زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

مقال_ التـــمييــــز "العنصرية" _ بقلم: أ. الهادي حافظ





التـــمييــــز "العنصرية"...!

*****************


إذا كانا الجهل والفقر هما الأبوين اللذين تولدت من رحمهما كل بلية ومشكلة عرفتها البشرية، فإنه يمكن اعتبار التمييز هو جد قبائل المشاكل الاجتماعية كلها!
فالفاحص لكل مجتمع يجد أن سلامته ونماءه وتطوره مقرونة بسلامته من هذا الداء الفتاك، ويمكنه التنبؤ بمستقبله بحسب خارطة وقانون النظرة المجتمعية المطلقة لذات الفرد فيه، فيعرف بذلك إلى أين تسير قاطرته.
من هنا كان الإسلام كنموذج إنقاذ مُنِح للبشرية واضح المعالم، دقيق الألفاظ، عظيم الرسالة، خالد المعاني، صارم القاعدة في محاربة هذا الداء، صريح العبارة في تكريم بني الإنسان، فأسس لذلك بقول الحق سبحانه وتعالى:
( إن أكرمكم عند الله أتقاكم)
ثم أردفت السنة شارحة كل لبس يمكن أن يحدث في هذا المجال:
(لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى)
وكثيرة هي النصوص الواردة في هذا الباب، بل إن الإسلام في صدر الخلافة لم تتجل صورة أعظم منه عبر تاريخ البشرية في الموضوع، ولم يحارب المفهوم شيء كما حاربه الإسلام.
حتى جاء الخِطاب معلما لنا، لمن صدر منه ما يشبه ذلك:
( إنك أمرؤ به جاهلية)
طبعا الصحابي الجليل رضي الله عنه الذي قيلت له هذه الكلمة، بكل تأكيد أنه تجاوز الموضوع بل ربما جاء الموقف ليعلمنا نحن فقط، أما هو وسائر الصحابة رضوان الله عليهم فهم أكثر الناس تطبيقا وفهما للأخلاق وبعدا عن داء التمييز حاشاهم..
ومن صرامة الإسلام في الموضوع أنه كان إذا صدّر أمرا تشريعيا للعموم جاءت القاعدة تخبر بأن أول من سيطبق عليه حد المخالفة هو الأفضل والأقرب للقيادة، كما في حديث سيدتنا بضعة الحبيب صلى الله عليه وسلم:
لو أن عضوا شريفا من أمرأة شريفة فعل كذا- حاشاها- لقطع!
ليعلمنا الحبيب صلى الله عليه وسلم أن على القادة من بعده أن يبدؤوا بأنفسهم وبالمقربين منهم.
وهو ما كان من سادتنا الخلفاء رضي الله عنهم وكل من سار على نهجهم، فمما يذكر أن الفاروق رضي الله عنه أنه كان إذا أصدر أمرا جمع المقربين والأهل وقال لهم، هذا الأمر من خالفه من الناس فعلت له كذا وكذا، ومن خالفه منكم ضاعفت له العقوبة!
وعلل ذلك بالقول:
فالناس تنظر إليكم، وتقع حيث تقعون، وربما ظنت أن قربكم مني حصانة لكم!
وهو نفس المعنى الذي جاء القرآن معلما له في خبر أمهات المؤمنين الطاهرات الزكيات العفيفات رضوان الله عليهن.
أذكر مرة كنت في نقاش مع أحد المقيمين بفرنسا وكنا نتكلم عن مفهوم عدل الإسلام بين أبنائه ومخالفة أو توغل بعض المفاهيم المخالفة لذلك وخاصة في أوساط اجتماعية يغلب عليها تقدير بعض الوجهاء ومن حولهم حتى يرتكبوا خروقات في القانون العام، فيسلموا من العقاب والملاحقة لأنهم من حاشية فلان!
وذكرت له قصة الفاروق رضي الله عنه، فأعجبته وقال لي، نفس القانون يوجد في فرنسا بخصوص الجيش، فمن ارتكب منه خطأً تضاعف له العقوبة!
فقلت له لعله مما استفادوه من الحضارة الإسلامية.

وكثيرة هي شواهد هذا الباب في أحكام الإسلام وقصص السلف رحمهم الله.
بل إن الحق سبحانه وتعالى حين أسس الإسلام على مساواة الناس كمبدإ أساسي، ثم أراد أن يجعل ميزانا لتفاضلهم وضعه في نقطة التساوي من الجميع، فجعل مرجحين أساسيين هما:
التقوى والعلم.
وهذان في نفس المسافة من الجميع، فلا علاقة لهما بنسب ولا مكانة ولا مال..
ثم لعدله سبحانه وتعالى كذلك حين يفيض على أحد من فضله يزيد عليه من الحقوق ويحثه على أن يكون ذلك الفضل ليس سوى أداة للتكامل مع من حرموا منه!
كإنفاق المال، وتعليم العلم، وعطف القوي وإعانته للضعيف.
ليعيش المجتمع كالجسد الواحد، يكمل بعضه بعضا بحسب ماعند هذا مما ينقص ذاك!
طبعا وجد الشيطان للأسف مدخلا للبعض حين لبس عليهم الصورة الأصلية تحت القاعدة المعروفة:
إنزال الناس منازلهم!
فصاروا يخرقون لذلك كل قاعدة عامة، ويعاقبون العامي بكل صغيرة وكبيرة ويتغاضون عن أصحاب الوجاهة في أفعالهم، وهو ما حذر منه الحديث الشريف حين اعتبره سبب هلاك من كان قبلنا:
إذا سرق الضعيف قطعت يده، وإذا سرق الشريف ترك!
كما تولدت عن ذلك للأسف ردة فعل مضادة، تطالب بالمساواة على شكل هضم الناس حقهم.
وفي وسط هذا الفهم تضيع بوصلة الحقيقة على العوام أمثالي، فالمبدأ السليم هو أنه لا تمييز البتة في قانون اجتماعي عام، فالناس فيه سواسية وملزمون جميعا بتطبيقه وأكثر الناس ذنبا وأقساهم عقوبة من خرقه من حاشية القيادة، ولكن لا يمنع ذلك من تقدير من تفوق في المرجحين:
العلم والتقوى..
ففي ذلك رسالة وتشجيع للآخر أن باب سلم الرقي في هذه وتلك هما لاغير ذلك، ولكن هذا التقدير فيما يملك المرء من خاصية نفسه وليس في القانون العام الذي أولى الناس بتطبيقه هم من نبغوا في العلم والتقى.

فأعلم يا أخي رحمني الله وإياك أن كل من في نفسه مثقال ذرة من تمييز أو سعي لتمييز لم يفهم جيدا رسالة الإسلام، ولم تصل سويداء قلبه ذبذبات نداء منقذ البشرية صلى الله عليه وسلم الخالد:
(أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلَّغت؟ اللهم فاشهد)
أصلح الله مجتمعنا وسائر مجتمعات أمة الإسلام، وأصلح قلوبنا وجعلنا ممن توطنت نداءات الحق قلوبهم، وعجل بالفرج عن أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم..



********

الهادي حافظ





















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية