التركة
*****
لم يكن ينقص قريتنا الوادعة للخروج من رتابتها وهدوئها المعتاد، إلا تلك الإشاعة التي طالت المرحوم أبا مأمون بسيل من التجني دون رحمة ولا شفقة.
إشاعة مفادها أن أفعى ضخمة تسكن قبر أبي مأمون، الذي لم يفت على وفاته إلا أسبوع واحد فقط.
فسرها الشامتون و الحاقدون، أنها من علامات جحيم بات مأوى للمرحوم. !!
إشاعة لم ألق لها بالا، إلا حين حضرت ذاك الحوار الساخن لحفنة من رجالات القرية، في الحافلة التي عادت بنا من العاصمة.
اتهامات وإشاعات حملت الكثير من الأكاذيب والمغالاة، لدرجة أن أبا صبحي سكير القرية وعربيدها الأشهر، دعا بالمغفرة والرحمة لروح أبي مأمون البائس!!
حتى ذاك التفصيل التافه، حين استعصى على حملة التابوت الخروج به من باب المسجد الضيق، استغله الشامتون بمزيد ومزيد من السخط، و أن روح المرحوم ارتعبت من لقاء ربها و هول الحساب.!!
انتهى بنا الطريق إلى ساحة القرية، لكن الشماتة لم تنته بعد.
تتوقف الحافلة أمام دكان أبي أحمد الحلاق، الذي لايشك أحد في أنه مصدر كل تلك الشائعات.
تجمعات وأحاديث لا تنتهي، في دكانه التي حولها لوكالة إخبارية تبث المزيد من الترهات.
- الله يكون بعونه ويتلطف فينا، ما نفع ملايينه الآن لأبي مأمون البخيل.؟؟؟
جملة استهلها ثرثارنا الحلاق ليستفز مزيدا من الشماتة.
ليقطع ثرثرته وتجنيه، مداخلة مختارنا المصون.
- الله يرحمه لم يساعد القرية بقرش، بينما أغدق علينا ذاك الغريب بالمعونات والمركز الصحي.
المرحوم أبو مأمون البخيل، كما يحلو للقرية وصفه، فقط لمجرد تحصنه عن ألسنتهم في مزرعته المتطرفة خارج حدود القرية.
أغلب بساتين ومحاصيل القرية ملك يمينه وثمرة تعبه وجهده.
لم يشفع له أنه شغل شبان القرية وشيبها في مشاريعه، ولا إغداقه القرية بمحاصيله وقت الحصار والحرب، دون أن يستغل بؤسهم وحاجتهم.
ابتعاد أبي مأمون عن أحداث القرية لم يشعل لهيبها إلا ذاك الغريب، الذي حمل معه رضا وشكر القرية لما يقدمه لبؤسهم ومعاناتهم وهم شبه محاصرين وسط أتون حرب تدور رحاها بعيدا عنهم، لكن آثارها وصلت إليهم بمزيد من الفقر و المعاناة.
كل تلك الأعطيات و المرحوم أبو مأمون كان يتابع ويترقب.
يهز رأسه بالرضا ويرحل، دون أن ينصت لتمتمات القرية حول وجوب المساعدة من الكل.
تلميحات لا تشغله، بقدر ما كانت تشغله ثروته ومحاصيله التي تزداد يوما بعد يوم.
مر على وفاته الآن أسبوع ولا تزال التجمعات مستمرة، تلوك ماضيه وذكراه بكل قسوة وجحود
إلى أن أتى يوم الجمعة ذاك، كان يوما مشهودا، حيث لم يتغيب عن حدثه أحد.
ذاك الغريب المدلل، يلصق ورقة على باب المركز الصحي مفادها :
- تم إيقاف التبرعات والمعونات إلى حين تقسيم تركة المرحوم أبي مأمون، الممول الوحيد للجمعية الخيرية !!!.
*********
جمال الشمري
