زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قصة قصيرة"الحجر الصحي" بقلم أ. محمد بلكوز

"الحجر الصحي"
بقلم أ. محمد بلكوز

تناهى إلى سمعه خبر أنساه من يكون! وجعل منه مضمار هواجس، أرعبته إلى حد أخافه من نفسه..
يقول الخبر: "إن الموت تشكل على هيأة إنسان.. اختار أن يمشي على اثنين، وينظر بعينين، ويصافح، ويعانق.. ورضي زيادة على هذا أن تركبه الحمى، وتناله نوبات سعال.. "
- يا إلهي! كيف خطر للموت أن يتجسد على صورة إنسان؟! وكيف لنا أن نتقيه، ونتجنب ملاقاته..
قد يأتي على صورة حبيب طال بعاده، فنفتح له أذرعنا عناقا، ويفتح لنا أذرعه حتفا..!
قد يتمثل لأصفيائنا على صورتنا، فيقبلون عليه شوقا، ويقبل عليهم شنقا..!
رباه! ما هذا الذي أصاب بني البشر؟!
...
طوقته جحافل التخمينات، تصوب تجاهه فوهات محشوة بمخاوف، استحالت في لحظتها إلى رهاب من بني البشر.. وفتحت عليه وابل تكهنات، أرغمته على اتخاذ قرار، يقضي بنهاية عهده بهم..
- سأعتزل الناس، لم يبق بيني وبينهم صلة تجمعنا.. لقد صار هؤلاء الناس خطرا، يترصدني في كل مصافحة، ويترقب حتفي مع كل كحة، يكحها هذا الكائن الذي أصبح سفيرا للموت، أو هو الموت بعينه..
لا أريد للإنسان أن يقاسمني الحياة، له الموت، له الهلاك..
فليذهب إلى حيث لا رجعة بعد..
...
كانت السماء ملبدة على غير عادتها، مثقلة بغيمات حبلى، تعد بمطر غزير.. وكانت الأجواء كئيبة، تئن تحت وطأة ظرف عصيب، يزيد من شدة الهلع..
فقد جاء في الخبر، أن الإنسان الموت الذي أصبح شريك الإنسان العادي في الحياة، يحد خطره أشعة الشمس الحارقة.. فهي بمثابة مقصلة تحيط بعنقه، فلا تظهر عليه إلا خنقته، أو أطارت عنقه.. وذكر أن اكفهرار السماء، حداد على بني البشر، يقيمه القدر قبل موعد العزاء بيسير وقت..
- رباه! رباه! ما أضعفني! أعجز عن التصرف في ظواهر الطبيعة! ولا أستطيع أن أستجلب لسمائي الدفء، فهو النجاة، وهو الحياة..
ما عدنا نطلب غيثا، يسقينا بعد قحط.. لتحترق الأرض بمحاصيلها، ليندثر كل شيء، وينقرض.. ولأضمن أنا البقاء، ولو وحيدا، لا يجاورني حي، ولا يشاركني الحياة، جامد، ولا يابس..
أستطيع أن أتدبر أمري، أن أبتكر عالما جديدا يفي بنزعات هواي..
لكن، رباه! إني عاجز عن إيجاد ما ينهي عهدي بمأساتي هذه.. لم أتصور أن يأتي يوم يصبح فيه الإنسان والموت شبيهان.. ويصبح كل منهما على صورة الآخر..
الآن، الآن، أستشعر مدى ذلتي، وأدرك مقدار هواني..
...
ما أعجبها من شواعر! نازعته نزع الموت.. أفقدته كل ذرة إحساس.. قادته إلى الاستنجاد بكل شيء، عدا بني الإنسان.. أرغمته على تمني الفناء للبشر..
وحدها الحياة ما يهمه، وبعدها ليبتلع الجحيم كل شيء..
له وحده يريد البقاء، وحبذا لو كان خالدا، ولغيره العدم..
- أحقا! كل ما عدا بني البشر في مأمن، يعيش على سجيته، يحيا استجابة لطبيعته، يختال في الحياة مبتهجا بما يلقاه الإنسان..
ما لهذه الأنهر تنتعش، ويعود فيها لحيواناتها متسع للحياة!
ما لهذا الأفق الذي كان يختنق بجشع بني البشر، أصبح يصفو، ويتنفس الصعداء!
ها هي الطبيعة تلعننا، وتلح على ربها تضرعا أن يثخن فينا الهلع..
وها هي تتزين بأبهى حللها، كأنها عروس تزف إلى حبيبها..
رحماك رباه!
أهو الإنسان مبغوض الطبيعة، وملعون الحياة؟!
...
أجهد نفسه بعد طول ضلال في متاهات الحيرة، يريد معالم إنسان الموت، حتى يتبينه، ويضمن لنفسه اتقاءه..
عبثا كانت محاولاته، فاهتدى إلى أن الوصية التي ختم بها الخبر نعمة، ونجاة..
"الحل الوحيد، فرض الحجر الصحي".

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية