ليلى و الذئب.
بعد أن خرجت ليلى و جَدّتها من بطن الذئب؛ أشفقت عليه وهو يبكي متوجعاً، فقررت أن تصبح طبيبة جراحة.
و عندما كبرت أصبحت فعلا جرّاحة، و عادت إلى الغابة، و انتزعت الذئب من تلك الأسطورة السخيفة؛ التي يخيفون بها الأطفال، حتى لا يبتعدوا عن منازلهم، ثم قامت بخياطة بطنه.
وعندما صحا من المخدر؛ طلبت منه ألا يلتهم الجدات و الليلات اللطيفات ثانيةً، فوعدها وعداً قاطعاً أنه لن يعود لفعل هذا، و زيادة في طمأنتها؛ طلب منها أن تخيط له فمه، ففعلت و علقت له محفظة من السائل الطبي المغذي ( السيروم) كي لا يجوع.
وفي طريق العودة ركبت حافلة، و راحت تستمع إلى أغاني فيروز التي يشغلها السائق في مذياعه؛ و فجأة عثرت على ذئب مسكين في أغنية ( وحدهن بيبقوا) فغضبت من السيدة فيروز لأنها لا زالت إلى اليوم تأمر الذئب بالصراخ عليهم (بلكي بيرجعوا ).. كيف لهم أن يرجعوا و قد استشهدوا منذ نصف قرن تقريبا!! فاستدرجت الذئب إلى خارج القصيدة، و خاطت له فمه بعد استئصال حنجرته المبحوحة من طول الصراخ، في الوقت الذي أرسلت فيه رسالة اعتذار إلى الشاعر الكبير الأستاذ طلال حيدر؛ لأنها شوهت مضمون قصيدته.
شكرها الذئب و ذهب يقدم طلب تقاعد من مهنة الصراخ على أولئك الذين بيبقوا مثل زهر البيلسان؛ بعد أن فقد حقه في حرفة الافتراس .
شعرت ليلى بالرضا عن نفسها، و أحست بطاقة كبيرة تتدفق من أصابعها تبث حمى الرغبة و الإدمان على خياطة كل ما لا لزوم له،
في تلك الليلة أخذت كمية كبيرة من الخيوط الملونة، و تسربت من تحت باب الجيران و قامت بتطريز أشكال كثيرة من أزهارٍ منوّعة على فم الجارة الثرثارة التي تخلق بثرثراتها؛ الكثير من المتاعب لأهالي الحي.
و عند خروجها من ثقب الباب للعودة إلى بيتها؛ فوجئت بلصٍ لعينٍ يحاول كسر قفل أحد المحلات التجارية، فانقضت عليه و غرست إبرة المخدر في عنقه، وخاطت له أصابعه ملتصقة مع بعضها و طرزت الكثير من الأوراق الخضراء و الأزهار و الثمار حول ذراعيه، وعندما استيقظ الناس صباحا؛ عثروا على رجل تحولت ذراعاه إلى غصنين مثمرين و راحوا يقطفون التفاح و الليمون و الجوز و المشمش و يشكرونه على كرمه.
طارت ليلى فرحا بإنجازاتها، و راحت تنسج كل ما تراه غير مناسب أو لا لزوم له .
ذات مساء عبرت الجدار الزجاجي لشاشة التلفاز، و شرعت تطرز أفواه المحللين السياسيين في ذلك البرنامج المزعج، و بعد أن انتهت .. شتمتهم و نعتتهم بالأغبياء الذين لا ينتجون إلا الكلام الفارغ، و يتبجحون في استعراض عضلاتهم الثرثارية؛ فكلامهم على مدى عشرات السنين؛ لم يحل أي مشكلة سياسية ، فلا الحروب توقفت، ولا الشعوب شبعت، و لا البلدان المغتصبة تحررت.
ثم لعنتهم و ضربتهم، بل و خدرتهم ، وفي تلك اللحظة تذكرت أنهم يصورون ما فعلته، ويتم بثه على الفضائيات والاتصالات في كل العالم مباشرة، و بسرعة البرق غطت وجهها بوشاح نسجته سريعا و غطست تعبر إحدى الكاميرات لتعود عبر شاشتها إلى غرفتها، و فوجئت بأهلها و الناس يتجمهرون في البيت و حوله و على الشرفات فاضطرت آسفة أن تصنع حبالا كبلتهم جميعا ، و هربت إلى السطح حيث كان ينتظرها ذئب مجنح ، وطارا معا إلى بلاد تحترم براءات الاختراع .. و سجلت اختراعها العظيم في حياكة أفواه الذئاب البريئة من أكل ليلى و جدتها، بل و من أكل سيدنا يوسف عليه السلام ..
خلود برهان .. سوريا
