رحلة٧١٥
بقلم أ. مي عبدالحميد
دموعنا تقف على حافة الشرفات
لتنتحر مع سبق الاصرار بكل ما تحمله من الألم؛أو سيأتيها من يدفع بها؛ ملقياً معها فيضٌ من الحنين أو لربما فيضٌ من بعض الفرح، الحزن، النجاح أو التعب !
شرفات أرواحنا هي منفذنا الوحيد لنفس عميق أمام جدائل النور.
أو لتنهيدة السُهد خلف ستائر الظلام..
باتت مشاعرنا على شرفات الروح ترتقب سقوطها..
أنا هنا في صالة المطار أنظرُ للجميع؛ أستشعر قصصهم التي لا تخلو من الدمع؛ إلا القليل منها..
ذلك الشاب عند بوابة العبور يحتضن أمه؛ ودمعه يأبى فراق كتفها فلطالما كان مهده الحنون ووسادته التي باتت عليها أحلامه وأمنياته وتبددت من خلالها مخاوفه و أوهامه .
أمي : لو لم تكن دراستي لما تركت حضنك ليلة
وانتهى بقبلة ذوّبت طفولته على كف أمه؛
وليس لها سوى أن تربت على كتفه، وتدعو له بأن يُفتح دربه.
و العروس بفستانها الأبيض، وتاجها المرصع بالأمل، هناك قرب سور الصالة... تتمسك دموعها بأهدابها، خوفا من السقوط على تلك اللوحة الفنية الملونة بأجود مساحيق التجميل؛تُكبل دموع الخوف من المجهول وفراق الرتابة..
ابنتي : أوصيك عشراً.. وابتساماتُ بهجةٍ لا داعي لها ..
وهذه السيدة تحررت دموعها للتو، بعد سنوات اعتُقلت فيها حسراتها، وآهات قلبها، قرب رجل لم يشعر يوماً بما يخالج جوفها من ندمِ لقياه؛
أمسكت جواز سفرها وختمته بدمعها، لتوثق لحظة الإستقلال .
وأما العامل رث المظهر أسند ظهره على الجدار يبكي حظه العثر، فقد انتُهكت حقوقه وسُرق جهده وعرقه وعادَ خاويَ الوفاض ..
يفكر كيف سيجيب على إبنته حين تسأله : أبي أين اللعبة التي وعدتني بها ؟؟
في الركن هناك عجوز يلتف حولها ثلاثة أجيال يحومون حولها كحمائم الدوح ليتبركوا في طيبها، ويبكون خوفا من قابض الأرواح أن يحجب بركتها عنهم في البعد.
ومال هؤلاء يتّشحون السواد ويبكون بحرقة ؟؟ سألت إحداهم الأخرى : هل أنهى أخونا أوراق شحن التابوت ؟؟ ماعدنا نقوى على الصمود..
وذاك ينصح صديقه، لا تهاجر يا صاحبي فتصبح وحيداً في بلاد الغرباء، بكىٓ إخلاصه كجواهر فَقدت بريقها ..
دموع وابتسامات؛ كفوفٌ تلوّح وبعض قُبلات ..
النداءُ الأخير :
على السادة ركاب رحلة رقم (سبع مائة وخمسةُ عشر) المتوجهة إلى بلاد الطيبة سرعة التوجه لركوب الطائرة..
أنا كنت مختلفة ..
دوماً كنت مختلفة ...
أسرعت بخطواتي كطير حلّق من السعادة ..
نثرت البسمات على شفاه البائسين ..
نوري أشعل صالة المغادرة أمل..
وزعت الحب والفرحة بالمجّان ..
فأنا على موعدي لألقاك..
على السادة الركاب ربط أحزمة الأمان استعداداً للهبوط ..
صالة القدوم جدرانها من ياقوتٍ أزرق ..
عِطرها كزهرةِ لاڤاندار تشعر بالاسترخاء..
تمرد قلبي عليّ .. أصبح كقلب طفلةٍ تركض خلف فراشات الربيع ..
كموجةٍ تحتضن أصدافها..
كنسمةٍ تداعب أوراق الشجر ..
وها هي عيناك ..
تمدُ لي حبال العشق ..
ضمتني بشوق ..
وقبلتني قبلة .. حللتِ أهلاً.
....
السودان
