(ليطمئن قلبي)
*********
هل تعرض الدّين للسّطو من قبل قطّاع الطّرق مثلا؟
هذا الذي تبادر إلى ذهني وأنا أقرأ إحدى القصاصات التي اختيرت بعناية من كتاب مجهول النّسب، ومن ثم طُرحت كإشكال وتُرك المجال مفتوحا لجميع التكهنات؛
إنّ من أساسيات النقل الصحيح أن تسرد المعلومة تامة غير منقوصة، كما أنّ بتر المعنى جناية منكرة بحق القارئ وكاتب النّص الأصلي؛ وهذا الذي يحدث سواء كان عن قصد أو بغير قصد يعتبر سببا من أسباب النّفرة بين العامّة وكل ما له صلة بالدّين، حتى أصبح التدين مسبّة يحاول الكثير من ضعاف الإيمان تبرئة أنفسهم من هذه التهمة فيا للعجب!
أي نعم هناك أناس شوّهوا الإسلام بتصرفاتهم الرعناء، ومنهم من بلغ به الشطط حدّ تكفير المسلمين وسفك دمائهم، كما يوجد من تلاعب بعقول السدّج فنصب نفسه إماما بصلاحيات ترفعه فوق مقام النبوّة فشرع للناس دينا جديدا تملؤه الكراهية فضلا عن الخزعبلات والهرطقات التي لا يقبلها عقل سويّ!
والحقيقة أن كل ما زاد عن القرآن وصحيح السنة فليس من الدّين في شيء..
أراد احدهم خطبة فتاة فقال لها بالحرف أنه يكره التدين ويريد حياة الليبرالية فلما رأى نظرة الاستنكار في عينيها استدرك قائلا: لكني أصلي وأذهب للمسجد كل جمعة وأبرّ والديّ وأتصدق على الفقراء والمساكين فقالت الفتاة له: ما هو التدين إن لم يكن كما وصفت.. فسكت!؟
على المرء أن يقرر من يكون ولا يقبل على نفسه أن يكون هجينا..
قالت إحداهن: كان مواء القطط ينبؤنا بقدوم والدي الذي يطعمها قبل أن يطعمنا فأين العنف الذي اكتسبه من تديّنه، حتى ذبيحة العيد لم يكن ليجهز عليها فقد كان رقيق الفؤاد أسيفا.
جارنا العم صالح مريض بالسكري جيوبه دائما ممتلئة بالحلوى خشية هبوط السكر ولكن الحلوى كانت من نصيبنا نحن أطفال الحي وهو رجل لا يغادر المسجد
إلا لحاجة.
وقس على ذلك السواد الأعظم من المسلمين متدينون بالفطرة( اللهم على ملّة عجائز نيسابور كما قال الأشعري وهو يحتضر) وقل إن شئت بالعادة حتى وإن جهلوا، ولا أقصد بالتدين هنا كمال الإيمان والعمل، وإنما أصل الايمان موجود وهذا الذي يظهر ومع ذلك لم يحملوا سلاحا ولم يتحوّلوا لانتحاريين بأحزمة ناسفة، وأما من شذّ منهم فهم أقلية بالنسبة للغالب والأعم والشاذ لا يقاس عليه.
ونحن في زمن توالت فيه النكبات علينا ؛ حتى أصابنا الخنوع وباتت تموج بنا الأقاويل ذات اليمين وذات الشمال وكأن عقولنا خُمّرت بداء الغفلة حتى غابت عن الوعي ..
ألسنا بحاجة لنسأل قبل أن نسلّم للمعلومة؟
نطلب المصدر ونغربل الصحيح من السقيم ثم نقبل السمين ونطرح الغث (فلترة)؛ ما فائدة العقل إن كان مجرد أداة للاستقبال والتسليم للمعلومة دون تمحيص ؛ يقول المفكر والناقد نعوم تشيومسكي في كشفه لمخططات الغرب الرامية الى استعباد الشعوب “إذا تمَّ التوجه إلى شخص ما كما لو أنه لم يتجاوز بعد الثانية عشرة من عمره، فإنه يتم الإيحاء له بأنه فعلا كذلك؛ وبسبب قابليته للتأثر، من المحتمل، إذن أن تكون إجابته التلقائية أو ردُّ فعله مفرغة من أيِّ حس نقدي كما لو أنه صادر فعلا عن طفل ذي اثني عشر سنة.”
المفروض أن كل إنسان بالغ عاقل مكلّف يملك القدرة على الفهم ناقد والنقد هنا يقصد به تمحيص صلب الموضوع وما يرمي إليه، وليس نقدا شكليا لجمال الكلمات ودلالاتها السطحية؛ ولا يُعذر الجاهل بجهله إلا إذا أغلقت دونه سبل الوصول إلى الحقيقة.
ولنا أسوة في إبراهيم عليه السلام حين قال ((رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)) سورة البقرة؛ وفي الآية التي قبلها قارع حجّة النّمرود بحجّة عقلية فدحضه(( قال إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر)) سورة البقرة.
وهذه المنهجية التي أقرها القرآن وندب إليها في كثير من آي القرآن الكريم : ( أفلا تعقلون ) ،(يذكرون) ، (قل هاتوا برهانكم)، هي السبيل الوحيد لحماية الفرد والمجتمع من الأفكار السلبية الهدامة؛ ليتنا نتعامل مع كل شاردة وواردة بمبدأ ليطمئن قلبي، وليتنا نتحلى بشجاعة الرفض ورفاهية التقويم؛ ربما حينها سنخطو أول خطوة نحو
الريادة.
******
مرام مرام
