« المقامة الوعظية.......!»
---------
حدثنا ابن عبد الونيس صاحب القلم الساخر والبيان النفيس قال :
ساقتني قدمي إلى مسجد من مساجد القرى يوم جمعة ؛فاسمعوا مني ،وخذوا عني أحداث ما جرى !
رجال في أعمار متفاوتة ،يتحدثون بأصوات متخافتة، هذا يتكلم عن الزراعة والثاني يحذره من أحداث المجاعة وثالث يشتكي غلاء البضاعة!
فلما أذن المؤذن صعد الخطيب المنبر ،فنظر الصف الأول إلى الأرض في خشوع وتدبر !
أما الصفوف الخلفية ففيها هرج ومرج كأن المسيخ من وسطهم قد خرج !
صبية يتشاجرون وشباب يضحكون أما الكبار في غضب يتنحنحون!
فسكت الإمام مليا ثم صرخ في وجوهم :مالي لا أرى فيكم خاشعا أو تقيا !
احذروا فإن الموت آت لا محالة فأفيقوا ولا تعيشوا في ضلالة !
عم الزنا وانتشر الخنا وخرجت النسوة إلى الأسواق كاسيات عاريات كأنهن أهل بغاء أو أصحاب رايات !
فشخصت أبصار القوم وداهمهم النوم !
وأخذوا يتثاءبون وإلى أعلى ينظرون !
فتكلم عن صلة الأرحام وعن عظيم حرمتها بين الأنام !
وكان جل الحاضرين لأرحامهم قاطعين فجشأت نفوسهم وعلا مفرقهم الهم !
ودب فيهم الغضب وغلت صدورهم كمرجل أسفله لهب !
فتحدث عن أكل الحرام فوقف من القوم أكابر مجرميهم يا شيخ ،كل شيء على مايرام !
فأنهى الشيخ الخطبة ونزل للإمامة والغضب مرسوم كالعلامة يود كل واحد منهم أن يشق منه الهامة !
يقول ابن عبد الونيس فلما فرغ من صلاته وختم ورده ومناجاته!
جاءه القوم إليه يهرعون وعليه يتدافعون!
من الذي سلطك علينا فسودت الدنيا في مقلتينا!
قال: الحق أقول وأسير بينكم على هدي الرسول !
لكنكم جسوم بلا عقول !
تعملون للدنيا وتنسون الآخرة ولا شك أنكم مردودون في الحافرة وكائنين عظاما ناخرة !
رأيتكم قد دب فيكم النفاق واشتعل بينكم الشقاق وغابت عنكم مكارم الأخلاق !
يظن أحدكم أنها مجرد حياة فأحب أحاديث الفساق وكره كلام الدعاة !
ألم يرسل إليكم رسول خاتم ومعه قرآن هو لكم نور وتحفظونه في الصدور وتعلمون أنه خير دستور وأنه جواز المرور على الصراط وحسن العبور ؟!
مالكم كرهتم النصح و شهدتم شهادة الزور وماطلتم في دفع الأجور وإنه لكم لبشير ونذير !
ادعيتم توحيد الله ولم تصبروا على قضائه وشكوتموه إلى خلقه !
وتشدقتم بحب الرسول وقدمتم عليه الأحكام العرفية وضقتم بأحاديثه ذرعا ونكرتم سنته ولم تسيروا على نهجه ولا ملته !
خبروني عن أفراحكم كيف تقيمونها ؟
وعن الزكاة هل تخرجونها أم تمنعونها ؟!
وعن الجار هل عاش بينكم كريما مصونا أم ذليلا مهانا ؟!
خبروني عن معاملاتكم وعن بيعكم وشرائكم ؟!
الربا بينكم حل مستباح والزنا مراح بكم وبراح !
الحرام منتشر ظاهر والحلال في غرفة الإنعاش كأنه عجوز خرج على المعاش !
لا تحبون النصيحة وتفرحون بالفضيحة!
طلقتم نساءكم وعلى الجهالة نشأتم أبناءكم !
على المال تقتتلون وللحرام تأكلون وفي البيع تغشون وفي الشراء تطففون وللكيل تخسرون ولأشياء الناس تبخسون!
يقول ابن عبد الونيس فعلت أصواتهم وهموا به ضربا وهم قومه عنه مدافعين وأشعلوها حربا !
فقال شيخ هرم أما تعلمون يا جهلاء أن المسجد حرم !
اخرجوا إلى الشوارع وتقاتلوا حتى يشمت فيكم الأعداء وتفقدكم الزوجات والأبناء !
هكذا أنتم يا أيها البلهاء تتشاجرون لأتفه الأسباب
هل أخطأ فيكم الرجل أما صدع بينكم بالحكمة وفصل الخطاب ؟!
ارعووا خيرا لكم ولا تقولوا: إنه كذاب !
إنه لكتاب الله حافظ وللفحشاء لافظ وقد أخذ عليكم بعض الملاحظ !
فأنتم منه على خيارين
إما أن تسمعوا لله وتخشعوا
وإما تتركوه وشأنه !
ماذا تقولون في وأنا جدكم وأدرى الناس بكم ؟!
أصدقكم القول قبل مجيء الويل :
أنتم شر خلف لخير سلف ،سعيكم في ضلال وعملكم إلى تلف!
غيرتم معالم الطريق،ولم تراعوا حرمة الصديق ،ونافقتم الغني وشمتم في الحريق والغريق !
تفاخرتم بالأنساب وتقاتلتم على حفنة تراب وأمنتم مكر الله ولم تخشوا العذاب !
قلوبكم قلب أبي جهل ووجوهكم وجه أبي بكر !
وعودكم سراب وبناؤكم خراب ومكركم في تباب!
ظلمتم الضعيف ولم يكرم في رحابكم الضيف وإمامكم الحيف!
اسمعوها مني وخذوها عني :
كل مسئول فمحاسب ،فنقوا صدوركم من الضغينة وخلصوا أعمالكم من الرياء وانشروا في قريتكم الحب والوفاء !
واعلموا أن المودة خير زاد للأحبة!
وأن الحب حرفان:
حاء وباء !
حاؤه حياة القلوب وباؤه بلسم للجراح!
انصروا المظلوم ولا تبيتوه في هموم ،فإنكم تنامون وعين الله لا تنام !
قاوموا الظالم وطالبوه برد المظالم ولا تعيشوا أيتاما على موائد اللئام!
اعلموا أن ملك الله واسع فسيح ،وأنه لا مكان فيه لكسول أو كسيح فاعملوا جاهدين حتى تعيشوا مكرمين !
والزموا الحق ؛لأنه ثابت لن يتغير ومهما علا الباطل وانتفش فإنه سيتبدد تبدد العتمة ضربها نور الفجر الصادق !
يقول ابن عبد الونيس فلما أعجبني كلام الرجل، وشعرت منه بالصدق مع اقتراب الأجل ؛فوقفت فيهم خطيبا على وجل فأثنيت على الشيخ وقلت!
قسما برب البرية لقد حكم بينكم الشيخ بالسوية وأقامكم على المحجة البيضاء فخذوها منه واشكروه عليها !
وإن موصيكم بكلام مختصر يكون لي في سجل أعمالي من جميل الأثر يوم يأتيني حيني ولا مفر !
"ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما انتزع من شيء'إلا شانه واعلموا أن القلوب عليها المعول وفيها الأمل !
وأن الصدق لا محالة يهدي إلى البر وأن الكذب يهدي إلي الفجور!
فاعبدوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون!
ولا تمنعوا الماعون وكونوا هداة مهديين إخوانا متحابين فإن الدنيا لا تدوم فلا تعيشوا بسببها في هموم واجعلوا رزقكم على الحي القيوم !
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم !
يقول الراوي ابن عبد الونيس "
هذا ما كان من الخطيب وأهل قريته وكلام العجوز ونصيحته وكلامي وديباجته !
وإني نقلتها لكم لعلكم بها تعملون وبما فيها تنتصحون !
والسلام على من سمع وانتفع !
•••••••••••••
الأستاذ: حمادة عبدالونيس الدرعمى