زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

خبايا_القدر قصة_قصيرة بقلم أجودي




#خبايا_القدر.
#قصة_قصيرة بقلم أ. جودي

أعدّ مازن كوبا من الشّاي، تخطّى كلبه الممدّد في سلام، و جلس على الأريكة دون حراك.. تأمّل البخار المتصاعد من كأسه، أخذ نفسا عميقا وكأنه يحاول أن يشتمّ عبق الياسمين بعد أن سبقه الخيال إلى ربوع الوطن البعيد؛ لكن الأفكار أبت إلاّ أن تسبح به عكس التيار، لتتلاطم الذكريات بعقله وترتدّ بعنف على عتبات قلبه المكلوم.
يتسلل شريط المآسي تباعاً.. يزحف من خرم الماضي، ليلتف حول عنقه كأنشوطة حبل تزهق روحه المعذبة..
زفر بحدة أنفاسه المكتومة، لتنسلخ الدّموع دمًا من فروة عينيه الملتهبة..

أهوال يوم القيامة حلّت بمدينته التي أمطرت بدل الغيث حمما.. حرب شعواء لم تبقِ حجرا ولم تذر بشرا؛ حتى ارتوى ترابها بدماء سكانها.. دمار وخراب، ورائحة الموت تملأ حاراتٍ أصبحت خاوية على عروشها -إلاّ من أشباه الأشباح- بعد أن هجرها أهلها بحثاً عن ملاذ آمن.
عاد مازن إلى البيت بعد أن أضناه إحضار ما تيسّر من المؤونة، وما إن سمعت "فاطمة" صوت الباب حتى ركضت نحوه.. ارتمت بين أحضانه وانفجرت بالبكاء..
- لمّ تأخرت..! زرعت المنزل جيئة وذهابًا من شدة الخوف والهوس. 
تبسّم ثغره وقبل أن يجيبها، أضافت بصوت ثائرٍ تخللته عبرات بكائها المتقطّع..
- لم تعد لدي طاقة على التّحمل، فمسلسل الرّعب هذا لا ينتهي أبداً، أرجوك دعنا نخرج من هنا..كفانا مافقدنا من الأحبة.. بالأمس قضت عائلة أخيك، وقبله دفن والدي تحت الأنقاض وآخرها...
صمتت لبرهة ليعلو صوت نحيبها وهي تتحسس بطناً خلا من نبضات جنينها..
حاول أن يهدئ من روعها فوضع راحتيه على وجهها، مسح دموعها بعطف وهمس في أذنها:
- لا تقلقي يا حبيبتي؛ سنغادر قريباً إن شاءالله.. فقط أمهليني بعض الوقت لأرتّب الأمور.

قطع شروده رنين هاتفه الجوّال، رمقه من بعيد لكنه قرر عدم الرد، أشعل سيجارة وبدأ ينفث دخانها في الأرجاء.. انعدمت الرؤيا، ومن جديد حاصرته الذكرى لتقتاده عند بزوغ فجر ذلك اليوم الكئيب، لمّا ودّع منبت جذوره.. مرتع الطفولة.. وملهى الصّبا؛ شعر وكأن روحه قد اجتثت منه، فحين تظلم الدنيا في وجهك ويلاحقك شبح اليأس ليحيط بك الموت من كل جانب؛ فلا خيار أمامك سوى الفرار..
ساعدت "فاطمة" زوجها بتحميل المتاع داخل سيارته الصغيرة العجوز، ألقيا نظرة أخيرة على المكان، ليعلن دوران المحرّك بدء مشوار الشّقاء نحو غدٍ مبهمٍ.

سلك مازن طرقاً فرعية ملتوية، محاولاً الابتعاد عن أماكن الاشتباك والقصف، ومخلّفا وراءه قطعا منه ورفات أحلام عصفت بها نيران الحرب اللّعينة؛ وما إن شارفا على تخوم البلدة الحدودية؛ حتى اصطدمت سيارته بجدار هائل، كان مدّا بشريا لحشود هاربة من سعير الجحيم، ظل المشهد عالقا بذهنيهما وكأنه عرض أوّليّ - حصريّ ليوم النّفير العظيم. 

ساعات طوال من التّرقب والحيرة والانتظار.. عبرا خلالها الحدود، ليفتح لهما التّيه ذراعيه، وتستقبلهما الغربة بكل حفاوتها، فكل شيئ أصبح الآن مختلفاً..
لون السماء، تربة الأرض، رائحة الهواء، عدا البشر و اللغة والشجر،، أحسّ مازن بأن الأشواك تخترق قلبه، و النيران تتلظى بجوفه، وكأنه يهوي لمنحدر لا قرار له.. حاول التماسك أمام جليسته؛ وتابع مسيره بصمت الصاخب الممزوج بنكهة الحزن إلى أن وصل لبيت عمته التي احتوته بين ذراعيها وكأنها تحتضن جزءاً من وطنها العليل. 
أقاما عندها لأيام إلى أن استطاع تأمين بيت خاص؛ ليبدأ بعدها فصل آخر من رحلة العذاب والإغتراب..

لازال طيف تلك الأيام تنغرس كرماح تمزق شرايينه،
أوصد الأَمل أبوابه وفرد اليأس أشرعته على حياته مرة أخرى..
كيف تبدل به الحال من رب عمل في بلده؛ إلى عامل بسيط يفني جسده لأجل أجر بالكاد يسد الرّمق..!!
طلبات زوجته التي لا تنتهي، إلحاحها الشديد بأن يجد حلاً للوضع المعيشي البائس، دفعه لفكرة اللجوء للبحر. جمع ثمن الرحلة بالتفويت في الصغيرة العجوز، وأكمل الباقي من بيع مصوغ شريكة عُمرٍ ودّعها مرغما، مخافة أن يجازف بحياتها أيضاً.. 

صعد على متن أحد قوارب الموت الضيّقة المهترئة، التي حشرت ببطنها عشرة أضعاف طاقة استيعابها، ضاربة عرض البحر بمعايير الصّحة والسّلامة.
وياله من شعور مقيت.. حين تحاصرك الأمواج من كل الجهات، ويتخبطك الخوف لينتزع أحشاءك ، ووحوش تحاول نهش لحمك لترميك قرباناً للمحيط الجائع، قبل أن تطأ قدماك الضفّة الأخرى من الجنة الموعودة.. 

تنهّد مازن بقوة، عندما أحسّ للتو بأنه خرج من غيابات كهف مظلم..! وبيدين مرتعشتين، أمسك الظرف الملقى على الطاولة ليعيد
قراءة محتواه للمرة الأخيرة؛ 
" عزيزي مازن،،
مذ وطأت أقدامك تلك البلاد الغريبة، وحقائبي تنتظر في زوايا الغرفة، ثلاث سنوات مضت؛ وأعذارك لم تنتهِ بعد، فبرغم إنكارك.. بتّ أعلم أن المسافات قد باعدت بين قلبينا، لم يعد قلبك ولا حياتك الجديدة تتّسع لي.. إذا كانت دعوة الإقامة التي طالما وعدتني بها لم تجهز بعد، فدعوى الخلع خاصّتي.. الآن باتت جاهزة."  

ألقى المظروف وما تبقى له من ذكراه السّوداء بسلة المهملات، ثمّ أمسك هاتفه وأعاد طلب المكالمة الفائتة، لترد "أنجلا" بمرحها المعتاد:
- أهلاً حبيبي.. 
اتصلت لأذكّرك بموعد إطعام "جو" .. 
كلبي المطيع. 
تمت..

تنقيح ومتابعة أ. رصيف الأمل 

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية