قراءة بقلم: أ. رئبال الدمشقي { خالد أمين}
في قصة: هذا فراق بيننا... للقاص / صقر حبوب
فراق بيننا..
يأخذنا العنوان بداية ويجرنا جرا لنغوص بين ثنايا تفاصيل القصة، لنعلم ونسكت رغبة الأنا لدينا اللاهثة لتستكشف كيف حصل هذا الفراق، وبين من ومن، وكأن العنوان بذاته جاء خبرا وخاتمة للقصة، وما علينا إلا أن نقرأ لنعرف السبب.
فمن الوهلة الأولى له يذكرنا بقصة موسى والخضر عليهما السلام التي جاءت بالقرآن وبدت أحداثها غريبة، ثم ليبين الله لنا سر مافعله الخضر بعد أن قال الخضر لموسى عليه السلام(هذا فراق بيني وبينك).
يدخلنا القاص لتفاصيل الحدث بعد بداية توضيحية للزمان وبالرغم من أنه لم يكن مهما بالنسبة للنص، ولا يعتمد إلا أنه كان بمثابة بداية عقدة الحبكة وقاعدتها التي سيغزل القاص بسنارته عليها تتابع أحداث سيرته والتي كانت بأسلوب الأنا.
يبدأ القاص بسرد مترابط متقن، ومن خلال أسلوبه الأخاذ، جعل الشخصية الثانية والمحورية التي تحاوره ويحاورها بين المبهمة والواضحة أحيانا بإشارة الاسقاطات الوصفية، لتجعل القارئ يغوص في القصة ويلتهم جملها عله يخلص متحريا عنها ليعلم حقيقتها، هل كان يحاور أخيه التوأم
كما أوهمه القاص بداية؟!
هل يقصد قرينه؟!
أم أنه كان يحاور شخصيته المنفصمة؟!
وهنا يكمن إبداع الأسلوب الشائق لدى القاص المحترف.
تسير المحاورة بالأخذ والرد بين القاص الذي يمثل بطل القصة، وبين الشخصية التي يحاورها، لينطبع للقارئ المستمع لهذه المحاورة، جوهرا مفاده أن بطل القصة مؤمن لكنه متهاون متساهل ومفرط.
وأن الشخصية التي يحاورها مؤمنة ملتزمة وقع في جنباتها مخافة الله، وصدت عنها هوى نفسها والمتاع الزائل.
وأنهما محبان لبعضهما رغم هذا التباعد، وكأن الأصل بالإيمان أبقى على مابينهما من حب وكذلك الصحبة وتاريخ الميلاد الواحد.
ثم لتبدأ وتنفرج أسارير القصة حين يشهر بطل القصة فيها ويقول:
(فيسألني ظلي)
لنعلم من كان الذي يحاور.
هنا صراحة بدأت القصة تفقد القارئ شغفه، والذي كان ذلك الإبهام غير الصريح يجعله متلهفا أكثر، وحين عرفه (أنه ظله) أبعد كل الخيارات والجوانب التي قد تختلف من قارئ لآخر، ولو بقي القاص على نفس الغموض الأول والغير المعلن عنه بالتسمية الصريحة لكان أشمل وأوعظ.
ربما بقيت تلك الشخصية لدي على أنه (داعي الخير الموجود في كل نفس مؤمن)
أو القرين الخير الذي دائما يعظ صاحبه للتوبة ويذكره بالله..
حتى وإن كان القصد من قبل القاص الإعلان عنه( سألت ظلي) كاسقاطة على أنه داعي الخير الواعظ، فالسكوت عنه كان أكمل.
ثم يكمل القاص وظله رحلتهما الخارجية والتي هي اسقاطة ضمنية للمدعاة إلى التفكر بخلق الله وقدرته وعظمته وهيبته، فلطالما ذكرنا بها الله في كتابه لنعتبر ونرجع ونتوب بأن
(أفلا تتفكرون.. أفلا تعقلون.. لعلهم يرشدون. أفلا يتدبرون..) والتي كانت تسبقها آيات يخبرنا بها ربنا عن أن الشمس تجري لمستقر لها.. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر.. وخلقنا السماء بغير عمد.. والأرض دحاها..
لنستشعر تلك الآيات وعظمتها في التدبر والتفكر.
كما فعل نبي الله ابراهيم ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام.
ثم ليترك الظل صاحبه بين التفكر والرهبة ويودعه مفارقا وصاعدا إلى السماوات العلى، بإشارة ثانية أن ماكان هذا الظل إلا تلك الروح الواعظة، ورحلت حين أمرها الله بأن تفارق الجسد.
ثم تأتي الخاتمة الأخيرة والتي تصور لنا الفراق كيف أن الجسد يهوي شيئا فشيئا ليعود إلى الأرض الذي خلق منها، ويرى ما حل بأهله بعد فراق الروح عنه من مظاهر الوداع الأخير.
أقف هنا على الخاتمة والتي لي فيها رؤيتي الخاصة وكما أشارت لي الأستاذة تناهيد عبد الرحمن
على أن كيف للذي مات وارتحل أن يحدثنا بما حصل؟!
أعلم أن القص لايوقفه ضوابط ولا تقيده أزمنة ولا يحده خيال ولا تنطبق عليه الواقعية بحذافيرها.
لكني ومن خلال رؤيتي أرى أن الأكمل والأوعظ من خلال القص والكتابة أن تواكب العظة والجوهر المصداقية التامة والرؤية الواضحة.
فلو كان القص مثلا هنا بأسلوب الراوي، لما دخل الشك لدى المتلقي، كونه يروي عن حادثة وقعت أو رؤية أريها.
أو أن تنتهي بخاتمة توافق جوهر القصة مع عدم التشكيك.
أعلم ومن خلال المثال الذي طرحته أستاذي أن الكثير يكتب ويتبنى جواز ذلك، كونها قصة ولا حدود لواقعية.
ولكن برؤيتي الخاصة لهذه المسألة، أرى أن الكمال هو حين يستطيع الكاتب إقناع القارئ بالقصة وكأنها فعلا حدثت دون أن يترك له أدنى شك بعدم واقعيتها، ولا سيما بالقصص التي فيها وعظ وترغيب وترهيب.
ولايسعني إلا أن اشكرك أستاذي لرحابة صدرك وأحيي فيك قلمك المبدع وقصصك التي تجعلنا نغوص فيها.
*************
بقلم: أ. رئبال الدمشقي { خالد أمين}
هَذَا فِرَاقُ بَيْنَنَا
....................
الثَّانِي عَشَرَ من كانونَ الثَّانِي، أو كما يحلو له الثالثَ عشرَ من شوّالَ كَانَ
يَوْمُ مِيلاَدنا في نَفْسِ السَّاعَةِ، بل في
الدَّقِيقَةِ ذاتِها... لا لا بل خَرَجْنَا من رحِمٍ واحدٍ عند اللَّحظةِ نفسها!
لذا نتَشابَهُ فِي كُلِّ المَلاَمِحِ والصِّفَاتِ
الجسديَّة للدَرَجَةِ التي لا يستطيعُ
فيها الْآخَرُونَ التَّمْييزُ بيننا، إلا في تلك النقطة التي أطلقنا عليها "فرق التوقيت" ولكن رَغْمَ تشابهنا هذا في كل شَيء إلا أنه دائما ما يجمعني به جَدَلٌ مُثِيرٌ فهو يراني زِنديقاً مُرْتَدَّاً ولا يحلو له مناداتي إلا بِسَقَر. ولا أُخفيكم سِرًّا هو لم يتجنَّ عَلَيَّ فتلك هي حقِيقَةُ الأمر معي. لذا كان يُكْثِرُ من محاولاتِه جاهدًا فتَارَةً يَمُدُّ يَدَهُ ليسحبَني من رأسي وتَارَةً يدفعُني من خلفي وأخرى يتَوَغَّلُ لِمُلامسَةِ شَغاف قلبي حتى ينجحَ في اصطحابي إلى صَومعتِه أعلى الربوة، هناك أراهُ يتعبُّد بعد أن يُسبغَ الوضوءَ ممّا يُصيبُني بالضِّيقِ والضَّجَرِ. خمسُ مراتٍ! يالها من مَضْيَعةٍ للوقتِ بتلك الأعمارِ القصيرةِ لنا معشرَ البشر.!
هكذا أتحدثُ مع نفسي، لذا أعمَدُ إلى إثارةِ حفيظتِه وحَنَقِه فأسألهُ باستهجانٍ وخُبثٍ :
- كم تُهدرُ من وقتٍ في تلك العادات؟!
حينها تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ حَتَّى يكادُ أَنْ يلتهمَني وبعد أن يَهيجَ غضَباً، يُغمضُ عينيهِ ويَرفعُ رأسَه إلى السماءِ
لِيستنشقَ هواءً نقيّاً ينتفخُ به صدرُه ويتعوَّذُ ثلاثاً ثم يقولُ في سَكينةٍ وهدوء :
- سأذهبُ في رحلةٍ تعبُّديَّةٍ ولكنْ هذهِ المَرَّةُ إلى خارجِ الكوكب وأتركُك لِغِيِّكَ فلقد تَيبَّسَ فؤادُك حتّى صارَ كصخرةٍ صمَّاءَ أو أشدَّ قسوةً.
وكأنَّ الطَّيرَ تأكلُ من رأسي ردَّدْتُ مَشدوهاً متسائلاً :
-وكيف ذلك وقد خرجنا قرينين! وأين ستذهبُ من دوني؟!
أَصْدقُكم القولَ:
أنا من هُواةِ الرِّحلاتِ والتَنقُّلِ وخاصةً الطويلةَ والبعيدةَ منها لِذا أَلَنْتُ معه الحديثَ سائلاً إيَّاهُ أن يصطحبني وحتى أنتزعَ موافقتَهُ تلك قلتُ له بمكرٍ شديدٍ :
-"عسى أَن يَهْدِيَنِي رَبِّي."
وكعهدي به طيِّبُ القلبِ وبعد أن اِنْفَرَجَتْ أَساريرُ وَجْهِهِ قال مبتسِماً :
- إذا هي رحلتُكَ التعبُّديَّةُ الأولى.
اصطحبني ظلِّي بصعودٍ مُتَدرِّج إلى السمواتِ العلا، إلى خارجِ الكوكب.!
لم أشعرْ بأثَرٍ لتلكَ الجاذبيَّةِ الأرضيَّةِ على كِتلتَينا وكان انطلاقُنا سريعاً للدرجةِ التي اجتزنا بها ذلك الغلافَ السميكَ للكُرَةِ فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَةٍ انْطِلَاقًا إلى الفضاء المظلم وهناك شاهدتها معلَّقةً بالفراغ دونَ خَيطٍ الآنَ أراها رؤيا العَينِ تَدُورُ حَول نفسِها فيسألُني ظلِّي :
-أتعلمُ مدى سُرعتِها تلك؟
وقبل أن أنطق َبكلمةٍ يَقُولُ :
تَدُورُ حَوْلَ نفسها بسرعة ستةٍ
وعشرين كيلو مترًا في الدقيقة!
تَزْدَادُ رؤيتي فأبصرُ دورانَها حولَ الشَّمسِ وقبلَ أن أسألَهُ يَقُولُ أمّا تلك فهي ثلاثون كيلو مترًا في الثانية.
-نعم نعم أراها تَدُورُ حولَها ولكنها تَسِيرُ معها في نفسِ الوقت!
فيبادرُني سؤالُهُ :
-هل تعلم إلى أين؟
أَصَابَتْني تلك المشاهدُ بالذهول، لم أتفوَّهْ بكلمةٍ حينَها قَالَ :
- إلى المجهول تَسِيرُ مع الشَّمْسِ بِسُرْعَةِ مِائَتَيْنِ وثَلَاثِينَ كيلو مترًا في الثانية!
الآن أيقنتُ من صَنعَها وعَلَّقَها بهذا الفضاء وأَمسَكَ مياهَها وشجرَها وصخورَها وتلك الكائناتِ التي تحيا بها.
ورغمَ الارتفاعِ الشاهقِ والظَّلام الدامسِ اتّسَعَتْ حدقتايَ أكثرَ، أبصرتُ
زوجتي وبناتي يَتَّشِحنَ بالسَّوادِ، أمّا أولادي وإخواني فكانوا ينصبون العزاءَ، نَاشَدْتُ ظلِّي أن يعودَ بي ولكنّهُ تَرَكَ يدي وأَخَذَ يَنْسَلِخُ عني ويَبْتَعِدُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا وهو يُرَدِّدُ :
-هَذَا فِرَاقُ بَيْنَنَا.
***********
بقلم صقر حبوب/فلسطين
