أوراق خريفية..
*********
قصة قصيرة
........
مازالت حبالك مهترئة
ألا تبرحين هذا الجذع الشائخ أبداً!!
هرمتِ رغم أحلام الصغار المتناثرة حولك.
ظهرت عليك بصمات الأعوام كما تجاعيدي.
أما زلت تذكرين يديه الناعمتين؛
كان بلمسةٍ منهما يوصلني حد السحاب .
عيناه تسعان السماء بزرقتيهما.
في رقة صوته اجتمعت سعادتي.
طفولتنا كانت من أجمل ما يكون.
لم أخف يومًا وأنا أتسلق حبالك؛
دوماً كان يحمي ظهري ..
سقطت يوم ابتعد من ورائي .
وحده تحمل عبء أكتافي .
ظل صديقي الصدوق حتى اعتقلته كراسي الطائرات فباعدت بيننا المسافات ..
أتذكرين أيام كنا نلهو أربعتنا حول حبالك المتدلية،
نعلق أمنياتنا على كفيّكِ عاماً بعد عام ..
على مقعد الطائرة... جلس يقرأ رواية عن الحب والصبر كعادته ..
عبر النافذة طارت به عيناه في الفضاء اللا منتهي ..
تذكر جدائلها الكستنائية، وعينيها الواسعتين .. الشمس والقمر التقيا في بريقيهما ..
كان ليدفع كل ما جناه ليلمس وجنتيها أو ليختطف منهما كرزة ظل عمره يشتهيها، حتى أفقدته مذاق كل شيءٍ سوى النبيذ الفاخر ، ظل يذكّره بها وكان يظنه سيُنسيه شهد نكهتها.
سنواتٌ و ساعاتٌ لم يعد يحصيها باعدت بينهما؛
وجرحه مازال نازفاً.
مازال يتذكر فستانها الأبيض وتاجها
ودمعتين من عينيها، مازلتا غائرتين في قلبه.
أما الثاني فكان يلهي نفسه بإصلاح محركات الطائرات ليتناسى نبض قلبه الثائر على صمته.
وسط قطع غيار الطائرات اتسخت دومً يداه بالشحم،
اختلط بالحبر الراكض في أوردته.
كان يكتب رواياته وشعره برقة ريشةٍ تطايرت خلف شعرها حين ينسدل ويداعبه النسيم .
كتبها أغنياتٍ مبهجة... كأغاني العيد والربيع.
جمع أحلامه وأمنياته لهما رسائل عشقٍ من سنوات الصغر .
احتفظ بكنزه خلف وسادته الخاوية إلا من خيالاتها.
واكتفى برسائل غرامه لتروي أشواقه، وتجرّع الصبر مرارًا مع قهوته السوداء وعطرها الساكن تحت جلده.
أحبها .. وتخلّى؛ ليحتفظ بصورتهم الأربعة كاملة .. لم يرغب أن يبتعد عن أصدقاء طفولته مهما كان الألم.
أما الثالث.. كان بهجة المكان،
من أروع الأشخاص وأجملهم روحا،
لم يبق من ذكراه شيئًا سوى صوت ضحكته؛
يعود صداها كل حين .
فرّ ممسكًا قلبه .. خاف عليهم من جنونه بها ..
كان متيمًا بغصنها المنحوت كقطعةٍ أثريةٍ نادرة ..
نظراته لها كانت نظرات متيمٍ يستجدي الحب ..
أحبته كصديق لون طفولتها بألوان البهجة؛
اقتلع منها جنونها حين غادر، وترك حياتها راكدة..
أرجوحتي.. اجتاحك الشيب مثلي .. لم يعد حضنك يتسع المزيد !
اليوم اجتمعوا ثلاثتهم على عتبة بابها محدقين لأرجوحتهم البالية ..
تساقت أمنياتهم حولها كأوراق الخريف.
ثلاثتهم .. دونها.
ظلها الباقي وحده .. وعبق زهورها..
ورنين ضحكاتها على أغصان الشجرة
وصدى أنغام عزفها ..
ذكرى حروفهم المحفورة على جذع الشجرة كان كفيلًا أن يُعيدهم أطفالًا يضربون كفوفهم سويا..
*********
مي عبدالحميد
السودان
