نص بقلم الكاتب :
عبدالله الصياد
🌟
الذي يخفى عن هؤلاء أنني ربما لا أستطيع إرسال موجات كهرومغناطيسية وآشعة تحت الحمراء دون أن يلاحظ أحد، لكن لدي من المعرفة ما يجعلهم يعتقدون أنهم مستمتعون بالحديث معي، بخداعي وتضليلي! بينما أنا أستمتع بمشاهدتهم من الداخل! قد أخفي ضحكات هيستيرية على مظهرهم وانفعالاتهم التي توحي بإيمانهم الشديد بأنهم أتقنوا الدور، وبأنني أصبحت في حالة لا وعي، لكن في الحقيقة أنا من يتحكم في إتقانهم لهذا الدور! فكلما تظاهرت بالإنسجام لما يقولون ؛ كلما زادت رغبتهم في إلإندماج مع الشخصية الوهمية تلك.
سأكون منصفا، لا أنكر أن خيالهم خصب، وأنهم أشخاص ممتعون لأبعد حد، ولا يمكن الاستعاضة عن ما يقولوه وما يفهلوه بكيلو جرام صافي من اللب والسوداني والفيشار وغيرهم من المسليات، لكن في الحقيقة هم بضعة من الناس الذين يمثلون الأكثر تأثيرا من مجرد إضفاء البهجة المؤقتة على حياتي العابثة! هذا الأثر العظيم يتمثل في قيامهم بقتل جزء من ضميري! وهو الجزء المسئول عن التصدى لرغبتي الدؤوبة للتلصص بداخل الناس، ومعرفة بعضا مما يستميتون في اخفائه! كنت أصل لأعمق المناطق، وأنزع الغطاء، وما علي سوى أن أرفع مقلتاي لأرى كل شيء! لكني كنت أتوقف، أصبحت أتلصص بداخلهم دون الشعور بأي ذنب أو أي وخذ!
أصبحت مخادعا ومضللا مثلهم! بل أسوأ، لأنني أستطيع أن أصيغ مبرراتي وأن أسوقها لنفسي بإتقان شديد!! ولو انكشف الأمر لن أكون مدينا بالإعتذار، لأن الدائن سيهرب من وجهي حينئذ! باختصار لم تعد فكرة فراري من نفسي تراودني كذي قبل، بل أصبحت أقف شامخا أمام جرائمي تلك وأفاخر بها نفسي! بل وأعايرها بماضيها المليء بالتغافل والإنكار والتسامح! تريدون الأدهى من ذلك؟ لقد أصبحت أنام مطمئنا بعد كل انتهاك، غارقا في أحلامي بضحايا جدد.. ذئاب مستأنسة أقتل وقتي بالتلصص داخلهم وسبر أغوارهم!

نص أدبي متميز
ردحذفممتاز يا أستاذ عبدالله الصياد