زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءة _ بقلم: الأديب / عبد الرحيم خير_ في دلالة عنوان "قصة فجر الطين" للكاتبة المبدعة الأستاذة / صديقة صديق علي





قصة فجر الطين للكاتبة المبدعة

 الأستاذة / صديقة صديق علي  .... 

قراءة في دلالة العنوان .....

         ؛؛؛؛؛ بقلم / عبد الرحيم خير ....

 ؛؛؛؛؛؛؛؛ تَوْطِئة ......

إن العنوان قاعدة عليها أن ترن دائما وتخلخل الأفكار لدى المتلقي، حسب معرفته وثقافته، حيث يتباين أفق التوقع من إنسان لآخر.
وتبقى دلالة العنوان غائبة، مراوغة، عصية على القبض، تحتمل تأويلات عدة. الأمر الذي يدفع القارئ إلى تحديد دلالة للعنوان، من خلال البحث في تعالقه مع النص اللاحق دلالياً ولغوياً، فالعنوان والنص يشكلان بنية معادلية كبرى...
 بمعنى أن العنوان يولد معظم دلالات النص، فإذا كان النص هوالمولود، فالعنوان هوالمولد الفعلي لتشابكات النص وأبعادهالفكريةوالأيديولوجه .   
 ...... "أمبرتوإيكو

؛؛؛؛؛؛ فجر الطين ....

عَنونة مميزه تفتح باب التأويلات على مصراعيه، وتدفع القارئ دفعا لسبر أغوار النص بحثا عن تلك الدلالة في حديقة النص الغناء....
 يُحيلنا العنوان قبل أن نشرع في قراءة النص إلى عدة تأويلات ربما كانت واحدة من هذه التأويلات أوكلها مجتمعة هى ما تقصده الكاتبة،  ولأن لكل كاتب تيمة وأسلوب خاص تميز به فإننا سنحاول من خلال هذه القراءة أن نُحلق في سماء إبداع الكاتبة  ونغوص في بحر حرفها ربما قُدّر لنا أن نستخرج 
 منه الدرر ...

 ؛؛؛؛ ( ١ ) فجر الطين ... 

ربما لو استبدلنا كلمة الطين/  بكلمةِ الإنسان/  يستقيم العنوان فالإنسان مخلوق من طين والطين هو أصل خلق الإنسان قال الله تعالي   (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ وقال سبحانه: (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون )

و ما عليه أكثر  الأديان وحتى الأساطير القديمة  
أن الإنسان خلق من الطين ...
إذاً ربما كانت هذه أولى دلالات العنوان المتعددة
أن الإنسان مخلوق من طين،  وفجر الطين بهذا المعنى هو فجر الإنسان؛  أي بداية يومه وبدايه خلقه وبداية حياته؛ وكأن الكاتبة تقول:  هذه واحدة من قِصصِ الإنسان من بدايتها إلى نهايتها والفجر  يمثل هنا بدء الحياة أو بدء اليوم أو حتى بدء
 مرحلة من مراحل العمر .....

   ؛؛؛؛؛( ٢) فجر الطين .......

 الفجر بداية اليوم وهو وقت معلوم، ولأن الفجر قد يمثل البداية فإن الطين على النقيض قد يمثل النهاية المحتومة أيضا، وهي عودة الإنسان إلى أصله بعد موته بتححل جسده  قال تعالي: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ )
وفي الحديث  ( إذا وقعت النطفة في الرحم انطلق الملك الموكل بالرحم فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله النسمة من النطفة ومن التراب؛ فذلك قوله تعالى : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى )
وفي حديث البراء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن العبد المؤمن إذا خرجت روحه صعدت به الملائكة فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة ، فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا فيستفتحون لها فيفتح فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله - عز وجل - : اكتبوا لعبدي كتابا في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتعاد روحه في جسده ) 
، وبهذا المعني تكون دلالة العنوان بداية الإنسان
ونهايته وأن ما بين البدابة والنهاية حياة هي طريق يسلكه الإنسان إلى أجله المحتوم ...
( ليلتها..تسامرنا حتى الفجر ..وكانت نسائم  الفجر محملة بحب وحنان ..لم ينقطع إلا بوفاته).

 ؛؛؛؛؛ ( ٣ ) فجر الطين .....

لأنّ الإنسان هو خليفة الله على أرضه، خلقه الله وأوجده لعمارة الأرض وهيَّأ له سُبل إعمارهاوضمن له عوامل استمرارها واستقراها، وحفظها لَهُ بحفظه،
وعلّمه طرق إعمارها، وأوجد له قوانين حمايتها وضمان استقرارها واستمرها، وجعلها طيعة سهلة يغير فيها كيف يشاء، كل ذلك من أجل عبادة الله وحده؛  لذلك فإن الله قد خلق الإنسان من طين الأرض ، فأشبهها في صفاته وأحواله وطبيعته، في الحديث ( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ ، مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَصْفَرُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ ، وَالْخَبِيثُ وَالطِّيبُ
فطبيعته  الإنسان من طبيعة الأرض  وهو مثلها حنانا وقسوة وسهلا وحزنا وكلها معان أبدعت الكاتبة في توصيفها أولا بقسوة هذا الزوج وكِبره وعناده، وهو بقسوته تلك يشبه تلك الأرض التي انغرست فيها المرأة والصخرة التي تعثرت بها في طريق البحث عن منزلها....
   قابلهما حنان المرأة ورحمتها بهذا الصغير الذي أبت أن تتركه يقاسي الجوع وفراقها،  ورحمتها بزوجها حين  رفضت أن تكسر  قسمه وتشوه صورته أمام أهلها..........  
(أنت هنا ...!! ـ قالها بصوت متهدج  ـ...لما لم تذهبي لأهلك؟ خشيت أن يتناولوك بسوء اذ علموا أنك طردتني ليلا .. أصيلة انت ....تعالي ادخلي ...
ماعاذ الله ان أكسر لك يميناً ...هات الولد أرضعه وأبات ليلتي هنا) ...

؛؛؛؛؛ ( ٤ ) فجر الطين ......

 حملت دلالة العنوان معنى من معاني التهكم والاحتقار ، فالذي أصله  من طين لا يحق له أن يتكبر ويتعالى على الناس  ويفسد في الأرض، وخير  له أن يتواضع، ومن هنا فإن دلالة العنوان قد تحييلنا إلى قول الشاعر إيليا أبوماضي :

نَسِيَ الطينُ ساعَةً أَنَّهُ طينٌ

حَقيرٌ فَصالَ تيها وَعَربَد

وَكَسى الخَزُّ جِسمَهُ فَتَباهى

وَحَوى المالَ كيسُهُ فَتَمَرَّد

فالأحرى بالإنسان ألّا ينسى أصله فلا يتكبر ولا يتسلط على غيره ، وربما هي دلالة  وحكمة بديعة أشارت إليها الكاتبة بطرف خفي بَيّنَت من خلالها  أن من أصله وبدايته من طين فلايحق له أن يتكبر كما تكبر وتسلط هذا الذي تنكر لزوجته في لحظة وطردها من هذا الذي أسماه بيته دون مراعاة لعشرة طويلة كانت بينهما( أقسمَ يميناً معظماً ألا أبيت تلك الليلة ببيته، كما أسماه)
طردها في ظلام الليل  وحَرَمها صغيرها، وهذا الابن أيضا صورة أخرى من صور التكبر....
(ابني الكبير،بحجة عطفه عليّ، سيجد مبرراً لسوقي معه إلى المدينة، وأنا أمقت السُكنة هناك بعيداً عن أرضي وبيتي)
 ترك أمه وحيدة وارتحل، ولم يرع حقوق شيخوختها ولم يؤد حقوقها وهى من  كانت أحن عليه من نفسه....
 (قلبي ينعصر ألما عليهما ...كاد الولد أن يغمى عليه من شدة البكاء ...لم يعد قلبي يحتمل..)

؛؛؛؛؛ ( ٥ ) فجر الطين  .....

ربما أحالتنا دلالة العنوان أيضا إلى دلالات متعددة خاصة أن الكاتبة قصدت عدم ضبطه وتشكيله فالضبط قد يُحيلنا إلى معنى آخر من معاني الكلمة الأولى ( فجر ) والتي تتعدد دلالتها تبعا لضبطها ومن هذه المعاني معنى( الفُجُور) و ( فُجرُ الطين ) 
( فُجُر الإنسان) أي ميله إلى الشر والظلم قال تعالى: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا  إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ) وعلى هذا المعنى يكون العنوان/فُجرُ الطين أي ميله إلى العدوانية والشر وابتعاده عن العدل والحق وهو ما كان أولا من الزوج الذي ظلم زوجته، وظلم المجتمع حين خافت من وشايتهم لأبنائها واتهامها بالخرف، وأبنائها بدورهم وهي من كانت تظن أنها أعدتهم وربتهم لهذا اليوم لن يرحمونها
أيضا(لن استنجد بأحد،إن فعلت ،سيقولون أنني خرّفت وسيخبرون أولادي ...وهؤولاء لن يرحموني من عتابهم القاسي) .

 ؛؛؛؛؛ ( ٦ ) فجر الطين 

ربط القرآن الكريم كلمة الفجر بكلمة الكفر قال سبحانه: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ وقال سبحانه (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ  ) قال الطَّبري:( ((أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ)) أي: الذين اتقوا الله بطاعته وراقبوه، فحذروا معاصيه. ((كَالْفُجَّارِ)) يعني: كالكفَّار المنتهكين حُرُمَات الله، والكفر هنا بمعنى الشرك بالله إلا أن الكفر قديأتي لمعنى آخر وهو كفران العشير وإنكار العشرة،  جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم -: قال ( أُريتُ النار، فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا ) وهو ما أحالتنا إليه الكاتبة ضمنيا ولكن بصورة مخالفة فالذي الذي أنكر العشرة هنا هو الزوج والأبناء وقد رصدت  الكاتبة صورا من هذا الظلم وكفران العشرة والعشير، بداية من ظلم الزوج لزوجته مرورا بظلم الأبناء  الذين تركوها وحيدة وكان الأجدر بهم رعايتها وبرها والقيام بحقها وهو ما لم يحدث فظلت المرأة مستسلمة مغروسة في الطين  ترقب درج المزل تنتظر عودة من يخلصها بعد أن رحل عنها الجميع .....
(لكنني الآن مغروسة  وعليّ أن أنتظر إلى أن تجف الأرض كي يقتلعوني ..ولا زلت انتظر شمساً .. ويداً)

؛؛؛؛؛ ( ٧ ) فجر الطين 

الفُجر صفة من صفات المنافقين وفي الحديث الذي بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم صفات لمنافقين قال: (وإذا خاصم فجر) قال:الزُّبير بن عبد المطَّلب
   كمالُ المرءِ حسنُ الدِّينِ منه **
                 وينقصُه وإن كَمَل الفُجُورُ ...
والفجر هنا بمعنى الظلم والاعتداء والكذب على الخصم، وإن كان الفجر في الخصومة محرما مع الغرباء فإنه مع الأقارب وذوي الأرحام أعظم حرمة وأكبر جنايته لما لهم علينا من حقوق، ولم يفت الكاتبة أن تصور جانبا من هذا الفجر الذي كان من ذوي الأرحام بدأه الزوج حين أخرج زوجته ليلا وحرمها من بيتها وأقسم عليها ألا تدخل....
 (اخرجي من هنا أيتها الغبية  ..بيت أهلك أولى بغبائك ......وكان ذلك عقاباً لي لأنني أضعت المجرفة  ثم  فجور الأبناء وأخيرا فجور المجتمع وكذبه وادعائه  عليها وإرهابهم لها ........
(لن استنجد بأحد،إن فعلت ،سيقولون أنني خرّفت وسيخبرون أولادي ...وهؤولاء لن يرحموني من عتابهم القاسي). 

  ؛؛؛؛؛؛( ٨ ) فجر الطين ......

الفجر في بعض معانيه : العطاء الواسع والكرم وكثرة المال والفَجَر أيضا الكرم والتفجر بالجود قال تعالى:( وفجرنا الأرض عيونا)
و قال عمرو بن امرئ القيس الخزرجي:
خالفْتُ في الرأي كل ذي فجر ***
 والحقُّ يا مال"١ِ"غيرُ ما تصف ؛؛؛ 
والقصة حافلة بالعطاءوالكرم ؛ عطاء المرأة وكرمها فقد كانت ولازالت حنونة متسامحة رغم ما تعرضت له من هجر وقسوة وظلم، وعطاء أرضها وحنانها وكرمها بما تخرجه لهم من الثمر، وقد كانت المرأة تعرف حق الأرض  ودائما تنصح أبناءها قائلة ( افترشوها فهي أحن عليكم من أسرتكم ) ....... 

 فجر الطين هي قصةُ إنسان مليئة بالأحداث التى انتصر فيها الإنسان حينا وهزم أحيانا،  قصة إنسان اهتدى حينا وضل أحيانا، قصةٌ عاشها إنسان منا وربما تكررت قصته أو تشابهت أحداثها  في أماكن وأزمنة أخرى... 
 أبدعت الكاتبة في سرد القصة وتوصيف أحداثها على لسان البطلة /المرأة العجوز  .........
تشكلت القصة من تآلف قصص قصيرة مرتبطة ببعضها، كونت مجتمعة حدثا كبيرًا تركت الكاتبة نهايته مفتوحة لتحيلنا إلى دلالة العنوان مرة أخرى  ...... 

تحياتي وتقديري لصاحبة الإبداع الدائم والعطاء المتجدد المبدعه دائما الأستاذة/صديقة صديق علي

 "١" -- يا مالِ؛  أراد يامالك .

                  ****  النص ****
                  ـــــــــــــــــــــــــــ

لن استنجد بأحد،إن فعلت ،سيقولون أنني خرّفت وسيخبرون أولادي ...وهؤولاء لن يرحموني من عتابهم القاسي
ابني الكبير،بحجة عطفه عليّ، سيجد مبرراً لسوقي معه إلى المدينة، وأنا أمقت السُكنة هناك بعيداً عن أرضي وبيتي.
بيتي ...آه كيف لي أن استدل عليه في هذا الظلام الدامس، كل ما أنا فيه استحقه، مالي ومال مواعيد الري الظالمة ، دائما يفوتنا ري الغراس لأنهم يخصصون لقريتنا ريّا ليلياً، وولدي لا يأتي إلا نهار العطلة. أردت أن أفرحه بما سيدهش به،لذلك قررت أن أتحدى سنواتي الثمانين، أتكئ على عصاي لأسقي الغراس المجاورة لبيتي ...لكن (قلب رأسي)  بهذه الظلمة اللعينة، فقدت الاحساس بالاتجاهات ،بت أشرق وأنا مقتنعة أنني بطريقي الصحيح غرباً ...عدت أبحث بنظري الضعيف عن  بصيص ضوء يعيدني،يا لسخرية القدر فقد تهت بأرض أعرف ذرات ترابها ذرة ذرة.
 أغدو وأجيء مرات ومرات ،أتتبع رائحتها، ليس لأشجارنا رائحة،بل أنفي شاخ ولم يعد يميز حتى رائحة النعناع،إذن لأصغي للماء قليلا  ...الليل بارد وقاسي لكنه هادئ، قد يساعدني بسماع تدفق الماء الذي يثلج صدري،  نسيت أني فقدت الكثير من سمعي، يكفيني ما سمعته طوال عمري ،بقي أن أتلمس الطين ...يداي ستعرفان كيف تسبر دروب الطين...حيث انفلت مني الخرطوم الوقح وكاد أن يرميني أرضا.
 أسند ظهري المحني إلى صخرة ...صخرة؟!!  ..قضيت عمري وأنا انقي أرضي  من الصخر ...إذا  أنا لست بأرضي فأرضي كقطعة اسفنج ...سهلة لينة ...كنت أقول لأولادي افترشوها ...هي أحن عليكم من أسرّتكم...سقى الله تلك الأيام بحلوها ومرها ...

أقسمَ يميناً معظماً ألا أبيت تلك الليلة ببيته، كما أسماه
ـ اخرجي من هنا أيتها الغبية  ..بيت أهلك أولى بغبائك ......وكان ذلك عقاباً لي لأنني أضعت المجرفة.
توسلت إليه أن يسمح لي باصطحاب  ابني الرضيع ،لكنه أبى، فالغضب كان قد أودى بعقله.
جررت خيبتي، وانكساري، وتركت قلبي مع ولدي ...هممت بالنزول بدرب يوصلني إلى أهلي  ...لكن بكاء ابني أعادني  لأدور  حول صوته .
..يحاول إسكاته، يروح ويجيء به، وأنا أراقبه من طاقة صغيرة،يقربه من مصباح الكاز ،كي يلهيه عن جوعه بمراقبة لسان اللهب .يمتد خياله على الحائط كمارد كبير ..قلبي ينعصر ألما عليهما ...كاد الولد ان يغمى عليه من شدة البكاء ...لم يعد قلبي يحتمل مددت يدي من الطاقة ...وصرخت صرخة أسكتته و أجفلت زوجي  .
 ـ ناولني إياه أرضعه ثم خذه  إلى سريره ..
ـ أنت هنا ...!! ـ قالها بصوت متهدج  ـ...لما لم تذهبي لأهلك؟ 
ـ .خشيت أن يتناولوك بسوء اذ علموا أنك طردتني ليلا ..
ـ أصيلة انت ....تعالي ادخلي ...
ـماعاذ الله ان أكسر لك يميناً ...هات الولد أرضعه وأبات ليلتي هنا ...
أذكر يومها ...بكى زوجي بشدة ..للمرة الأولى أرى دموعه ...كان طيباً..وسريع الغضب لكن دموعه عزيزة.
ليلتها..تسامرنا حتى الفجر ..وكانت نسائم  الفجر محملة بحب وحنان ..لم ينقطع إلا بوفاته.
لم أكن غبية،  كما أني لست خرفة الآن،.ها أنا أذكر كل هذه التفاصيل،لكن توهني الظلام ،وقتها فعل  ضوء القمرفعله،ورأيت ما أحببت بعيون زوجي، لكن لا قمر ولا ضوء الآن..ولا عيون تعتذر ..التيار الكهربائي  مقطوع ..وكل الأواصر مقطوعة،وقد لا يأتي ولدي
..
بزغت خيوط الفجر، فبانت أخيلة الأشجار من حولي، أعرفها جيداً هذه غرسها زوجي، وهذه  غرستها بيدي، وتلك الغراس الفتية  لابني أظنها الآن قد أرتوت.

  استوت بوصلتي لكن ضاع  عكازي، رحت  أحبو ...بدأ الدم يتخامد  بأوردتي،  جف حلقي شعرت بالإنهاك وبألم شديد في قلبي  ... إذ غاصت قدماي ويداي بالطين  ولا سبيل للفكاك منه،أسلمت رأسي للوحل، آخر ما لمحته كان الدرج الموصل إلى باحة البيت ،كان قريباً جداً ...لكنني الآن مغروسة  وعليّ أن أنتظر إلى أن تجف الأرض كي يقتلعوني ..ولا زلت انتظر شمساً .. ويداً.



************

صديقة صديق علي















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية