قراءة في قصتي القصيرة "ترانزيت" بقلم الأستاذ الفاضل
خالد خليف، له مني جزيل
الشكر وخالص العرفان.
لست ناقدا... ولا أملك إلا رؤيتي الخاصة، القاصرة دوما، القابلة للدحض والتفنيد.
قراءة_في_قصة_الكاتبة(مرام يوسف)
**********
ترانزيت
العنوان (ترانزيت) لفظة أعجمية دارجة (انجليزية) تعني النقل بالعبور...
وهي لفظة مضللة، تذهب بالمتلقي بعيدا عن مكنونات النص...
استهلال قوي يبدأ بتشبيه محفز، يدفع المتلقي لاستجلاء مظاهر الفعل المُسْتَنْكَر(العقوق) وفاعله والبحث عن رابط يربطهما بالعنوان...
استهلال بدأ من ذروة الحدث، مع بعض الإشارة البسيطة إلى أساسات الحدث، كأني بالكاتبة ترمي إلى إغفال تفاصيل الأساس والاكتفاء بما يبرر /الآن- الآن المستمر/ بمظاهر شتى..
بداية تترجم كل عنف، فالقمع الذي تخبرنا به البطلة، بكل وضوح وصراحة، قمع يتشكل في العمق، انسحابا تكتيكيا لفكر وافد، غير مهزوم، ولكنه ينضغط إلى حين، أمام موروث فكري وعقدي هائل، لا تملك البطلة منه فكاكا، وهي بالأصل غير رافضة لهذا الموروث بالكلية.. إنها بالكاد تتأوّه، من بعض قيوده، على السطح، وتختزل نقيضه، في العمق، تماما كوقف إطلاق النار بين فريقين متحاربين، غير راغبين به، سلاما هشا آيلا للسقوط عند أدنى احتكاك.
لا يستطيع العمق احتمال صرة الصُّهارة تلك، ولا يستطيع السطح قبولها كصهارة، فلا بد لها من شكل جديد، يتحمل فرق الضغط بين المنسوبين، مضطلعا بمهمة تحويلها، ليصحب تحولها، كل هذا الطنين المخيف.
هاهو التحول الخطير قد بدأ، تستعيظ الكاتبة عن ذكره، بذكر أثره المخيف (الطنين) فتترجم لنا عنه أنه يلسع. قولي أيتها الكاتبة أنه يخِزُ، فهذا الطنين يتكون من مركِّبتين، تصدِرُ كل منهما طنينها الخاص، فيتناغمان صوتا واحدا لا تريد الكاتبة، أن تظهر تباينهما، لسبب ربما فرضته، تقنية النص الرمزية..
فلسع الطنين، هنا أقرب إلى وخز الضمير، عند الخارج على قداسة الموروث، فها هو يعيد أم البطلة وإرثها التربوي العقدي إلى الواجهة:
(استيقظت اليوم على طنين مزعج له لسان يلسع، طلب مني الاتصال بأمي لأخبرها أنني متصالحة مع أقدار الله
فكل ما يأتي من عند الله مرحبا به، ولكن الذي يخيفني حقا هو سكين الغدر ؛ قمت مفزوعة غير قادرة على بلع ريقي فكيف بصرّة، حملت هاتفي وما إن هممت بالإتصال حتى تذكرت أنّ أمّي ميتة- رحمها الله-)..
تقول البطلة أنني لازلت شرقية كأمي،
متمسكة بكل وصاياها، إلّا خوفي من التحول إلى تابع، مؤهَّل لتلقي جور المجتمع الذكوري في أقرب سانحة..
لتصرخ المركِّبة الأخرى، من الطنين في الأعماق، عن جمرة الوافد الموءودة، تحت الرماد، والتي لا يمكن الإغضاء، عن ضغطها، على القاع، ليملأ الفراغ، مكان الأم الميّتة.. والذي تتصور البطلة، أنه سيكون أمان الإنثى، استقلالا تحت ظلال الفكر الوافد.
مع الاحتفاظ بما لا يتعارض معه من الموروث، وتسوق لذلك التحول كل مبرر، هكذا حتى يبدأ التحول وتصمت المركِّبة الواخزة ولا يبقى إلا المركِّبة الأخرى، لتبدأ تداعيات الهطول...
يبدأ الهطول بانفصال البطلة عن واقعها انفصالا كليا.
إنها تتجاهل واقعها كلية، حتى زوجها، رمز ذلك الإرث في الذهنية الشرقية، وتتخفف من عبء ذلك الانفصال، مشككة بأن الواقع، ربما هو الذي انفصل عنها (هل تخلى عني الجميع؟) ولكن الوشاية الفاضحة كانت قد أتت قبلا(وكأن الجميع قد رحلوا)..
نعم، كأنهم رحلوا، (كأنهم).. هم لم يفعلوا، إنما هي التي لم تعد تشعر بهم..
حتى أنها لم تؤرخ لذلك الانفصال، فقد غادرها زوجها ذاتا، وهي نائمة، وبقي هيكلا- سيارته المركونة في المرآب-
(وهنا مفارقة سيكولوجية لست أدري،
أهي متعمدة، أم عفوية، تشير إلى أن التحول قد بدأ فعلا... ولكن خارج وعيها، فالزوجة في النموذج الشرقي،
تستيقظ قبل الرجل، وتنام بعده)
والبطلة تعترف، في مكان آخر، في معرض التخفف من الانتقال، الدراماتيكي الموجع: (ربما غادرتُ إلى أرض تشبه أرضي ولكن بلا عشيرة؟)..
بعد أن عبرت البطلة المضيق..
نسمعها تقول: (داخلي يتآكله القلق)، وهذا المصطلح ابتكار جميل للكاتبة، فالبطلة الآن، لبست الطنين تماما، بمركِّبتيه المتفانيتين فيما بينهما، وهي تتجسد تفاعلا يحمل سماتهما معا، فهاهي تتمزق في الانعتاق واكتشاف الأفق.. حائرة بين اكتشافه عبر الباب (الحرية الكاملة)، أوعبر ماتريها منه الشرفة (الوصيّ)، تحتار بالجديد حيرة تحمل قداسة الموروث بما في ذلك، طهارة الأم ورسالة الأمومة:
(داخلي يتآكله القلق وأنا اتنقل بين الشرفة وباب العمارة في مسعى منتظم يشبه إلى حد بعيد سعي أم إسماعيل بين جبلي الصفا والمروة وهي تنشد عابرا).
في اليومين الثالث والرابع، يتشكل الضياع برزخا، مؤلمٌ عبورُهُ، يتم فيه وداع الماضي وداعا باتّا، بلحن جنائزي حزين، على شكل حلم ضبابي يُحتَفل بانقشاعه، مسفرا عن مستقبل رمادي مجهول، يُحتَفى به كهمهمة مبهمة، تبعث الريبة بكل شيء، تشكِّله مركِّبة الطنين الباقية، بعد أن أخرس ترف الوداع، مركِّبة الطنين الواخزة.
وداعا أيها الأمس، بكل ما فيك، إلا من ذكرى، ستمر خاتمة جارحة للقصة.
ليبدأ التيه بعيدا، عن كل جذر ،في اليوم الخامس، والأيام هنا عناوين المراحل، المراحل الفكرية، وليست مراحل العمر كما اعتقد بعض القراء، لهم ولآرائهم كل احترام.
تلج(اليوم/المرحلة) الخامس، مُستنزَفَة تماما أشبه مايكون بالخروج من مخاض عسير، تطلب الحياة، هاربة من أمس مات، وشبع موتا، إلا ظلال شبح يلم، رقيبا عاتبا ..
الحياة في هذه المرحلة، تختلف عن الحياة، في الماضي المقبور، تبدا صراعا، مع عقارب الساعة، سباقا مع الوقت، لتعويض ما فات، واستثمار ما تبقى وأنّى!؟...
فالماء الدافئ، الماء الدافق نبضا.. يحيي موات البور، حلما يُسْتَمْطَرُ اللحظةَ من فجاج الفراغ وآفاق الخواء.. فليُصَلِّ الضياع صلاة الاستسقاء، طلاءً أحمرَ وأصبغة، تَستَمْطِرُ الخيالَ لتحصدَ الخيبة...
ولا أمر من خيبة، تحملنا على استفزاز مالا يستعاد...
متبرجة بالاحمر القاني، تستفز الطنين الواخز الميت، الذي لم يُنْعَ بعد، تتخيله شبحا، يطاردها مراقبا، تثيره أسفا عليه، أو شماتة به:
(كن لبقا وأخبرني يا سيد طنين هل أبدو جميلة؟ تبدين فاتنة، بل ماجنة!).
واثقة من أن فطرة تكوينها، ترفض ما هي عليه الآن... إلا إنها ترجوه اللطف في رأيه... تُبصِّرُ السيد طنين، بجوعها لكل شيء، للكل شيء، لم تعد شلالات الماء الدافئ ترويها، ولا كل مياه الكون. طالما تراقصها تلك القطيرات، في الفراغ..
- هات اسقني (قعوار) ليس يهمني
قول الوشاة (عرار) سكرانان
كما قال الشاعر الأردني عرار، فاكتب ماشئت وقل ماشئت، فلن تكتب أو تقول مايسيء لك، ولن تجد مسيئا تكتبه، هذا ما كان في اليوم السادس، (فقد فسدت الحياة، منذ أن امتدت يد الإنسان إلى الشرنقة، لم يستطع التحول إلى فراشة ليطير، ولا هو ظل مختبئا في فطرته) كما قال عبد الرحمن منيف في روايته، الأشجار واغتيال مرزوق..
نعم ( فقد غادرنا حرفنا المقدس منذ أن اتخذناه زخرفا و زينة)... على رأي كاتبتنا..
اليوم السابع:
عود على البدء والعود أحمد،
قفي اليوم، حيث وقفت بالأمس، فإن أردت الحياة، فعودي لمن يشاركك الحياة، وإلا فالهاوية، وقد كنت في غنى
ولكن الإنسان، لا يتعلم إلا من المرارة..
لست أدري لماذا وثب إلى مخيلتي:
- مصطفى سعيد بطل موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح وأنا أقرأ القصة في المرحلة الخامسة، وإن لم تشر الكاتبة بوضوح إلى ذلك الفكر المتغرب، ولها كل العذر فالمساحة القصصية لا تتسع للتفاصيل...
- ملحمة مدن الملح، لعبد الرحمن منيف، التي تتحدث، عن التحول المؤلم الطارئ على المجتمعات العربية، أكاد اتلمس أطيافها، في هذا النص، لولا أن الكاتبة كانت تتحدث عن فرد، ربما ينعكس وجود المرأة، عند منيف حلم صيف، تطرق إليه منيف بشكل سلبي.
- وانبعثت من تحت رماد ذاكرتي جذوة (ألواح ودسر) روايةالعمري، وذلك على رجع طنين التحول، حسب تسمية الكاتبة.
السرد محكم رشيق الانتقال.
الرمز عميق جدا يصعب على أمثالي اكتشاف مكنونه، إلا أنني اجتهدت بما أستطعت ولا أدري هل كان التوفيق حليفي فيما خلصت إليه أم أنه جانبني!..
اللغة جميلة أنيقة مسترسلة، لولا بعض الشغب القواعدي، والإملائي، الشغب الذي لا يفسد، البناء القصصي، ولا يمس الرصيد المعرفي...
أتمنى لكاتبتنا دوام النجاح والألق
__________
خالد_الخليف
الشام - ٢٠٢٠/٦/٣
********************
القصة
ترانزيت..
*******
مثل الابن العاق أتعامل مع ذاتي بجحود، لم أتجرأ يوما على الإنصات لنفسي، كل ما أفعله هو معاملة أفكاري على أنها جنون غريب قادم من ما وراء البحار، ثم أضعها في صرّة، أحكم ربطها وأقوم ببلعها لتستقر في القاع حيث يستحيل أن تطفو على السطح، كنت أسمي حربي هذه السلام الداخلي!
استيقظت اليوم على طنين مزعج له لسان يلسع، طلب مني الاتصال بأمي لأخبرها أنني متصالحة مع أقدار الله فكل ما يأتي من عند الله مرحبا به، ولكن الذي يخيفني حقا هو سكين الغدر؛ قمت مفزوعة غير قادرة على بلع ريقي فكيف بصرّة، حملت هاتفي وما إن هممت بالإتصال حتى تذكرت أنّ أمّي ميتة- رحمها الله-
تبا لك من طنين يرسل رسائل للأموات، ثم من ذا الذي سيطعنني في ظهري؛ صحيح لست محبوبة الجماهير، ولكنني أيضا لا أكسب العداوت، فأنا مسالمة جدا إلا مع ذاتي !
فجأة توقف الطنين عن اللّسع؛ أشعر أن كل شيء حولي هادئ، هادئ بشكل مريب، وكأن الجميع قد رحلوا حتى زوجي ذهب إلى عمله وأنا نائمة؛ فتحت الشرفة لا أحد في الشارع كل الأبواب والنوافذ في المنازل المقابلة مشرعة، ولكن أين النّاس، حتى العصافير توقفت عن الزقزقة، تجاهلت الأمر بداية، مرت الساعات ولا أثر لحي يدبّ على الأرض..
دقّت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الّليل ودق معها ناقوس الفزع لدي، حاولت الاتصال بكل أحد وأيّ كان ولكني لم أفلح!
داخلي يتآكله القلق وأنا اتنقل بين الشرفة وباب العمارة في مسعى منتظم يشبه إلى حد بعيد سعي أم إسماعيل بين جبلي الصفا والمروة وهي تنشد عابرا .
أشرقت شمس اليوم الثاني ، انتعلت حذاءً رياضيا وانطلقت أجوب الشوارع كانت سيارة زوجي مركونة في المرآب طرقت أبواب الجيران أهلي أصدقائي ناديت بأعلى صوتي مشيت إلى وسط المدينة المستشفيات، الميترو، ومراكز الشرطة لا أحد!
لقد غادر الجميع وبقيت وحيدة أقف على أطلال مدينتي وهي خاوية على عروشها!
هل تخلى عني الجميع ؟أم أنا التي تخليت عنهم؟ ربما غادرت إلى أرض تشبه أرضي ولكن بلا عشيرة؟ الحيرة شلت تفكيري، أشعر أنني في دوامة غير متناهية هل يجدي الصراخ أم العويل أم أستسلم للصمت والسكون المرعب ؟
اليوم الثالث: هائمة على وجهي بلا وجهة، أسمع تلاحق أنفاسي اللاهثة، و وقع خطواتي المتسارع على الأرض، زفير الريح وهو يرتطم بكل ذرة من كياني حتى دموعي بات لها وقع مدوي، مرهقة إلى حدّ التلاشي، اليأس أصبح نديمي وسقائي ، ضاقت علي نفسي مثل أسير في شقائه مصفّد، قد أطبقت عليه جدران سجنه الانفرادي..
من كان ليصدق أن عناقات الوداع والنظرات الأخيرة ستصبح في يوم ما نوعا من أنواع الرفاهية!
اليوم الرابع : حملتني قدماي إلى الجُبَّانة حيث ترقد أمي وبجانبها أبي، لعلّني أجد ما يعينني على تثبيت قدمي في الأرض..الجذور و الانتماء كل ما نحتاجه حينما نقع في أتون الحيرة؛ مساكين أبناء الخطيئة ليسوا على شيء حتى وإن ملكوا كل شيء، لذلك تجدهم يميلون مع كل صيحة!
عند قبر أمي بكيتها وأبي وماضي العزيز وبكيت حاضري الذي يكسوه الرماد، وكأني قد أقمت مأتمًا ليس لي فيه عزاء ولا لغمتي جلاء، ثم طفقت عائدة أحمل في جوفي همهمة المستقبل!
اليوم الخامس: شعثاء منهكة لا يمكنني تحريك جسدي بل وحتى بصري، لقد أصبح الفراغ الذي يحيط بي يسكن داخلي، عقارب الساعة تخدشني بحدّة، وروحي تنزف من كل مكان..
ربما شلال ماء دافئ يعيدني للحياة، سدلت شعري وهو يتقاطر بللا، رسمت شفاهي بالأحمر القاني، نظرت إلى نفسي في المرآة... آه يالك من قطرات شقية تريدين مراقصتي على وقع الفراغ!
كن لبقا وأخبرني يا سيد طنين هل أبدو جميلة؟ تبدين فاتنة، بل ماجنة!
لا أعلم لماذا لم أستخدم كثيرا هذا اللّون في حياتي السابقة، واليوم أرغب في وضع الأطنان من المساحيق هل تُراني أشعر بالنّقص، أم هي عقدة الارتياب، وربّما أريد أن أختفي خلف السّراب؟ لو تعلم يا سيد طنين كم أشعر بالجوع في هذه اللحظة، إنني نهمة أتوق لكل شيء!
اليوم السادس: استسلمت لك أيها الطنين هاك القلم وصفحة الزمن، أكتب ما شئت لن أكبح جماحك ولم يعد هناك من داع للاعتراض، فقد غادرنا حرفنا المقدس منذ أن اتخذناه زخرفا و زينة، إنّك حرّ فقط كن أمينا، وإياك والرداءة فهي خطيئة لا تغتفر.. الوصية!
اليوم السابع: عند ذات النقطة أقف واجمة أتأمل أسفل المنحدر؛ بالأمس وأنا طفلة كانت أمي توبخني تسحبني من موقفي هذا، تخشى على حياتي من الهلاك والتردي في الهاوية، اليوم أدركت أن الحياة هبة و عبء لا يمكنني تحمله وحدي.
