قراءة تحليلية بقلم: الناقد المصري
محمد البنا
لنص " عبور "
ق. ق .ج
للقاصة الجزائرية / سامية عبد السعيد
..........................
عبور
في أول اختبار، دخلنا القاعة الواسعة، كانت الطاولات على امتداد البصر...
دخل علينا بأوراق بيضاء، نثرها
قال بصوت حاد: ارسموا حياتكم...!
لم أطل التفكير، رسمت الكثير، الكثير من الأشجار، يفصل بينها طريق طويل يمتد نحو الشمس،
خلف كل شجرة تصورت ذئبا...
يؤم الطريق شيخٌ كبير، يعتمر عمامة، وبيده عصاً يهش بها القطيع السائر خلفه
لحظة أن تصارعت الألوان؛ التهم الذئب الورقة.
سامية عبد السعيد..الجزائر في ٣ ديسمبر ٢٠٢٢
...............
القراءة
.........
لحظة أن تصارعت الالوان؛ التهم الذئب الورقة..هذه جملة الخاتمة، ولا شك لدى قارئ متفحص او ناقد كفء أنها مفتاح النص الرئيس، وتلخص ببراعة مغزى الفكرة في كلمتين ( تصارعت/ التهم)ينتميان للأفعال وليس للأسماء، فالتصارع ضعف والالتهام نتيجة حتمية، إذ عندما يتصارع شخصان أو جماعتان يضعفان؛ يفوز بكليهما المتربص خارج دائرة الصراع..هذه هى فكرة النص وفحوى متنه.
لنعد إذن للبدايات إذ لدينا إمامة ( شيخ كبير يعتمر عمامة..يؤم) والإمامة قوامة وقيادة وأفضلية، فراعي الغنم إمام لغنمه، والقائد إمام لجنوده، وعندما دوّنت القاصة جملة ( وبيده عصا يهش بها القطيع السائر خلفه ) دمجت بين الصورتين المتخيلتين ( الراعي " خلف الغنم" / القائد " أمام الجنود ") لتضعهما في مشهدية واحدة، وما كان ذلك منها إلا تأصيلا جيدا لما تريدنا كقراء أن نفهمه دون مباشرة صريحة، او بمعنى آخر تلميحا لا تصريحا، لذا أوردت كلمتين آخريين ( القطيع/ السائر) وهما كما نرى علمين وليسا أفعالا كما سبق ونوهنا، والقطيع هنا إشارة ايحائية بالاتباع المطلق( صفة وطبيعة الغنم)، والسائر إشارة ايحائية بغياب الفكر( أينما يوليهم يولوا) والطريق صوب الحرية ( الشمس) صعب وطويل تحفه( الأشجار ) وخلف كل شجرة متربص ينتظر فرصة للانقضاض..هذه حياتنا كشعوب منا هؤلاء وهؤلاء، يتنازعنا قوامة( الشيخ) وتسلط ( المدرس/ بصوت حاد)..قيادة طوعية مؤمنة مخلصة، وقيادة جبرية متعسفة حاكمة ولها أتباعها أيضا.
وما كان لي أن أمر مرور الكرام على كلمة ( الاشجار أو شجرة) فالشجرة دالة حياة وخصوبة هذا الشائع عنها والمتعارف عليه بل والمتفق عليه أيضا، ولكن هل استخدمتها القاصة على الشائع عنها؟ ..كلا طبعا، فالثابت - نصا- أن الشجرة وُظّفت لهدفين واضحين بارزين، وهما حجب الشمس ( ظلال/ معوقات طريق) والشيء الآخر ساترًا يتخفى خلفه متربص ( ذئب)، وهو ما حالفها التوفيق فيه وأبان مهارتها تماهيا مع لب فلسفة الجمال عند بينيتو بارتولوشي، وقد سبقه في ذلك فيلسوف المثالية الالماني هيجل، ولحق به فيما بعد الفيلسوف ايمانويل كانت حيث أسس مدرستين لفلسفة علم الجمال، وتبعهم الفيلسوف كروتشه..رائد الفلسفة الجمالية في العصر الحديث.
" الكلمة جمالها في دقة وسلامة توظيفها وليس في معناها المجرد ".
هى ثورة إذن تحالف الثائرون ثم اختلفوا قبل أن ينالوا مأربهم ( العبور من الظلم إلى العدل) ومن ثم ضعفوا والنتيجة فشل ذريع ( التهام).
ولعل من أبرز مقومات نجاح هذا النص ..الدقة في اختيار الكلمات، والبراعة في التوظيف الرمزي كمعادل موضوعي امتد منذ بدء السرد حتى نقطة النهاية، ولننظر معا إلى هذه المفاتيح المتناثرة ( في " أول " اختبار / امتداد " البصر "/ بصوت حاد/ طريق "طويل" يمتد نحو " الشمس "/ شيخ كبير/ القطيع / الذئب/../..) وكلها تساند وتعضد المفتاح الرئيس ( التصارع/ الالتهام).
ومن ثم نأتي للعنوان " عبور " كلمة نكرة تعني الانتقال من مكان لآخر أو تجاوز عائقا ما، وتنكيرها ها هنا جاء أيضا موفقا، إذ أنه لم يتم مجازًا ( التهم الذئب الورقة ) بالنسبة للقطيع، وتم مجازًا بالنسبة للذئاب، والرسالة المرتجاة ضمنيا ..انتبهوا انتبهوا انتبهوا..الطريق نحو الحرية الحق الجنة..محفوف بالمخاطر.
محمد البنا ...القاهرة في ٥ ديسمبر ٢٠٢٢
