ثم
(قصّة قصيرة_ق.ق_)
لِلْجِذورِ..حِكايَةٌ أُخْرى
*************
اسْتَيْقَظَ عَلى صَوْتِ ذلِكَ الضّجيجِ، بِسُرْعَةِ البَرْقِ تَماثَلَ بَيْنَ أيْديهُم، خاطَبَهمُ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ:
_ماذا تَفْعَلونََ؟
أجابوهُ:
_سَنَقْطَعُ تِلكَ الشّجَرَةَ الهَرِمَةَ..لَمْ يَعُدْ مِنْها نَفْعً سِوى أنّها تَعْتَرِضُ ذلِكَ الشّارِعَ.
صَرَخَ في وُجوهَهِم:
_وَلماذا تقطعونها؟ وَأَنا مَنْ زَرَعَها قَبْلَ عِدّةِ أعْوامٍ...أَنا صاحِبُها وَالقَرارُ عائِدٌ لي. لَمْ يَسْتَطِعْ مَنْعَ ذلِكَ القَرارَ الّذي طالَما كانَ يَخْشى قُدومَهُ عَبْرَ مَراحِلَ تَدِرّجِ سَنواتَ عُمْرِهِ وَهُوَ غارِقٌ في أحْلامِ كَوابيسِ الماضي لا يَنْتَهي مِنْها إلا عِنْدَما تُشْرِقُ عَلَيْهِ أنْوارَ شَمْسُ الحُرّيّةِ...وَلكِنْ هَيْهاتَ شَبَحُ الماضي أنْ يَنْدَثِرَ طالَما الحَقيقَةَ كامِنَةٌ تَحْتَ هذِهِ الشّجَرَة.
اسْتَرْجَعَ ذِكْرَياتِهِ الماضِيَةِ، تَماثَلَتْ أمامَ عَيْنَيْهِ كَملاكٍ أبْيَضَ رَآها في إحْدى زَوايا الرّبيعَ المُزْهِر، خاطَبَها قائِلاً:
_كَيْفَ يَكونَ الحُبّ في أوْجِ الرّبيعِ؟
أجابَتْهُ:
_يَكونَ بِابْتِسامَةٍ مِنْ أزْهارِ الجوري وَأثيرٌ مُعَطّرٌ مِنْ عَبَقِ الياسَمينِ.
حينَها أدْرَكَ أنّها وَافَقَتْ عَلى هذا المَشْروعَ الّذي كانَ يُؤَجّلَهُ دائِماً لَحينَ ظُهورِ مَلِكَةَ الأزْهارِ.
أخَذَ يَرْشُقُها بِحُروفٍ لَمْ تَسْمَعْها مِنْ أحَدٍ بِهذا الصّدْقَ مِنَ الإحْساسِ وَهِيَ تَرْسِمُ خَطّاً بَيانِيّاً لِنَبَضاتِ قَلْبِها لِمَعْرِفَةِ كَمْ مِنَ الوَقْتِ يَسْتَغْرِقُ النّبْضُ لِلْوُصولِ إلى ذَرْوَةِ العِشْقِ.
عِنْدَما أدْرَكا أهَمّيّةَ الامْتِزاجِ في روحٍ واحِدَةٍ قَرّرا المُضِيَ قُدُماً نَحْوَ مَمْلَكَةِ الوَجْدِ الأبَدِيّةِ في حَياةٍ قُدّرَ لَها عُمْراً افْتِراضِيّاً لا تَضيعَ مِنْهُ بَقِيّةً مِنْ حُبّ.
لَمْ يَعْلَمْ بِأمْرِهِما إنْسٌ وَلا جانّ...أَخْبَرَتْهُ أنّهُ في المَوْعِدِ القادِمِ سَتُعْلِمَهُ مَتى يَحينُ الّلقاءَ بِالآخَرينَ لِتَتِمّ مَراسِمَ الشّراكَةِ.
بَعْدَ إسْبوعٍ مِنَ المِوْعِدِ المُفتَرَضِ جاءَتْ وَبِعَيْنَيْها كُلّ دُموعِ المُحيطاتِ وَوَجْهُها قَدْ تَلَوّنَ بِلَوْنِ الياسِمينِ الأصفَرِ. اكْفَهَرّ وِجْهَهُ لِهذا المَنْظَر الشّاحِب سائِلاً إيّاها:
_ما خَطْبُكِ؟
قالَتْ لَهُ:
_إنّني لَمْ أكُنْ أعْلَم أنّ ذَويّ أمْري قَدْ ألقوني في شِباكِ الآخَرِ مُنْذُ زَمَنٍ لَحينَ النّضوجَ وَأنا غائِبَةٌ عَنِ الوَعْيِ في دُنيا المادِيّاتِ..وَأنّ مَشْروعَنا لَنْ يُكْتَبَ لَهُ النّجاحَ أمامَ هذا المُمَوّلَ العِمْلاق.
انْتَفَضَتْ فَرائِصَهُ لِهَوْلِ ما سَمِعَ وَغابَ عَنْ وَعْيِ الإنْسانِيّةِ وَهُوَ مُتشَبّثٌ بِيَدَيْها لَئَلّا تَغيبَ عَنْ ناظِرَيْهِ في خِضِمّ تِلَكَ الصّراعاتِ.
وَقَفَ هذا الهَرِمُ دونَ انْتِباهٍ مِنْهُ أنّ تِلْكَ الذّكرَياتِ أعْطَتْ الوِقْتَ الكافي لاجْتِثاثِ تِلْكَ الشّجَرَةِ الشّاهِدَة الوَحيدَة عَلى خاتِمَةِ عِشْقِهِ..تَعالَتِ الأصْواتَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ يا إلهي لِمَنْ هذا الرّفاتَ.
أجْهَشَ بِالبُكاءِ قائِلاً:
_هذا رُفاتَ حَبيبَتي، سَأوَفّرَ عَلَيْكُمُ عَناءَ التّحْقيقَ...نَعَمْ انْتَهى الّلقاءَ بِضَرْبَةٍ عَلى رَأسِها مَكّنَتْني مِنْها يَدُ الشّيْطانَ لِتُوْدي بِحَياتِها وَمِنْ ثَمّ دَفَنْتُها تَحْتَ هذِهِ الشّجَرَةِ في نِهايَةِ المَطافِ لِتَرْوي دِِمائِها الزّكِيّة تِلْكَ الشّجَرَة...سامِحيني حَبيبَتي لَمْ اتَصَوّرْ أنْ يَأخُذُكِ أحَدٌ مِنّي.
**********
بقلمي/أكثم جهاد
