زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

« واحة القصة القصيرة » _ تقدم: " من أرشيف الناقد مصطفي بلعوام"


 



" من أرشيف الناقدمصطفي بلعوام"


••••



الكتابة الابداعية..



أحبتي: تواعدنا على فتح جسر للتواصل مع الكبار، لتبادل الخبرات، وكذلك للتعلم لمن يرغب في زيادة معرفته، ولأننا عهدناه جنديا متمرسا لا يعرف لغة الألقاب، وإنما لغة التشريح النقدي، وباقتدار، كان لابد أن نستعيد دراساته الإبداعية التي اختص بها الواحة على مدار ثلاثة أعوام، وسننشر ذلك في باب مستقل على مدى أسابيع متتالية. مع أطيب المنى ، وخالص الدعوات بالصحة والعافية لأستاذنا: 

El Mostafa Belaaouam ليعود لنا سالما غانما..



…..……………………


الكتابة الإبداعية


بقلم: بلعوام المصطفى

________



أصعب ما في الكتابة من منطق ومنطلق الكتابة الإبداعية وتجلياتها أن تأخذ اللغة ذاتها مادة لمادة أخرى تتعالق بها بقدر ما تنفلت منها كي تخلق مادة أدبية يستعصي التمييز فيها بين القول وقالبه من خلال اللغة، مادام الحال هنا، ألا إبداع بدون لغة تبدع ولا لغة تبدع بغير مادة قولية تبدعها.


وبالمقابل، أعقد شيء في مقاربتها يكمن في قدرة الكتابة التي تأتي إليها على برهنة مصداقية خياراتها المعرفية، لأنها وحالها المبدئي هنا ما هي إلا ضرورة نظرية محكوم عليها أن تكون موضوع معرفتها، إذ لا موضوع قار لها ولا معرفة تستقر عليها كحقيقة مطلقة في غنى عن التدليل على نجاعة موضوع معرفتها. فموضوعها هو في العمق وقبل كل شيء معرفتها بموضوعها من قبل أن تتناول الكتابة الإبداعية موضوعا لها، بما أنه من المستحيل أن تتجاهله كما لو كانت برآء من أية قبليات برانية عن كيفية الاشتغال عليها.


هما كتابتان؛ لنا في الأولى هاجس البحث عن إبداع متفرد وشاذ عما هو متعارف عليه لكي تحقق من خلاله قيمة أدبية مضافة، ولنا في الثانية معادل لهوس معرفي ما ينفك يجبرها على مساءلة فرضيات معرفتها بالموضوع الذي تأخذه معرفة لها؛ تجري الأولى وراء ما تجهل القبض عليه وقد لا يعني الثانية بتاتا، ولو بعد حين، أو قد يعنيها بشكل مغاير لَمْ تعنه، ولو من قبيل الافتراض، لكن في كلتا الحالتين، حوار المضايقة يبدأ من هنا، أو على الأقل سوء فهم ناتج عن جينية علاقة غير متجانسة بين الكتابة الإبداعية وما يُكتب عنها: هل قيمة ما يُكتب عنها يماثل ما تحمله من قيمة؟ وإلى أي حد تحتاج أصلا لمن يكتب عنها؟ وما هو موضوع الكتابة فيما تكتبه الكتابة الإبداعية بالضبط؟


القصة القصيرة شأن لغوي بالأساس كما باقي الفنون السردية؛ والشأن اللغوي هو أيضا قضية حساسية سوسيو-ثقافية تمتح تمظهراتها التعبيرية من الكيفية التي يتم فيها تصور آليات ارتباط الذات بالتاريخ والعالم، وذلك لأن للغة حياة كما للحياة لغة، وأن الكتابة الإبداعية في جوهر القصة القصيرة من حيث هي قصة، ولا شيء غير قصة، هي تقاطع لغة الحياة بحياة اللغة. فقد تتغير خطاطتها الصورية -إطارها المعماري- حسب تغير كل ظرفية زمنية تقتحمها وتخلق، بناء عليها، لوازم تقنية أخرى تؤثث بها وبدرجات متفاوتة قالبها الفني؛ وقد نلعب بمؤشر واه نعتقد أننا بواسطته نحدد درجات أدبية "القصة"، فنرفعه قليلا أو كثيرا لتصبح طويلة أو طويلة جداً (رواية)، إلا أن بوصلتها تبقى ثابتة في خضم المتغيرات التي تعتريها وتشهد على قدرتها في امتصاصها لمتطلبات تغير أوجه الحياة ذاتها؛ بوصلة تشكل مربط روحها من حيث هي أولا وأخيرا حبكة لِلُغَةِ حَيَاةٍ في حَيَاةِ لُغَةٍ أو ل "تجربة إنسانية" كما يقول الناقد محسن الطوخي ول "لحيظة حياة" بتعبير الكاتب سليمان جمعة. كيف يمكن اعتبارها لغة حياة في حياة لغة وهي مجرد "خلق من ورق" للحيظة حياة؟


السارد، الشخصية، الحدث، الصراع، الأزمة، السقطة... كلها تعبيرات مفهومية عن حال قَص لقصة مبلورة كلها من ورق، وبتعبير أدق إحالة للحيظة حياة في حالة سرد وليس استنساخا لأحداث ما في واقعيتها.. الحياة في حد ذاتها سرد، تقول جوليا كريستيفا، إذا فوضناه قاب قوسين هددنا وجودها، كما هو الشأن بالنسبة للقصة القصيرة، إذا أفرغنا الحياة من سردها تصبح قصة بلا روح ولا حياة؛ وما توسلها لتقنيات وتكتيكات لغة القص في خلق فضاء قصصي يمور حياة إلا دليلا على خصوصية إبداعها في فن سردية لغة الحياة. ولعل الذي خلق ضبابية كثيفة حول الفنون السردية عموما والقصة القصيرة خاصة جاء نتيجة تلك النظريات التي جعلت من السرد ذاته موضوع معرفة تؤسس عليه ما تقول إنه "علم السرد" أو "السرديات" مع مفارقة غريبة تجد فيها "غريزة الاجترار" ضالتها: كلما حولت السرد إلى نمذجة صورية لكل أشكاله وأنواعه، كلما انزلق من مفهومه الأدبي إلى مفهوم مجرد لا سلطة له غير الإنصات إلى نفسه في حلقة مفرغة. ولئن كان هذا يشكل مشروع دراسة في حد ذاته، فلا ضير من تسجيل فرضية مؤقتة مفادها أن "السرديات"، فيما تعطيه للمعاينة، تبدو تقويضا ممنهجا للغة الحياة في القصة القصيرة، إن لم نقل، على سبيل القياس، للفكر ذاته في الثقافة الأدبية العربية التي أضحت تعيش على اجترار مفاهيم وآليات تلعب دور مدحلة ذي نتيجة واحدة كيفما كان المنتوج الأدبي الذي تشتغل عليه.


وإذن، ما معنى فن سردية لغة الحياة وعلاقتها بالكتابة الإبداعية؟ هنا لا بد من تبديد لبس أولي يتعلق بمفهوم الحياة عندما تتحول لغتها إلى مشغلة أدبية. أولا، الحياة في حد ذاتها سرد؛ ثانيا، إنها سرد ذو طبيعة خاصة بلغة لها فاعلية الوجود من وجودها باعتبارها شكلا من أشكالها، وما التمييز كما الفارق في الفرق بينهما سوى ضرورة من ضرورات العرض والطرح. وبعبارة أخرى، إنها ليست مجرد معطى كما أن اللغة ليست عبارة عن ذريعة وكأنهما في "علاقة دون علاقة"، تبدو فيها اللغة "أداة" لاحقة لحياة سابقة. فاللغة وما تحمله هي وفيما عليه شكل من أشكال الحياة أي أنهما مبنى لمعنى في معنى لمبنى. لكن إلى أي حد يمكن استقصاء تمحورهما في القصة القصيرة؟ عود على بدء لا مناص منه من منطق ومنطلق طبيعة مشغلة القصة القصيرة الأدبية.. حسب التعريف، إنها سرد من هنا، وحكاية من هناك، وإن اقتضى الأمر، سرد لحكاية وفق إطار معماري تضبطه قواعد فنية من حيث الهوية الأدبية إذا جاز التعبير: فنية لعبة سرد معقم من مادة سرده تنطوي على تحصيل حاصل للعبة لغوية تدور حول نفسها وما تفتعله من مادة سردية تستجيب لشروطها الفنية. تلك هي دراماتورجيتها ولربما كل فن سردي، في علاقتها بمفهوم السرد في السرديات وأخواتها. هي سرد فعلا، لكن ليس كل ما هو سرد فنا ولا كل فن سرداً في الكتابة الإبداعية مادام فعل الكلام من ذات السرد على اعتبار أننا بمجرد ما نتكلم، نسرد (جوليا كريستيفا بمعنى أنها شيء آخر غير السرد من حيث هو تحصيل حاصل لمفهوم الحياة. إنها فضاء من خيال، للغة حياة في حياة لغة، لا لشيء إلا لأنها مشغلة أدبية ذات مرجعيات ذاتية في فن سردية الحياة. قد يبدو أن ثمة تناقض بين الذي هو من حيّز الخيال والذي هو من قبيل الحياة، إذ كيف يمكن لها أن تكون فضاء من خيالٍ للغة حياة؟ سؤال يحمل جوابه في طياته إذا ما استرجعنا أولياتها التي تؤسس أدبيتها وكذا علاقة الخيال بالحياة فيها.


ويقال إنها سرد لأحداث أو لحدث متجسد في "محركات أفعال" من خلال كائن صوري(شخصية) وتبعا لخطاطة ممحورة أساسا حول وهج أزمة مع ذروة تليها "سقطة" تشكل مفتاح قفلها. ويكون الحدث فيها إما من صنيع خيال أو من اقتباس واقع وبصرف النظر عن كمية شحنة كل منهما حين تقاطعهما. نضعها مسبقا على محك مرجعية برانية عن كيفية مقاربتها للحدث الذي يجد نفسه خاضعا لثنائية لا تعنيه من حيث أدبيته: الواقع/الخيال، الحقيقة/الوهم، الممكن/المستحيل، التقريبي/الافتراضي. ويتحول إلى موضوع حكم قيمة من دون قيمة في ذاتية أدبيته التي تعني من بين ما تعنيه:


١-


لا واقعية للحدث غير تلك التي يحملها وبما تحمله إياه القصة ذاتها، أي أن واقعيته فيما تحيكه لغة مفرداته القصصية التي تحمله؛ فهو ليس مجرد "مادة خام" أو معطى يعطى مرجعا لحقيقة واقع في شكل ظاهرة اجتماعية أو حالات معاش كجلمود صخر حط من عل، على سبيل المثال. إنه مشغلة أدبية، وبالضرورة، نسيجُ بعدُ نظرٍ، إن لم نقل خلق من رؤية في مقاربته مادام مشرعا على رؤى متعددة؛ مرجعيته كحقيقة "واقعية" هي مفعلة فكرية لاحتمالات رؤى تعني بأنه ليس حدثا كامنا لحقيقة مناولته في واقعيته.


٢-


وبناء عليه، يرتبط بإبستيمية سياقية التي منها وبها يتكون من حيث هو موضوع حقل إنتاج لمعرفةٍ هي ذاتها مشروطة بحقل سياقاتها التاريخية. ويمكن إعطاء مثال لذلك من خلال تصور اتجاهين يضربان في عمق تاريخ السرد القصصي ويكادا يكونان على طرفي نقيض، بحيث نجد أن الاتجاه الأول يجعل "الحدث"-هذا الذي يقع- بؤرة القصة، سواء أكانت طويلة أم قصيرة ومنذ بداياتها المتعارف عليها؛ كل شيء فيها -من تأثيث، وتشخيص ومشهديات.. - يشكل تسويغا لهذا الذي يأتي من غير سابق إنذار فيسقط دفعة واحدة مكسرا مبنى معناها. بيد أن الاتجاه الثاني، لا يرى في الحدث ذاك الذي يقع والذي يحاول القاص تناوله وفق "سببيات حدثية" في الحدوث، ولكن يرى عَلَى أنه كل ما يُخلق من الكتابة وداخلها بما أن هذه الأخيرة حدث في ذاتها لا تحتاج إلى بؤرة حدثية تحوم حولها أو تأخذ منها خيوط حبكتها؛ فتلاشيه، كما يصرح هذا الاتجاه، إن دَلَّ على نتيجة، فإنما يدل على «موت السرد"، لا أقل ولا أكثر، لأن ثمة شقاق في تصور الحدث، هذا الذي يقع من غير موعد/مؤشر؛ لم يعد يحمل اللامتوقع في حدوثه بل أضحى هو ذاته متوقعا من قبل أن يقع.


٣-


يقتضي الحدث إذن، تصورا ما وشغلا فكريا دائم التحول في إنتاج مواضيعه، وبالضبط فيما يخص علاقته بأدبية السرد، الشيء الذي يعني بأن علاقة السرد بالحدث ليست تراتبية: الحدث أولا والسرد ثانيا؛ أو كما يقول موريس بلانشو: "ليس السرد هو علاقة الحدث؛ إنه هذا الحدث ذاته، نهج هذا الحدث، الموقع الذي هو مدعو فيه بأن يتحقق، حدث قادم أيضا، وكذا بالقوة الجاذبة التي بها السرد يمكن أن ينشد تحققه هو الآخر " . فعل السرد متداخل مع فعل الحدث بما أنه، من هذا المنظور هو الحدث ذاته وليس مجرد ناظم لحدث في صيغة حكاية أو حكاية في صيغة حدث يأتي إليها وكأن لها ماهية سابقة له؛ إنه هو هو بمجرد ما يصبح كائنا لغويا أي كينونة في صيرورة تكوين لا تستقر على حال بل تدل على طبيعة: السرد هو هذا الحدث ذاته وذات الحكاية. لكن كيف نحدد معالمه وصياغاتها؟


هنا، يكمن الخلط بين الحدث، هذا الذي يقع، واللغة التي تقع عليه أو يقع عليها؛ فغالبا ما نأتي إليه من خلال اللغة ونجعله مرادفا للفعل كما لو كان حصيلة لمجموع جمل فعلية حيث فعل الفاعل يحمل صيغة زمنيته في فعله، فيصبح بالتالي مجرد صياغة لمسند سلوكيات في أحسن الأحوال. أين الحدث إذن؟ وإذا كان السرد متواليات لأحداث، فما محل هذه الأخيرة من إعراب الحدث، هذا الذي يقع؟ ربما! يلزم التمييز بين معنى الأحداث التي تدخل في حيّز "المجريات" والحدث الدال على هذا الذي لا مجرى له غير وطأته؛ للأحداث معنى، ومعرفة سابقة على حدوثها أي أنها تنتمي إلى بنية معرفية تستمد منها دلالتها في الفهم. بيد أن الحدث، هذا الذي لا مجرى له، لا يحمل أية معرفة، فهو يحدث وما يحدث ما كان عليه أن يحدث، هو إذن خرق للمجريات وبنيتها المعرفية. من هنا يمكن القول بأن السرد هو الحدث ذاته وأن الحدث هو السرد في تجلياته، ويكمن في وحدته النصية من حيث هو قبض على لُغَةِ حَيَاةٍ بِحَيَاةِ لُغَةٍ؛ حياة جد مشرعة على كل الاحتمالات في تشكليها والخاضعة دوما وأبدا لإعادة التشكيل وغالبا من نفس الحدث الذي يتغير مفهومه عبر التاريخ.


٤-


إشكالية الحدث مرتبطة تبعا لطرحنا هذا وبالضرورة بالمنظومة الفكرية التي نفكر بها السرد وبالأخص آلياته الادبية وفنياتها. وللإشارة فقط، منذ بداية فن القصة القصيرة في العالم العربي وحتى يومنا هذا، مازلنا نراه يخضع لمنظومة فكرية واحدة ممحورة في مقياس واحد في مقاربتها إياه؛ وهو مفهوم "الواقع"، حيث تنظر إلى فن القصة القصيرة على أنه تصوير أو ترجمة له في أحسن الأحوال، مما يعني أن الحدث فيها صورة من صور الواقع، والواقع مخزان للحوادث والكوارث بكل أنماطها. وبعبارة أخرى، لا تعدو القصة القصيرة أن تكون لعبة تقنيات فنية في التسجيل التصويري لذا الذي يظل مقياسا لها في مدى توفقها أم لا، توثيقا أحيانا ونسخة أحيانا أخرى، اعتمادا على تصور يجعل هذا الواقع واحدا وحيدا يظل كما هو ولا يحتاج غير اللعب بتقنيات فنية بغية تصويره من حيث هو مادام يحمل معناه من معطاه وفِيما يعطيه للمعاينة. ولعل تفسير ذلك يعود إلى المنظومة الفكرية العربية ذاتها، والتي انبنت، لاعتبارات ثقافية وأيديو-لوجية، على ملزمة قطعية مؤداها أن "المعاني مطروحة في الطريق". فن القول أرقى من مقاله، والواقع-الحدث في صيغة حوادث منبع مقاييسه؛ في الأول، "المعاني" تبدو كأنها "معطى" لا تحتاج سوى التقاطها؛ وفِي الثاني، "الواقع" هو أيضا معطى ينتظر فقط نسخه وبلغة فنية؛ وفِي النهاية، فكر غير منتج لأفكاره ومنظوماته الفكرية حول الواقع الذي يبدو كما لو أنه حامل لمعناه في معطاه وغير محتاج الي أي إنتاج فكري له. لنجمل القول: نتكلم عن كل شيء عدا الحياة؛ نقتفي أثر البراعة في فن القول ونحشد له ترسانة متعددة المشارب لإبرازها ولا شيء عن الحياة التي تخترقها وتحتاج في كل أوجه لغتها ديمومة الحفر المعرفي؛ ولسبب بسيط أنها لا تعطى كمعطى ثابت وعابر للتاريخ، ولكنها تحيا من تاريخها المتغير في تاريخ حياتها. الحياة سرد وسردها في فن القصة القصيرة كتابة إبداعية تتقاطع فيها لغة الحياة بحياة اللغة من أجل قيمة أدبية تعانق " تجربة إنسانية"، كما يقول الناقد محسن الطوخي، تُستخلص ولا تُلَخَّص؛ تجربة لها معنيان: معنى التفرد فيما يحدث فيها ومنها من غير المعتاد، ومعنى التميز فيما تحمله من معرفة. هي فعلا "تجربة قصصية"، إذا استعملنا تعبير الناقد محسن الطوخي، لكنها تظل في عمقها "تجربة إنسانية"، لأنها لا تخضع في أدبية القصة القصيرة إلى مقاييس برانية عن خصوصيتها تضعها على محك الموازنة بين معادلة مستوى الحقيقة - الخيال بمستوى الواقع-اللاواقع فيها، فحقيقتها في خيالها الذي ينتج حقيقة "التجربة القصصية"، وبالتالي، "التجربة الإنسانية". والخيال هنا يحيل إلى قدرة الفكر على تشكيل واقع موضوعه أي تكوين معرفة ينسجها بالضرورة، وإن كان يأخذ ما يسمى "الواقع" مرجعا له. إنه قلق معرفة في حالة قدوم حتى لا نقول إنتاج معرفة لعالم الكائن والممكن. لكن، ومما لا شك فيه، لا يمكن تجاهل سؤال يطرح نفسه في هذا المضمار وكلما تعلق الأمر بالفنون السردية: هل إنتاج المعرفة هُو ما تصبو إليه القصة القصيرة؟ قد نجيب: قضية وجهة نظر ومبتغاها. إلا أنه جواب مبتسر: ليست كل وجهة نظر لها وجاهة في مقتضاها؛ والشيء نفسه يخص القراءة ومداخلها المرتبطة بمحفزات القارئ. بيد أننا نستطيع على الأقل الاتفاق على شيء واحد، وهو أننا نقرأ قصة في فنية القصة القصيرة؛ قصة لحيظة حياة كما يقول الكاتب سليمان جمعة، وتبعا لما أتينا عليه أعلاه. ولأنها "قصة"، يمكن التمييز بين مستويين: - مستوى القيمة. - ومستوى فائض القيمة. يتعلق مستوى القيمة بالفنية المستثمرة في القصة من لغة ومعمارية حبكة وميكانزمات خيوط القص في اللعب بوهج الأزمة بما فيها ذروة السقطة، وغيرها من الآليات الممكنة إبداعياً؛ ويمثل مستوى فائض القيمة فاعلية القيمة في مفعولها الذي لا تربطه علاقة سببية بالقيمة، والذي هو الفائض. ولئن كانت للقصة قابلية التحديد لمستوى قيمة آلياتها في فنيتها الأدبية، ففائض قيمتها غير قابل للتصنيف في مقولات نستطيع أن نكون منها مقياسا لقياس معدلات تلازمية القيمة بالفائض. إذ ليس كل ما له قيمة يحتوي على فائض قيمة، وبالمقابل، ليس كل فائض قيمة ذو قيمة مطلقة قادرة على إعادة إنتاج نفسها في قصة أخرى. ويتجلى فائض القيمة، على سبيل المثال، في تلك القصص التي تتجاوز شحنتها الوجدانية والمعرفية التاريخ والجغرافية وكأن لا زمن ولا بيئة لها. ما السر في ذلك؟ ربما، وبكل بساطة شديدة جدا، لأنها تكتب لغة الحياة بحياة لغة من دون حذلقة في اللغة وفذلكة في الصيغة.








عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية