زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

لحظة التنوير.. الحلقة الثامنة فى سلسلة عوالم القصة القصيرة /الأديب: أحمد طنطاوى.


 لحظة التنوير

ــــــــــــــــــــــــــــ

* منقول من حساب الأخ الصديق أحمد طنطاوي

Ahmed Tantawy 

شيخ النقاد العرب

لعموم الاستفادة.


(الموضوع هو الحلقة الثامنة فى سلسلة عوالم القصة القصيرة \ أحمد طنطاوى )


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


اللقاء الثامن


الختام \ النهاية \ لحظة التنوير هي مرادفات لانتهاء رحلة القصة القصيرة 

  على اختلاف التصورات للمفهوم :

إنهاء الصراع

الاكتشاف

فض التشابكات

تنظيم الخيوط التي امتزجت

حل للغز الذى طُرح

نقطة التفجر 

التوقف بعد لهاث الهرولة , و الوصــول للمحطة الأخيرة للقطار, أو العثور على

 الشىء المفقود الذى سقط في أعماق البحر .

بيد أن الأمر ليس بهذه البســـاطة , فصنع المشاكل أســـــهل كثيرا جدًا من حلها 

و اســـــــتحضار عفريت لا يوازى صعوبة صرفه , و في هذه النقطة بالذات

_ و كختام الســـــيمفونية _ ستتردد أصـــداء النغمات في الآفاق لمدد طويلة تبعًا 

للمهارة في رسم خريطتها و وفقًا للإحداثيات الســليمة , كما أن اختلاف طبيعة

 القصة و اتجاهها و مسعاها سيُلقى بآثاره على تلك النهاية لونًا و ايقاعًا و تكوينًا

 تشــــــــــكيليًا و صوتيًا أيضًا , و ســـــيظهر أكثر_ هذا الصدى _ في الأنماط

الحداثية التي تتفشى الشـــــــعرية فيها بدرجة أكثر من الحدث نفسه و اعتمادها

 الرقرقة أكثر من الاحتدام و القفز و الاشتباك , فسيكون الخط المسـتقيم أوضح

 من الشكل الدائرى حيث يطل المونولوج و صوت المتكلم بشـــــــكل أوضح , أو

 التركيز على الداخل الوجدانى بشكل أكثر تجسيدًا من قصص الحدث الكلاسيكية ؛

 فستتخذ مغامرات الوجدان و المشــاعر الباطنية و تفاعلاتها حجر الأساس بديلا

 عن وقائع الحدث سواء الخارجي أو الداخلى , أي أن الحدث هنا _ شـــــعورى 

_ بالأساس , كمن يعايش لحظة اكتشاف ذاته عبر استرجاع و استبطان و مراجعة

 للنفس فتكون القصة هنا (داخلية ) في مقابل النوع الآخر الذى يصـــــور الواقع 

الخارجي للآخرين أو حتى للشخص نفسه , و لعل ظلال قصيدة النثر هي التي

 تُطل هنا و قد طبعت ملامح تعاملاتها مع النص الشعرى كما حدث مع القصة

 القصيرة جدًا التي تعتمد ( المشهد الباطنى غالبًا) .

و هذه التفرقة في المكون الأساســـــى للقصة _ ما بين خارجية مفعمة , و داخلية 

تعتمد الباطن الشعرى ) ستعكس آثارها ضمن ما تعكس على تلك النهايــــة التي 

وصفها الأوائل بــ ( لحظة التنوير)_ التي ربما كانت تسمية غير دقيقة بالنســبة

 للنصوص الحداثية خاصةحيث تفترض أن ما قبلها يقبع في الظلام _ فالســــياق

 الهادىء غير المعتمد على مبادىء و عناصر الصـــــدام أو التلغيز أو الصراع 

و التناقضات و المشــاكل لن يوجب نهاية تعج بالحلول و فض الخيوط المتشابكة

 و حل الألغاز و ضبط إشكاليات التناقض , فكل ما يستوجبه النص ( الشعورى \

 الوجدانى \ الباطنى \ القائم بالأساس على الاسـتبطان و المونولج ) هو الوصول

للسلام الداخلى و الفهم الذاتي و التماس مع التحقق الوجودى بالمعنى الفلســـــفى

 حدسًا و تأملا , و هذه ربما كانت من أهداف القصة الحداثية التي لا تقف _ كما

 القصة القصيرة جدًا _ عند الحدث نفسه كمتطلب نهائي و لازم و حتمى بشــكل

 صارم و قاس و حاد , و قد كانت قبلا _ انسياقًا وراء القص الشعبى و الأساطير

 تتطلب الأحداث الجســـام و النهايات الخارقة الزاعقة المجلجلة و الضاجة بقرع

 الطبول , و حيث كانت الحكمة و العبرة من مطلوبات القص القديم .

كما أن التفرقة أيضًا ستظهر إذا قارنا نقاط الانتهاء في كل من الرواية و القصة 

القصيرة :

الرواية_ بحكم بنائها الممتد المتشعب متعدد الخطوط _ لا تحتاج إلى لحظة تنــوير 

 بالمفاهيم و المرادفات السابقة , فكلها ملتصق بالقصــــة القصيرة _ كموقف محدد 

و شخصية أو شخصيات محددة, و زمان و مكان كلاهما غير ممتد كما في الرواية 

التي تتفرع الأحداث فيها من الحدث الأساســــى , و تتعدد الخيوط و المواقف عبر

مسار أو مســـــــــــارات كثيرة لا تتحدد فيها مركزية ما تتجمع عندها الاهتمامات 

و التساؤلات فيكون من المنطقى أن تنتهى نهاية غير قلقة كرحلة حياة شــــــيخ في 

التسعين من عمره لا يكون موته علامة فارقة قياسًا على رحلته الطويلة , إنما يجىء

 هادئًا بشكل عام , بعكس موت طفل في العاشرة من عمره مثلا غرقًا أو في حادث

 طريق أو اســــتشهادًا ... , المقارنة هنا أراها تنطبق على نهاية الرواية , و لحظة 

التنوير في القصة القصيرة باعتبار نقطتها الصفرية الصغيرة , و تمركزها البؤرى

 في حدث واحد و شخصية أو شخصيتين غالبًا , و انتفاء الامتداد المكانى و الزمانى ,

 لابد أن تختلف نهاية هذا التكوين عن نهاية مسار مختلف من ناحية الامتداد و التعدد

 و التفرع و الانقسامات كأفرع الشجرة و أغصانها , و لذلك فلحظة التنوير 

في القصة القصيرة تحظى بأهمية أكبر كثيرا جدا من نهاية الرواية التي يتوزع فيها 

الاهتمام بين شمولها الطويل و متعدد المسارات , و النهاية التي تجىء موافقة 

و مشابهة من حيث التناغم مع الخط الهادىء المتمهل و سرعة السياق الروائى .

و ربما كانت بعض الأمثلة توضح ما أرمى إليه :

[2]

أولا : نهايات بعض الروايات :

1_ نهاية رواية الغريب :

و بعد أن رحل [ الكاهن ] شعرت بالسكينة , كنت أشعر بأننى مجهد فألقيت بنفسى على فراشى , 

و أعتقد أنى نمت لأنى استيقظت و النجوم فوق وجهى و تصاعدت ضوضاء الريف نحوى و أنعشتنى 

روائح الليل و الأرض و الملح ,و نفذ إلى داخل نفسى هذا السلام العجيب اللطيف للصيف النائم

كأنه مد البحر, و في هذه اللحظة ارتفع صوت صفارات السفن للرحيل إلى عالم

لن يبالى بى مد إلى الأبد , و لأول مرة منذ وقت طويل فكرت في أمى ,

و بدا لى أنى فهمت لماذااتخذت لها في أخريات حياتها " خطيبًا " كما لو كانت

تريد أن تبدأ الحياة من جديد , فهناك أيضَا ... هناك أيضًا ... حول هذا الملجأ

حيث تنطفىء الحيوات كأن المساء يثير الكآبة في النفس , و كانت أمى حينماحينما أصبحت قريبة من

 الموت تريد أن تحس بأنها حرة و أنها مستعدةلأن تعيش مرة أخرى ,و لم يكن من حق أحد قط أن يبكى

 عليها و أنا أيضًا أحس بأنى مستعد لأن

أحيا من جديدو أشعر كما لو كانت هذه الغضبة الكبيرة التي غمرتنى قد طهرتنى

من الشر و حررتنى من الأمل أمام هذا الليل المشحون بالعلامات و النجوم ,

و قد تفتحت نفسى لأول مرةلما في العالم من عدم لامبالاة يتسم بالحنان, و عدم المبالاة هذا الذى يظهرها

لعالم نحوى و الذى ينطوى أرضًا على معنى الأخوة

جعلنى أيضًا أحس أنى كنت سعيدًا و أن هذه السعادة لم تفارقنى ,و لكى ينتهى

كل شيء على ما يرام و لكى لا أشعر بكثير من الوحدةلم يعد أمامى إلا أن

أتمنى أن يحضر متفرجون كثيرون يوم تنفيذ الحكم بإعدامى , و أن يستقبلونى

بصيحات الكراهية .

(الغريب \ ألبير كامو )

[3]


2_ نهاية رواية زوربا :

و انقطعت أنباء زوربا بعد ذلك , إلى أن وردت لى أخيرًا رسالة من قرية

سكويلى في سيبريا مكتوبةباللغة الألمانية بخط لا أعرفه و قد جاء بها :

" أكتب إليك , أنا ناظر مدرسة هذه القرية , لكى أنهى إليك نبأ وفاة اليكسيس

زوربا صاحب منجم نحاس هنا الذى توفاه الله في الساعة السادسة من مساء

يوم الأحد الماضى .

" و قد دعانى الفقيد قبل موته , و قال لى : اصغإلى أيها الناظر.. ان لى صديقًا

في اليونان فمتى مت , فاكتب إليه و قل له إننى احتفظت بجميع حواسى حتى

آخر لحظة , و إننى غير آسف على شيىء فعلته ,و إننى أرجو له أن يعود إلى صوابه ..

" و اصغ أيضًاأيها الناظر..إذا جاء قس للصلاة على جثمانى فاطرده ,

و بسرعه , و قل له اننى أريد لعناته لا صلواته .

لقد فعلت أشياء كثيرة في حياتى , و لكنى لم أفعل كل ما كنت أريد أن

أفعله , إن الرجال الذين على شاكلتىيجب أن يعيشوا ألف عام طاب مساؤك .

تلك كانت آخر كلماته , و قد جلس بعدها في فراشه , ثم حاول النهوض ,

فأسرعنا إليه أنا و زوجته و بعض الجيران لكى نمنعه , و لكنه نحانا جميعًا

بخشونة ووثب من الفراش و سار إلى النافذة , وتعلق بها ,و أرسل بصره

إلى الجبل , و فتح عينيه و جعل يضحك .و مات و هو واقف أمام النافذة

و أظافره مغروسة في إطارها .

و قد طلبت إلى زوجته ( ليوبا ) أن أكتب إليك و أبلغك تحيتها و أقول لك

ان الفقيد كان يتحدث عنك كثيرًا و أنه أوصى لك بالسانتورى لكى تذكره به .

" و الأرملة ترجوك إذا مررت بهذه القرية , أن تنزل في ضيافتها لكى تأخذ السانتورى

 معك عند رحيلك "

( زوربا \ كازنتزاكس)

و هكذا ــــــــــــ

تحس أن النهايات هنا تقبل امتدادا سرديًا آخر , و أنه يمكن قبول فصل

أو فصول آخرى تكميلية للرواية ,فصفة القطع الحاد الحاسم لا تتوافر

في نهايات الروايات كونها سارت عبر الفصول باعتبار الحياة مواقف

متشابكة متصلة مستمرة الجريان , و أن التوقف الحادث الآن هو توقف

تكتيكى فقط _ إذا جاز التعبير _ و لا يمس الواقع الخارجي , و إنما هو

يتصل ( بواقع القصة و منطقها و مستلزماتها الخاصة) و إنه يمكن عدم

التوقف إذا كان لنا رغبة في لتطويل و الزيادة و الإكمال ,و ليست هناك

حتمية تجبرنا على التوقف بالسرد عند هذه النقطة , لأنها ليست لحظة

تتميز بضوء دائرتها المحدد

فرواية الغريب كان يمكن إكمالها بفصل آخر حتى لحظة صعوده منصة

الإعدام مثلا و رواية زوربا كان يمكن إكمالها بفصل آخر عل الأقل يتناول

لمحة عن البطل الثانى للرواية و هو يجابه الحياة بعد انعكاسات أجواء

زوربا أو تكملة فصل يصف مقابلته لأرملة زوربا , و مقابلته في رحلة

العودة ل زوربا آخر مثلا .. المهم أن التكملة في الروايتين لم تكن مقفلة تمامًا .

[4]

ثانيا : ختام بعض القصص القصيرة ( لحظة التنوير) :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ـ

** أما القصة القصيرة ... فتتطلب ختام الموقف المتوهج شديد السطوع _

باعتباره موقفًا متمحورًا حول ذاته , محدد الكيان و الهوية ,و لا مواقف

أخرى أساسية تبارزه الأهمية و التجسيد .

لحظة التنوير هي لحظة مغلقة مكتفية بذاتها مقفولة على نفسها , و ليس من

الملائم الإكمال بعدها و الزيادة عليها .

فلحظة التنوير مثلا في قصة موباسان " في ضوء القمر " ذهب القس ليضبط

ابنة أخته مع حبيبها الذى تواعده في المروج فلما رآهما كفراشتين في ضوء القمر

و كان في عقيدته أن الله قد خلق الجمال كإحدى نعمائه و مظاهر جلاله , جاءت

لحظة التنوير الخاتمة هكذا :

و كان الأب " مارينيان " يتساءل الآن ألم يكن على وشك الخروج على

طاعة الله ؟ فلولم يكن الله يرضى عن الحب لما أحاطه بمثل ذلك الإطار

من الجمال . وهرب الأب مبهوتًا و هو يكاد يشــــــــعر بالخجل , كما لو

كان قد اجتاز هيكلا مقدسًا لا حق له في اجتيازه . "

2 سقوط منزل آشر لإدجار الآن بو :

"انهارت أعمدة المنزل وصاحب ذلك الانهيار صوت مدوي، كان صوت مياه

البحيرة، وكانت هائجة جدًا وفجأة اتجهت مياه تلك البحيرة المظلمة الســـحيقة

العمق صوب المنزل و.....والتهمته في الحال"

و كانت القصة تحكى عن الموت الغريب لاخت بطل القصة في المنزل الغريب ,

و عودتها مرة أخرى ظهورًا غامضا في كفنها بعد وضعها في النعش في قبو

المنزل , و سقوط أخيها ميتاً إلى جوارها من هول الصدمة , و هروب الضيف

من هذا المنزل الكئيب فى تلك الليلة العاصفة المشئومة.


ـــــــــــــــــــ


( أحمد طنطاوى) 

o

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية