زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

«قشور» بقلم أ. زينب الأسدي


«قشور»
بقلم أ. زينب الأسدي
----------
أنجبتُ قبل قليل، وجاهدتُ لمشاركتكم الخبر من صالة الولادة، لا أعلم سبب حماستي ولكن ما مررت به خُيل لي بأنه سيكون مدهشا ودسما لتتناقلونه بينكم.

استيقظتُ منذ أيامٍ فقط وبطني متكورة، منتفخة إلى الحد الذي لا يمكن لأي محاولة أن تسترها.

كأنني حُقنتُ بهرمونات محفزة للنمو، ومع جهلي الكامل بالطب لكن ليس إلى الحد الذي يخفى عليَّ إمكانية إنجاب طفل بليلة وصبيحتها!

في الوقت الذي هالني منظري لم أكن مهيأة للتفكير إذا ما كان ممكنا لعلم الأجنة اختصار معاناة تسعة أشهر من الحمل ببضع ساعات وعلى الأكثر شهرا واحدا! لكن ها أنا أخبركم بما كان يجب أن يرد بخاطري آنذاك وفقط.

لستُ متزوجة ولا أتذكر أن أحدهم وعدني بالزواج أيضا، حتى رغباتي ضمرتْ منذ زمن ليس بالقصير ولم أعد أجرؤ باشتهاء أحدهم مهما أعجبني. شكلي الدميم لا يصلح سوى للتهكم والسخرية -كما يقولون دائما- .

صديقي المقرب لم يكن طبيبا لأهرع له كما هي عادتي كلما واجهتني مشكلة، نعم كان حصيفا بتهويل مشاكلي مهما بدتْ تافهة؛ فقط ليبدو بطلا عندما يخرجني منها.
ولكن هذه كيف؟! ها كيف؟! أنا حامل.. ليستْ مزحة! أتلمس بطني لأتاكد أنني لا أحلم، أصرخ: لا، أنا حامل!

- أخبرتكِ كثيرا بخطورة ما تقرأين!
الأفكار نطف الكتاب، يقذفونها في جوف قارئاتِهم!
وها أنت حبلى بفكرة! فكرة فقط! دونكِ المرآة، انظري لا شيء سوى كرشكِ المتدلي!

أرمي بهاتفي، أهرع للمرأة! متيقنة بأنني سأعود وأشتمه لأنني سأرى فضيحتي، سأرى أبي وهو يشنقني أرى أخي وهو يجعر: "لطالما أخبرتكَ أنها ساقطة"!

مرآتي تبعد أقداما عن سريري لكن الطريق إليها صار طويلا، طويلا جدا كالجري في مسار دائري قُذفتُ إليه من الأعلى، لا نقطة تؤكد الوصول مطلقا.

مغمضة كي لا أرى ما كنتُ متأكدة منه! أحس بلهاثي واضحا في المرآة، وأنفاسي تكاد تهشمها.
-جبانة!
حقا لم أرَ سوى كرشي المتهدّل!

مر الوقت بطريقة لا أعرفها من قبل، لا أعلم كيف جرى كل ما جرى... هو حصل وفقط!

وها هو ذا طفلي تشاركني أنفاسه الكتابة إليكم.

أثناء وضعي له؛ لم أكن قادرة على ترجمة تعابير الممرضة التي أخرجته، لكنها كانت أقرب للاشمئزاز.

أردت أن أعرف لماذا، أرفع رأسي لأنظر من أعلى ساقيَّ المنثنيتين على السرير.
لم أسمع صرخة كما حال حديثي الولادة، ربما ميتا، ترمي به لأخرى، تخرج فزعة من الصالة وأنا أشاهد كل ذلك بشكل ضبابي.

وليدي كان صامتا، شقيا، يتلاعب بهم، كان ينتظر أن تضربه إحداهن ليصرخ.
سمعتُ صوتا لم يكن صراخا، ولا بكاء، وليس أي شيء أعرفه، نغمة جديدة تتغلغل في أذني لأول مرة!

كان بلا قفا؛ هي فقط شدت ذيله ليصدر ذلك الصوت اللا مألوف!

تهمس بأذني، وهي تضعه بجانبي:
أكنتِ هادئة بهذا الشكل المريب لأنك متيقنة بأنك ستلدين مسخا؟!
حتى من تنجب نملة ستولول!

لم أفكر بالتخلص منه مطلقا، على العكس أشعر بشيء غريب تجاهه؛ تماما بغرابة ولادته.
لست حزينة ولا سعيدة أيضا، أنا أعيش حالة مستحدثة لا أظن أحدكم مر بها من قبل، حالة ولدت بولادته.

ليس أقبح مني، على الأكثر يشبهني، فقط ظهره محرشف كجلد التماسيح وينتهي بذيل مدبب.
وأنا الآن مدركة ما سيعانيه من تهكماتكم.
ولكن لا أستبعد أيضا أن هناك من سيتعاطف معه؛ لذا أنا ماضية بمشروع هندسي سأقترحه على أمانة العاصمة.
سأنهي حديثي الآن وستعرفون كل شيء بأنفسكم لاحقا.

بعد أن استحصلت الموافقات الروتينية باشرت بخطة مشروع ظاهرهُ تزيين المدينة بمرايا ملفتة وجميلة تستقطب المارة، تبدو ككل المرايا، وباطنها ستكون مصممة بمواصفات ترضي غاية في نفسي.

تمضي الأيام وطفلي يكبر في اليوم الواحد عاما كاملا، جالسا بقربي نلتقط الإشارات في غرفة التحكم، كانت الومضة تعني مرور إنسان برأس حيوان قرب المرآة، حمار، كلب، فأرة، بعوضة، ذبابة، أفعى.. يرون وجوههم ويهربون، يوقنون أنهم رأوها هكذا...
صار كل واحد منهم يتمنى أن يعرف كيف رأى ذاك وجهه هو الآخر.
كانت الإشارات متفاوتة تومض مسجلة أعلى حد للعقول والوجوه الحيوانية المستحمرة والمستذئبة...
الرؤوس التي تعاطفت مع قصة صغيري وحدها كانت رؤوس إنسانية.


عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية