زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة نقدية : الشعرية (poéticitité ) في قصيدة"حنين " للشاعر طاهر مشي/ بقلم: منى أحمد البريكي/تونس







قراءة نقدية :


الشعرية  (poéticitité )
في قصيدة"حنين للشاعر طاهر مشي 

بقلم: منى أحمد البريكي /تونس

////////////////////

تصدير:

**********

يا جارة الوادي طربت وعادني *
ما يشبه الأحلام من ذكراك
مثلت في الذكرى هواك وفي الكرى 
والذكريات صدى السنين الحاكي.

أحمد شوقي. 

*********



مقدمة :

*******

باعتبار أن الشعرية هي توتر للدلالة وتفجير النظام العادي للغة والانزياح بالكلمات عما وضعت له أصلا وبما أنها تتحقق بشكل أو بآخر من خلال النثر والوزن وبما  أن "الشعري ينغرس في حلبة تمحيض الأسماء بما هي صورة للظاهرة الفنية أكثر مما هو وصف عارض لها."*1* 
ارتأيت أن  أسلط قراءتي النقدية  على تحليل المستويات المختلفة لهذا  للنص الشعري 

_الصوتية،المعجمية، التركيبة  والدلالية_

 مع التركيز على تعالق هذه المستويات وتواشجها فيما بينها مبنى ومعنى . 

1-المستوى الصوتي :

**************

للصوت دور مهم في حياة الإنسان وهو دليل على وجوده في هذا العالم ككائن حي.وهو يعبر عن مشاعره وانفعالاته وأفكاره  بأداءات مختلفة وبنطق مختلف الأصوات  والكلمات والتراكيب وفق أنساق عديدة  تثري التجربة اللغوية وتطورها.
و بما أن "اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم."
ولأن الكتابة تعبير عن اللغة المنطوقة ونقلها من ظاهرة الصوتي إلى ظاهرة المرئي، 
فإن علم الأصوات الفيسيولوجي مبحث في خصائصها المادية أثناء انتقال الصوت اللغوي كأصغر وحدة صوتية مستعملة في بناء الكلام يظهر على نحو خاص في الترجيع الموسيقى في الشعر العربي وفي هذه القصيدة للشاعر التونسي طاهر مشي 
منذ أن يبدأ  القارئ أول سطر  يجد  نفسه منقادا لمواصلة  القراءة  مستجيبا لمفعول ترانيم الروي الذي جاء بصوت حرف السين وهو صوت  أسناني لثوي ،احتكاكي ورخو ،لا يكون فيه الهواء محتبسا ولكن يكون مجراه ضيقا وهو من الأصوات  الساكتة المهموسة التي لا يسمع لها رنين ولكن يسمع صوت الهواء فقط عند نطقها ويدرك نتيجة الذبذبات الصادرة من النفس ،لا من الحبال الصوتية. ( هوسي /انبجسي /التمسي/البؤس/النفس/وجس/كأسي/حسي/ /هوس/غلس/هرس/قبس/هجس ) في تماه مع آهات الشاعر حين تخرج المفردات من بين أسنانه مصفرة وجعه ،في تواتر معبر عن معاناة مازالت الذات المتكلمة تكابدها وتناغم  في دلالاتها المعجمية والرمزية  مع زفرات الحنين المتقدة التي صور من خلالها الشاعر كل مايدور في خفا نفسه من هواجس وأفكار وهم غليظ في حالة انفعالية متوترة تضفي على القصيد وظيفة تعبيرية تركز على رسائل ذات حمولة انفعالية وجدانية من المرسل /الشاعر إلى السامع /القارئ .

2_المستوى المعجمي :

************

بما أن أصدق الشعر ذاك المعبر عن حالة وجدانية ذاتية فقد كانت المفردات مستقاة من معجم راوح بين التوجع واللوعة والغزل والتماهي مع الحبيبة الغائبة  رغم أنها الأكثر حضورا بذاته الشاعرة التي تقاسمت معها درب الحرف والنظم والإلقاء،سلكه برفقتها في تجربة مغرقة في المشاعر الفياضة ومعبرة عن حبه الأوحد (أضحى بذاتي كطيف الخل في هجسي) 

المستوى التركيبي _ 3

************

أ_ صرفيا: 

استعمل  الشاعر  أفعالا في زمن الماضي (عشت/أشقتني /كبلتها/نأى /عبرت/شربت/كتمنا /رتقنا ) الذي يعبر  عن التاكيد والثبوت (كم من حنين/كم من سنين )
ثم ينتقل الى زمن المضارع أسنده إلى ضمير المتكلم في صيغة الجمع "نحن"(أبغي، تواسيني،يجري،يداوي،تلجمنا، يحلم، نذرو،نشقى،لا نبتغيها،نتلو ،يعزفه،يهذي )ليصف لنا الأحداث والمشاعر التي تعبر عن الاستمرار والمواصلة في التعايش والاستسلام للحبيبة التي أضحت تلازمه كالنفس ؛طيفا يغزو هواجسه في حله وترحاله
فيخاطبها  بأفعال في صيغة الأمر (انبجسي،التمسي ،جودي )يعبر بها عن تودده وتوسله الى الحبيبة التي مازالت تستوطن روحه. 

_بلاغيا:

استقى الشاعر كلمات الروي من معجم شعري تراثي بامتياز وأغلبها أسماء نكرة تتشاكل مع تشبثه واستغراقه في ماضيه العاطفي كما يتبين لنا من خلال:
_*"كم من سنين رتقنا الجرح في وجس " *
فهذا الصوت الخفي عبر عنه شاعر من القدماء بقوله:
"فالحب بركان ما أقساه يرغمني 
يستقبل الليل لا تغفو هواجسه."
ويوقظ الفجر في جيش من الكرب.
_*"يهذي بحلم نما في الصدر كالقبس" اي كجذوة نار تشتعل بصدره .
يحيلنا هذا السطر إلى بيت شعري قديم :"في كفه صعدة مثقفة فيها سنان كشعلة القبس."
 كما نجد هنا تناصا جزئيا مع النص القرآني في الاية 7 من سورة النمل:"إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون"
إضافة إلى ذلك استعمل الشاعر صورا بلاغية كالطباق في (والقيظ يحرقها من هولها يمسي. .يا لحن أغنيتي، يا الآن، يا أمسي  )بلغة تتموسق في ذاته فيخاطب انثى حاضرة رغم الغياب بصوت للمتوله المتسامي عن الواقع بصور شعرية رومنطيقية لا تخلو من الحسية والتشخيص والاستعارة وعناصر الطبيعة (الليل/الغلس/البدر/الطيور)وهذه الرموز تحيلنا على ما وقر في وجدانه من عذابات الحنين كموقد للإلهام والموعظة ومحرك الذكريات الماثلة .

4_المستوى الدلالي:

************

حين تقرأ هذه القصيدة تأسرك اللغة التي راوحت بين السهل من الكلمات والصعب  الذي يدعوك الى البحث عن معانيها وشرحها في القاموس .
كما يظهر من خلال "لا نبتغيها حياة الذل في غلس."فالغلس ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح.
وكذلك "مذ التقينا بهذا الدرب في هرس"من بين معانيها السرية والسرى  بليل معتم 
وكذلك الهرس ما دق بمهراس أو وطأته الأقدام كما في البيت الشعري التالي(وخيل تطابق بالدارعين...طباق الكلاب يطأن الهراس. )
 نجح الشاعر  في رسم مشهد درامي متحرك في ذهن المتلقي  تراوحت صوره الثابتة بين الماضي كوقفة على الأطلال (كم من حنين/كم من سنين ) والحاضر (يوم العيد )بما فيه من أمكنة (نشقى بدرب /بهذا الدرب)وأشخاص ملأوا اللوحة (نتلو الحروف على جمع و نطربهم/كم من حبيب أتى للدرب في حرس ) 
وعبر ببراعة عن صورة مؤثرة كامنة بداخله بذاك الطيف الذي يتراءى من بين الكلمات ويسكنه في تناص وتناغم مع فكرة ازدواجية الكائنات التي تعتبر الأصل في بعث حقائق الأشياء والسبيل المسيرة لحياتها في العوالم المدركة والمتخيلة على حد السواء وذلك في قوله تعالى في الآية 42 من سورة يس :"سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون."
 وهو يوجه الخطاب للائم  يسميه "فلان "وهو شخصية عرضية معارضة له فيقول له:"ثق يا فلان  بأن الشعر موعظتي *أضحى بذاتي كطيف الخل في هجسي."ليحدث انزياحا يعيده إلى البيتين الأولين وتظهر العلاقة الوطيدة بين الاستهلال وخاتمة القصيدة التي تفسر عنوانها "حنين "يلخص مضمونها فتكون مشهدا متكاملا يخاطب الروح والإحساس المرهف للقارئ  فلا يملك غير التعاطف مع الشاعر وموافقته في اعتبار الشعر موعظة بمعنى ليس مجرد نظم تستقيم فيه القوافي ولا إنشاء بقدر ماهو "رسالة تتوجه بالتركيز نحو ذاتها ...فتسود الوظيفة الشعرية أو الجمالية."*2*
كما أنه ثمرة عطاء ذاته للآخر كخطاب إبداعي راق صاغه من خلال صور لغوية وظفت كرسائل مشفرة إحداها أن الحب  حلم وحنين وذكرى تكمن حقيقته في عدم تحققه الواقعي ليحافظ على شفافيته وعمقه فهو شاعر يسمو الى مرتبة نبي يعظ ويقدم تجربته العاطفية نبراسا وكلماته دليل وفاء وإخلاص لا يتغير مع سنين الفراق .
 و تعبر عن  أن الشاعر هو "الشخص الحساس  تجاه كل ماهو جميل ،أو المؤثر ،أو الشخص المثالي  الحالم."*3*

وأختم  بقول أدونيس :"لا أزعم أنني ناقد ولا أتبنى في تذوق الشعر وفهمه أي منهج ولئن صح لي أن أحدد في هذا المجال ما أنا فإنني أميل إلى أن  أصنف نفسي بأننى  راء يتطلع نحو أفق غير مرئي وفي سيري ألاحظ وأختبر وأكتشف وأعرف. "
وأرجو أن أكون قد وفقت في هذه القراءة باعتبارها انعكاسا لذاتي بما تحمله من أدوات على عمل إبداعي متخيل يحتمل عدة قراءات تأويلية أخرى.


**************


 نص القصيدة

 الحنين :

********

يا دُرّةَ الدّارِ يا عشْقي ويا هوَسي
يا بذْرَةَ الرّوحِ في الأوْصَالِ فانبَجِسِي
كمْ عشْتِ في الحُضْنِ أشْقتـْني مَودّتُك
والجرحُ في الصدر والأشْواق فِي وَجَسي
كَبلتها النّفس لا أبْغي مَذَلتها 
طِفلٌ وليدٌ به التّحنان فالتمسي
بين الدروب سبيلا حَفّه الأملُ
طوق النجاة نَأى يا شدة البؤسِ
بحرا عبرتُ تُواسِيني مَرافئُه
والفُلك يَجري مَع الأيّام فِي الغَلَسِ
كَم مِن حَنين لك الإعْصَار يَجْرِفه
كَم من زُعاف شَربْت اليَوم فِي كَأسي
فالبَدر ألْمَحه.. الأهْوال تلْفحه 
يَمْضي يَتيما فَلا أنْسٌ دَنَا قَبسِي
أسْرجت قَافلتِي فِي بَحْرها سَبَحت
تَشْدو بقَافِيتي طُوفان فَاحْتَرِسِي
وَالشّوق مِن نَبْع أشْجَاني يُعَاتِبها 
لا مِن مُجِيبٍ أتَى فِي وَهْلة يَأْسِ
أمْسَت دُرُوبِي كَما الصّحْرَاء قَاحِلةٌ
والقَيظ يَحْرقها مِن هَولُها يُمسي 
أهْدَيتهَا نَغَما قَد كنْت أنْشُده
يَا لَحْن أغْنِيتي يَا الآنَ يَا أمْسِي
في السُّهْدِ ألْمَحُها تبغي مودّتِنا 
في الحلم هاربةٌ من شدّة الحرَسِ 
دُقّي النواقيس ما أبْهَاه مِن حُلُمٍ
اليَوم أذْرُوه دَمْع الشَّوْقِ فِي عُرْسِي 
أنْغامُ سِحْرٍ بِها الأجْواءُ تُمطرُنِي
والسّحْرُ ثَارَ عَلى مرَابعَ العَسَسِ 
جُودِي بِوصِلٍ يُداوي الجُرْحُ علّتَه
يَا بدْر ليلٍ ربا فِي حُسْنِها حِسّي
كَم من حَنين كتَمنا فِي خَفَى النَّفْس
كَم مِن سِنين رَتَقْنا الجُرْح فِي وَجَسٍ
اليَوم عِيد وَما فِي العِيدِ أفْراح
نَذرو الدّمُوع بِما في القَلب مِن هَوسٍ
نَشْقَى بِدَرب به الأحزان تلجمنا
لا نبتغيها حياة الذل في غَلَسٍ
نتلو الحروف على جمع فتطربهم
مذ التقينا بهذا الدرب في هَرَسٍ
تشدو الطيور بأنغام تناشدنا
كم من حبيب أتى للحفل في عَبَسٍ
والشّوق للحرف في الأوتار يعزفه
يَهْذِي بحلم نَمَا في الصّدر كَالقَبَس
ثق يَا فلان بِأن الشّعر موعظتي
أضْحى بذاتي كطيف الخِل فِي هَجَسي
طاهر مشي

***********
الهوامش


1*ابن جني. الخصائص :33/1

2*_عبدالسلام المسدي ،مصطلح الفكر النقدي ص91

3*_سعد اليازعي ،دليل الناقد الأدبي

4*_قاموس غريماس وكورتاس

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية