي تتطور باستمرار، وتعتمد بالدرجة الأولى على موهبة كل شاعر، ومدى قدرته على الاستفادة من الفنون الأدبية الأخرى، فضلا عن رؤيته الشعرية، وتجاربه المتعددة، وأيضا على درجة التوافق بين الأدوات الدرامية التي يوظّفها الشاعر في قصيدته والفكرة العامة لها أو التجربة التي يُعبر عنها.
فمعروف أن الحلم الذي دشنته الدولة الصهيونية مذ أعلانها سنة 1948 م هو إقامة دولة يهودية تمتد جذورها من النيل إلى الفرات ، الأمر الذي جعل الشاعر يستحضر هذا الحلم هذا المشهد القديم من الذاكرة ليسقطه على الأحداث الجارية في تصعيد درامي وتحوير عروضي يتماشى مع تطوير الآليات السردية في القصيدة المعاصرة باستخدام تقنية - الفلاش باك- ( flashback )، والتصعيد الدرامي للأحداث؛
وهنا أطرح سؤالا مهمًا ما الدور الذي تؤديه الدارمة المتنامية في قصيدة السرد المعاصرة ؟!!
ولعل من أهم الوظائف التي تؤديها الدرامة المتنامية في القصيدة السرد المعاصرة هما عنصري الإثارة والدهشة، فتعد إضافة الحركة المتنامية على القصيدة السردية عنصرا مهما في تزايد الإثارة والدهشة، كما أنها تسيطر على حواس ووجدان القارئ، فتجبره على مواصلة القراءة، وتبقى العلاقة حميمة بينه وبين القصيدة السردية كفن أدبي ماتع وهادف في آنٍ معًا؛
لذلك فالدرامة المشهدية هي خط الاتصال أو همزة الوصل بين القارئ والقصيدة السردية المعاصرة، كأسلوب حديث واكب المتغيرات في أذواق القراء، بمعنى آخر إن الدرامية كخط فني تضمن استمرار قصيدة السرد في مواصلة مشوارها الفني في التنافس على البقاء مع تقنيات العصر ومتطلباته وتعيد بناء الثقة من جديد بين الشاعر والقارئ.
لم تنفك القصيدة مذ بدايتها حتى النهاية عن التصعيد الدرامي المتنامي للأحداث فيعرض الشاعر ما يعانية النيل في مشهد أخر داخل الكوليس في نهاية قصيدته فلا يزال الشاعر يمسك بزمام الفكرة رغم طول القصيدة ليصل بالقارئ إلى بيت القصيد فيقول :
وفاضي يكب ع الفاضي ويملا الكاس
ومسرح شكله كالقاضي ما بين الناس
معاه الكفَّه تتمايل بلا جمهور
وينطق حُكمه فيخايل عيون العور
يقول السبق كان واضح في هَد السور
يجيب أحرازه يفردها أمام الليل
ويستشهد بحُكمه بجملة الخفافيش
ويستدعي عيون الواد
يثبِّتها في نفس الخيط
ويشعل ناره بالغيره
في طرف الزيت
ويحكم هو بالباطل
بلا تصويت
وواقف وحده ع المسرح
كما المجنون
ومسرح خالي م الكاميرات
ومسرح خالي م التصوير
مهوش موجود على الأرض اللي فيها النور
وعمر الأرض إذ طاهره ما تطرح بور
لأن الله بيحميها
وقلب النيل بيفديها من المتاريس
وتفديها العيون السود من العتمات
إذا حلِّت
تفوق الأرض م التخضير
وتضرب في الصميم ضربه
تهد الحيل
فتسقط كل أوراقه في أرض الويل
ويرجع تاني للكواليس
ويبدأ تاني م الأول
في عرض جديد
عروض المسرح الفاضي
وفاضي المسرح المعروض
ومسرح فاضي م المعروض
*******
تعد الدراما أحد التقنيات الفنية التي أتاحت مناخا خصبًّا للإبداع فهي من الأساليب الجديدة التي استخدمها شعراء العصر الحديث وضمن هذه «الأساليب الجديدة اقترابهم من النزعة الدرامية»(7) التي أتاحت لهم مساحات كبيرة من الإبداع، والتشكيلات الفنية الجديدة التي أخرجت الشعر بصورة وثوب جديد، وبنكهة جمالية فريدة من خلال استخدامهم تكنيكات الفنون الدرامية «كالحوار وأسلوب القص وتعدد الأصوات والمونولوج الداخلي والمونتاج»(8) تلك التقنيات التي استقاها الشاعر من فنون المسرح والقصة والرواية والسينما والتلفزيون ويعد المشهد المسرحي أحد التقنيات المستخدمة في دراما المشهد المرأي للقصيدة المعاصرة.
المشهد الممرسح:
************
القصيدة عبارة عن مشهد ممرسح والذي هو في حقيقة الأمر أشبه للسيناريو السينمائي والمرادف اللغوي للسيناريو السينمائي أو ما يعرف بالمعالجة السينمائية أي خطة العمل التي تتضمن وصف كامل للمشاهد واللقطات من الخارج، ووصف الحوادث والمواقف الدرامية مع وصف الحركة المفترضة للشخصيات، وكذلك الانتقالات الزمانية والمكانية (الزمكان) لتلك الشخصيات وتفاعلها مع بعضها، فيتجسد المرسح في هذه القصيدة - كواليس المسرح الفاضي - فيتشخصن المرسح ليصبح بطلًا فاعلا في تصعيد وتنامي الأحداث الدرامية في القصيدة ، حيث يتلبس المرسح زي القاضي الحاكم بين أطراف النزاع " ومسرح شكله كالقاضي ما بين الناس " ولكن لكونه فارغ أجوف " بلا جمهور " فهو دائما ما يحكم بالزور والظلم والبهتان " ويحكم هو بالباطل .... بلا تصويت "
إذن هو حكم الأهواء ورغم خواء المشهد الذي صوره الشاعر وقتامته " ومسرح خالي م الكاميرات ... ومسرح خالي م التصوير ... مهوش موجود على الأرض اللي فيها النور .... وعمر الأرض إذ طاهره ما تطرح بور " إلا أنه يتعلق بأخر خيوط الأمل والتفاؤل بغدٍ أفضل للأرض الطاهرة الخصبة التي تجنح بطهرها عن البوار " لأن الله بيحميها .. وقلب النيل بيفديها من المتاريس ... وتفديها العيون السود من العتمات .. إذا حلِّت "
أنه الأمل الراسخ في حماية الله للأرض واليقين في مستقبل أفضل فعيون أهلها رغم سوادها هي الضوء الساطع الذي يبث فيها النور إذا حلت العتمات وهنا مفارقات جمة ساقها الشاعر بين النور والظلام بين البوار والخير بين اليأس والأمل والتطلع نحو مستقبل أفضل فالعز في كنف العزيز ومن عبد العبيد أذله الله.
التراجيديا Tragedy /
**************
نلاحظ في نفس المقطع السابق أن الشاعر يرسم شكلًا أخر من أشكال الدراما لكن دراما مغايرة عن سابقتها إنها الداما الجادة أو ما يعرف " بالتراجيديا Tragedy / " وهو مصطلح يوناني كلاسيكي يعني المأساة وتعد التراجيديا شكل من أشكال الدراما الذي يتّسم بالجدية والشهامة، وغالباً ما يكون البطل ذو مكانة عالية بين الناس والذي جسَّده الشاعر في شخصية " المسرح " حيث يواجه أحداث مؤسفة وحزينة وغالبًّا في الدرامة التراجيدية السينمائية ما ينتهي العمل بنهاية مأساوية إمّا بهزيم أو موت، والعمل التراجيدي هو عمل معقد يهدف إلى تطهير نفوس المشاهدين عن طريق إثارة مشاعر الخوف والشفقة داخل المشاهد وهو ما عمد إليه الشاعر رغم ما بثه من مشهد يحمل الأمل والتفاؤل إلا أن التصعيد المتنامي للأحداث جعله ينتهي حيث بدأ لينهار ويسقط ويعود كما بدأ " فتسقط كل أوراقه في أرض الويل ... ويرجع تاني للكواليس ... ويبدأ تاني م الأول ... في عرض جديد .... عروض المسرح الفاضي "
وعلى ذلك يعد «الشكل الدرامي الناجح هو النتيجة المباشرة لنجاح الكاتب في استيعاب كل إمكانات مضامينه الفكرية، وإخضاعها للمقومات الدرامية التي تتخذ من الأدوات الفنية طريقاً للوصول إلى جمهور المتذوقين»(9) الذين يبحثون عن كل ما يشدّ انتباههم، ويسحر حواسهم، ويمدهم بالانتعاش الفني، والرضى السمعي، والدراما أو القصيدة الدرامية المشهدية «تحقق قدراً أكبر من الشعور بالمتعة والاندماج»(10) لدى القارئ أكثر مما تحققه القصيدة العادية بمعدلات تفاعل كبيرة بين جمهور القراء والمتلقين للإبداع لذلك كان توجه الشعراء المعاصرين نحوها. بل إنّ «كل فنون القول تصبو إلى مستوى التعبير الدرامي وتتحرك من ثم نحوه»(11).
أنَّ عملية تنظيم الشاعر - أيمن عبده – في قصيدته - كواليس المسرح الفاضي - مجموعة من الأحداث أو المشاهد، يربط بينها رابط معين يجمعها سوياً، ويعيد ترتيبها وتنظيمها وفق نسق ورؤية معينتين بحيث تكمّل المشاهد بعضها بعضا بطريقة تبدو فيها مشهدًا كاملًا، أو قصةً كاملة تقرأ أو تشاهد هو ما يطلق عليه في العملية السينمائية " المونتاج " وهو ما بعد القص والقطع لبعض المشاهد وصولا للمشهد النهائي المراد من قبل المخرج ليتم عرضه على المشاهد جليا دون شوائب وتشويشات تعوق وصول الفكرة إلى المتلقي.
وخلاصة القول:
***********
ارتكز الشاعر - أيمن عبده - على الأدوات الدرامية في بناء قصيدته - كواليس المسرح الفاضي - الجديدة لتواكب حركة التجديد في القصيدة السردية المعاصرة ، من صنع وظائف مختلفة للزمان والمكان حتى أصبح المكان بطلًا فاعلًا مساهمًا في الحوار وتصاعد الأحداث والصراع، واللغة، والمشاهد الدرامية، فضلا عن اللجوء إلى بعض التقنيات السينمائية أهمهما أسلوب الفلاش باك والدراما المشهدية والمشهد الممرسح، فلا تتوقف تكنيكات الدراما عند حدود معينة، فهي تتطور باستمرار.
يعتمد استخدام التقنيات الدرامية في القصيدة السردية المعاصرة بالدرجة الأولى على موهبة كل شاعر، ومدى قدرته على الاستفادة من الفنون الأدبية الأخرى، وقد استعار الشاعر – أيمن عبده - بعض الخصائص المميزة للفنون الأخرى مثل: " دراما - سينما - مسرح - تقنيات السرد القصصي " للاستفادة من هذه الخصائص في البناء المعماري للخطاب الشعري، فضلا عن رؤيته الشعرية، وتجاربه المتعددة التي أسهمت في إنتاج هذا النص الماتع .
وقد حالف الشاعر – أيمن عبده في قصيدة درجة عالية من التوافق بين الأدوات الدرامية التي وظّفها الشاعر في - كواليس المسرح الفاضي – فجاءت تجربة التي عبر عنها في القصيدة متماسكة الفكرة ومعبرة عن ما يرنو إليه الشاعر من مضمون رغم طول القصيدة وتشعب الفكرة وجموحها أحيانًا إلا أنه سرعان من يمسك بزمامها ويصارعها .
وهذه القصيدة تعد مثلًا حيًّا لقصيدة السرد المعاصر والتي لعبت الدرامية فيها دورًا كبيرًا لإظهارها بمظهر قص شعري حديث، فشغفت القارئ واستثارت حافظتة لقراءتها فأمتعته بما تحمل من تداعيات وشخصيات وأفكار وتصعيد متنامي للأحداث، وتوظيف إحداثيات المكان والزمان (الزمكان)، في سردية شعرية درامية راقية .
المراجع والهوامش
************
1- جبرا إبراهيم جبرا، الرحلة الثامنة، المكتبة العصرية، بيروت، 1967م .
2- جلال الخياط: الأصول الدرامية في الشعر العربي، سلسلة دراسات(340)، دار رشيد للنشر، العراق، 1982م .
3- حسني يوسف: موسيقى الشعر العربي ظواهر وتجديد، ج2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1989م .
4- رياض الصالح الحسين: أساطير يومية، ط1، مطابع وزارة الثقافة السورية، دمشق، 1980م .
5- رياض الصالح الحسين: بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس، ط1، دار الجرمق، دمشق، 1982م .
6- رياض الصالح الحسين: خراب الدورة الدموية، منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق، ، دمشق، 1979م .
7- بدران عبد الحسين محمود: النزعة الدرامية في شعر البياتي، مجلة جامعة تكريت للعلوم، ع5، مج18، تموز 2011م .
8- بوزيد كحول: البناء الفني في شعر فدوى طوقان، رسالة ماجستير، جامعة قسطنطينية، معهد الآداب والثقافة العربية، 1980م .
9- السيد محمد علي السيد: النزعة الدرامية في الشعر العربي المعاصر، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية دار العلوم، 1980م .
10- سيرة موت ناقص بقلم منذر مصري، في الأعمال الكاملة رياض الصالح الحسين 1954-1982، ط1، منشورات المتوسط، إيطاليا، 2016م .
11- سيسيل دي لويس: الصورة الشعرية، ترجمة: أحمد نصيف الجنابي، سلمان حسن ابراهيم، ومالك ميري، دار الرّشيد للنشر، بغداد، 1982م .
**************
كواليس المسرح الفاضي
----------------------
رقم مجهول.....
وطقس غويط بيستغبى على المخاليق
وشئ مكَّار
بيرمي بكل أوراقه في قلب النار
وبيراهن على المقتول
وبيمثِّل على الحاضرين
بإن الغيمه حتمطَّر
وإن الحلم لو سافر بلا أوطان حيتفسَّر
رقم مجهول بيتحالف مع الشيطان
ويتحالف مع الجرذان
على آخر صروح النور في هذا الكون
رقم مجنون.....
بيعمل مسرحه الفاضي على الفاضي
ويرسم في الخيال جمهور بيتفرَّج
ويجري يسابق الأعرج
على الكعكه اللي في التهميش
فبيمارس
سيناريو العرض بالتشويش
وبيشوِّش
على الجدران في عزلتها
عشان تخرج
دراما العرض من بيتها
ولمَّا يهل ع المسرح
بتتزاحم....
كراسي المسرح الفاضي على الأبواب
عشان تهرب من الخُطَّاب
يشوف في عرايس الحته
عيون مكسوره خوَّافه
فيحدف هو خُطَّافه
تصاب البنت في الطرحه
فيخطف منَّها الفرحه
تلملم هي أوجاعها
يشوف البنت ك الطارحه
فيغضب مسرحه الفاضي من الأحداث
يقف مكسور
يقف مبتور
فكان مكشوف
وكان مكسوف
يداري العوره من وشُّه
فراح شد ف خيوط المسرح المنهار
ودق الزار
كما واحد
تشوفه يدق ع الأفكار
فيرجع تاني للكواليس
ويرفض إنه يتراجع عن التقويس
فيبدأ
يكتب التخاريف من الأول
ويرسم
ع الورق دبور ويحكي معاه
يشوف الحلم ع المسرح
كما أقصاه
يمدد حلمه من دجلة لقلب النيل
فيحلم حلم مش قده
وأرض الصبر تستعصى فبتهده
فيكتب
م القصص أساطير ويجمعها
يقول مثلآ:
ساعات البنت تدَّارى ورا دموعها
فلازم يعني تفهمها وتفزعها
فحاول جد يمنعها تقول الحق
وحاول حتى يقصيها عن التخطيط
رقم متعوِّد التنطيط في أفكاره
بيعمل
قاعده تتفاعل مع الغربان إذا طاروا
دراما تخش في دراما
ومسرح
مفتعل جدآ بانوراما
تشوف الكل في الصوره
ويشعل أزمه ع الفاضي بلا حبكه
يشوف البنت تتراقص
على الدبكه
ونهر النيل يغنيلها
يدق الصوب على كفوفه
ويسمع دجلة بيردد
مع الخلَّان في مجروده
فيكره نفسه لو شافهم
كما الحبيبين
رقم مسكين....
بيتدرَّب على التمكين
فيبدأ يختبر حاله
يفرَّق خُبث شيطانه
ما بين البحر وعياله
ويعمل
نفسه كالمرهم يداوي الجرح
وهو السم من امتى يداوي جراح!!
رقم مجهول فاكر نفسه من الثوار
وهو أساسه كان نايم
في ضل الحيط
وكان خارج
حدود البيت
وكان حابب
يشارك بس بالحيله
يفرَّق جملة العيله
عمل مسرح بلا جدران
وحط سيناريو بالباطل
وصالة عرض مسحوبه على المتاهات
كمالة عد جمهوره كما الأموات
ومسرح مبني ع التشكيك في دور العرض
وخارج عن حدود الفرض
وخارج عن آداب الحكمه في الغالب
يبخ السم كالتِعبان في ضهر الخِل
ويعمل نفسه كالحاوي
فيخدع مفردات الكل
وفاضي يكب ع الفاضي ويملا الكاس
ومسرح شكله كالقاضي ما بين الناس
معاه الكفَّه تتمايل بلا جمهور
وينطق حُكمه فيخايل عيون العور
يقول السبق كان واضح في هَد السور
يجيب أحرازه يفردها أمام الليل
ويستشهد بحُكمه بجملة الخفافيش
ويستدعي عيون الواد
يثبِّتها في نفس الخيط
ويشعل ناره بالغيره
في طرف الزيت
ويحكم هو بالباطل
بلا تصويت
وواقف وحده ع المسرح
كما المجنون
ومسرح خالي م الكاميرات
ومسرح خالي م التصوير
مهوش موجود على الأرض اللي فيها النور
وعمر الأرض إذ طاهره ما تطرح بور
لأن الله بيحميها
وقلب النيل بيفديها من المتاريس
وتفديها العيون السود من العتمات
إذا حلِّت
تفوق الأرض م التخضير
وتضرب في الصميم ضربه
تهد الحيل
فتسقط كل أوراقه في أرض الويل
ويرجع تاني للكواليس
ويبدأ تاني م الأول
في عرض جديد
عروض المسرح الفاضي
وفاضي المسرح المعروض
ومسرح فاضي م المعروض
---------------
العندليب- أيمن عبده