زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

حـَــارة الشّقـّــــــاءات _ بقلم: أ. مهدية أماني الرغاي





حـَــارة الشّقـّــــــاءات.


***********


تمرّ "الكارثة"..كما أنعثها في نفس اللحظة التي أفتح فيه بابي لأرش الماء وأكنس، أحب رائحة التراب المتصاعدة من الأرض، تقربني منها، تذكرني بالمطر، أرفع الخرطوم عاليا لأسمع طقطقة القطرات وهي تتساقط، ينتشر في الفضاء عطر مميز، عطر الحياة ينعتق من رحم الموات، يتسلل إلى مسامي فينعش قلبي وروحي، يعيد ربطي بأصلي الطيني وأستشعر فيه موطني، أنسى لفترة أنني في حاضرة وأحلق بوجداني إلى حيث لا يوجد سوى التراب..تنغص علي متعتي تلك التي تُدعى "حادّة "، ويا ويل من لا يضيف لقب "القايدة" لاسْمها.. إسم على مُسمّى..حادّة في كل شيء..في نظرتها التي تخترقك فتحس كأن مغصا أوغثيانا ألم بك فجأة، في مشيتها وهيئتها المسترجلة وسلاطة لسانها و كلامها السريع كطلقات كلاشنيكوف..يتناثر رذاذ لعابها مع كل كلمة تتفوه بها، وتظهرُ تكشيرتها الدائمة أسنانا مهترئة تراكم عليها القلَح، فأحال بياضها صفارا، حادة حتى في سكونها، تشبه بركانا خامدا يهدد بالانفجار، يصلك زفيرها وشهيقها وفحيحها في موجات كأن حجرا ألقي في لجّة،كل هذه القوة والطاقة لا يوحي بهما جسدها المنخوب، تكاد عظامها من شدة الضمور أن تخترق لحافها وغطاء رأسها ونعليها..أجهل ممّ تستمدهما، ربما من كونها سليلة أحد القُواد الأقوياء أيام "السيبة" والفوضى، رَبَتْ على فَكر دار المخزن " فتمخزنت" وبقيت تتسلطنُ، ويقتات لاَوعيُها على نزعة تحكمية تغلغلت في جيناتها، لا أحد يعرف لها مستقرا، تختفي وتظهر كالشبح..من يقول أنها تقطن في أحد الخانات القديمة، ومن يجزم أنها تبيت في المقابر، كلما صادفتها، أستعيذ بالله وأتحاشى الاحتكاك بها، لا خوفا منها ولا فرَقا، بل لأني لا أستسيغ كلامها، كله غمز ولمز وهمز وغيبة واغتياب، ولا أستمرئ أساليبها الملتوية لتدرك أسرارا لا تعنيها، فأجتزّ الكلام اجتزازا وأختصره في تحية مقتضبة ..تعرف بحدسها أنني لا أحبها، و لست كمن ينقضضْن على يدها تقبيلا واستدرارا لبركاتها من النسوة أولئك، ولن أصير يوما نعجة في قطيعها، ترمقني بنظرة باردة من عينين لم يترك الرمد لهما سوى أجفان محمرة ذات قذى مقرف، تقلب شفتها وتمطّها في ازدراء جلي وتستدْبرني بقامتها المستقيمة رغم سِنها، جافة كفاتورة، طويلة منسلة كأصَلَة..تسبقها همهمات وغمغمات مبهمة ..أظنها دعوات علي ليميل حالي، وتسوء أحوالي، وأحتاج لخدماتها المشبوهة، ولا أبقى النوتة النشاز التي تحدث لها بلبلة بشق عصا الطاعة، والتشويش على هيبتها في فضاء حارة هي كل شيء فيها القابلة، الداية، المجلية والمزينة للعرائس..الطباخة في الأفراح ، والنائحة والنادبة ومعددة المثالب والمناقب في المآتم والأقراح، والقاضي والمحامي والفقيه والعشاب..تعرف كل شيء عن التمائم، والأحجبة وأدوية التسمين والتنحيف والإنجاب والإجهاض..فلا أعجب إن أصبح لها كل هذه الصيت والسلطة في أوساط نسوة نخر الجهل والأمية أدمغتهن، وتآكل الإنجاب المتكرر وغلبة الرجال أجسادهن..وهي بذكائها ودهائها، تديرهن كيفما وحيثما شاءت كما تدير خاتمها النحاسي في أصبعها المعقوف، تبتز أسرار مخادعهن، وبقايا مطابخهن ومصروف بيوتهن، فما إن يسمعن صوتها يجلجل منذرا أو مبشرا بقدومها حتى تظهر اللائي ينتظرنها، وتختفي من يتّقيْن شرّ مقابلتها..تمنّيت لو أخذها الله إليه ويزاح ثقلها عن قلوب من ترتجفن كلما حشرت جسمها الهزيل في منازلهن، أو أنفها المتعفن في شؤونهن، أرثي لحالهن، لكني تركتهن وشأنهن وما عدت أكترث، لم تنفع نصائحي في إبعادهن عن الشعوذة والزار والأحجبة والبخورات..وصرن أيضا يتحاشينني ولا يزُرنَني .
أصبحنا وأصبح الملك لله ، ردّدت الدعاء وأنا أسمع جلبة وضوْضَى في الحي، ارتج قلبي خوفا على أبنائي طلبت منهم أن يلعبوا قليلا حتى أنهي تنظيف البيت ..تدحرجت على الدرج أكثر مما نزلته لأجد نفسي خارجا في ثوانِِ..و..انفجرت من الضحك رغما عني، فالمنظر فعلا فريد..امرأتان تتعاركان كالديكة،
تتدحرجان، تمتطي إحداهما ظهر الأخرى، وتنزل فيها ضربا ونتفا وعضا، تتغشّاها، ومن ضخامتها لم يعد يظهر من السّفلية إلا سيقان كعيدان الدرة اليابسة، لم تجرؤ النسوة على فض المعركة، من على حياد ومَن مِن خوف أو تشفِّ..الصغار يتعلقون بتلابيبهن واليافعون استبدت بهم الحماسة، فأخذوا يتقافزون ويدورون حولهما، يصدرون أصوات التشجيع، مؤججين الصراع ومذكين أوار المعركة ..اندفعت إليهما، أحاول إزاحة امرأة العربي الجزار عنها بصعوبة، تلتفت وتمسك بمن ظنتها متطفلة أو مناصرة، سهلٌ عليها لقوتها وجَسامتها أن تضيف أي منهن إلى وليمتها العراكية بلوْي ذراع فحسب، ترتخي يدها عن ثوبي وتتراجع حين التقت مقلتها مع وجهي الغاضب الصارم..لأتفاجأ بحادّة "عين الدودة" ..متكورة كثمرة تين جافة تئن وتتنحنح وتتْفَل في راحَتها ما سقط من أسنانها، وقد تعفرت بالتراب وجَمع قفطانها كل ما لم أكنسه ذلك اليوم..أجلستها، غطيت صلعتها بخرقة يفوح منها القطران ورائحة حناء قديمة، سترت عورتها وساعدتها على الوقوف ..لم تنبس ببنت شفة، لفّت إزارها حول جسدها وخيبتها وهزيمتها، وتولّت مسرعة في وجل ناسية فردة مداسها.
إنفض الجمعُ، اختفتِ العجوز ولم تعد لحيّنا .
علقت امرأة العربي فردة "سانْدرِيغُولاَ " على بابها، وصارت بعدها ..الدّاية والماشطة والطباخة والعشابة ووووو....!

********

مهدية أماني الرغاي

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية