إشارات في ( القصة القصيرة جدا ).. لقرائها ومبدعيها
بقلم أ. علي الكاتب
الإشارة الأولى : نعلم ان هذا الجنس الادبي الرائع - القصة القصيرة جدا- انما فرضه نبض العصر المتسارع منذ ولوجنا القرن العشرين وفي كل مجالات الحياة العلمية والادبية ، وجاء استجابة لرغبة انسان العصر في منتجات صغيرة الحجم أقل فضاء وأكثر إمتلاء كما في التلفزيون والموبايل مثلا ، ولم تكن القصة بمنجاة من هذه الرغبة وصار مطلوبا منها أن تتكثف بحيث يجني المتلقي مضمونها سريعا .وهو ما حصل ، فكانت القصيرة جدا التي راحت تترشق أكثر وأكثر حتى أصبح الأديب مطالبا في بعض المسابقات ومنذ بداية هذا القرن بنصوص لا تزيد عن ست كلمات ! عليه لم يعد من مجال للكاتب للاسهاب أو لصنع الغاز او تقديم نصوص غامضة . القصة القصيرة جدا هي نتاج لأديب حاذق فائق الابداع يستطيع بما يملك من موهبة نادرة وقدرة كبيرة على الإبداع ان يقدم نصا قصيرا جميلا ممتعا يتمتع بمواصفات القصة و يتضمن - شأن كل عمل أدبي - مضمونا رصينا ورسالة استنزفت من الكاتب جهدا وسهرا لصياغتها بشكل ناجح نسميه من بين تسميات كثيرة ( القصة القصيرة جدا )
الإشارة الثانية : لا تحتاج القصة القصيرة جدا ليكون بناؤها رصينا الا للغة بسيطة وسليمة يختار فيها الكاتب المفردات وتراكيب اللغة كما يفعل الرسام بألوانه او النحات بخاماته او الموسيقار بأنغامه . لا تتسع القصيرة جدا للوصف ولا للمجازات فهذه تشتت إنتباه القارىء في حين مطلوب شده بقوة الى النص وصولا الى القفلة . لايصح مثلا ان نقول : (نزلت العروس كأنها القمر يلفها رداء العرس كأنه الغمام . ) جمال النص في بنائه ( حبكته ) ، في فن التشويق المفضي الى القفلة التي تنير النص باكمله فتفضح المضمون وتزيل الغموض وتفرض على القارىء الانفعال برسالة النص والتفاعل معها ) .لا مبرر للاسهاب الا اذا كان هذا يخدم - بشكل ما - مضمون النص . كتابة القصة تعني صنع جمال باهر بادوات قليلة و( قليلة ) هذه يحددها حجم المضمون فقد تصنع قصة من بضع كلمات وقد يلزمك منها العشرات .
الإشارة الثالثة : يصح ان تبدأ القصة بغموض ولكن لا يصح في اي حال ان تنتهي به لانه لن يكون عندنا ابدا قصة قصيرة جدا . نكون كمن يسير في الضباب وينتهي به ،وهذا يعود - في رأيي - الى عدم وضوح الفكرة عند الكاتب او إستعجاله . قد يعرف الكاتب ما يريد لكن القارىء يعجز عن قراءة ما في قلب الكاتب ما لم يكن موجودا في النص وتأثير الكاتب ينتهي بعد نشر النص .. الغموض والتمويه على القارىء مفيد في النص ومرغوب فيه فقط حين يزيد من التشويق عند القارىء لمواصلة القراءة وبشغف وصولا الى القفلة التي تزيل الغموض و بشكل مبهر ومفاجىء و يستدعي من القارىء الاعجاب بالنص والشعور بالامتنان للكاتب على ما جنى من متعة وفائدة .
