عتبة الإبداع...
********
كان يا مكان في سالف الزمان، يوجد على أديم الأرض التي نمشي عليها رجال لهم أعين تشبه ـأوكالتي عندناـ وآذان وأرجل وأيدي تتطابق تماما مع أرجلنا وأيدينا..
نتطابق وإياهم في الشكل فلم يزيدوا علينا بعضو واحد، ومنحوا عقولا كما منحنا عقولا!
وربما مر أحدنا حيث مروا فوقعت حافر قدمه على نفس المكان الذي وطئته ذات يوم قدم أحدهم، وتنفسنا نفس جزيئات الهواء واتحدت أطعمتنا في النوع ك:
التمر.. واللبن..واللحم..
باختصار إنهم يأكلون كما نأكل ويشربون كما نشرب!
كما كانوا مسكونين بطموح عارم نحو الإبداع كما هو حال معشر مثقفينا اليوم!
ففجروا أرض عقولهم إبداعا حتى كاد التاريخ ينشد أو أنشد في محرابهم:
"ليس في الإمكان أبدع مما كان" ليجعل منها -احتراما وإجلالا لعطائهم- قاعدة لا تكاد تنخرم.
فلا يسع التاريخ أن ينسى حين أبدع الصديق بنزوله درجة عن العتبة التي كان يخطب عليها الحبيب صلى الله عليه وسلم أدبا منه، ثم تبعه الفاروق ولما جاء عثمان رضي الله عن الجميع نزل درجة كذلك ثم عاد إلى مكان الفاروق شفقة منه بالأجيال وإكمالا لوجه رسالة الإبداع الآخر ليخلد بذلك رسالة ضرورة الأدب وبعد النظر...!
وما ذاك سوى قطرة في بحر إبداعهم.
ثم أبدع التابعون كالأئمة الأربعة بوضع المناهج الفقهية المسهلة على العوام سلوك الطريق..
ثم أبدع علماء اللغة في النحو كما نحا أبو الأسود الدؤلي حين أمره سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه أن ينحو، وأبدع أهل الحديث كالبخاري ومسلم وغيرهم رحمهم الله في التأسيس والتحري لوضع أسس علومه، ثم أبدع الفراهيدي رحمه الله في العروض، وواصل حقل إبداعهم تتفتق أزهاره في شتى العلوم حتى قدمت الأمة في كل مجال مبدع بنى أهل البحث العلمي من بعده على جهوده:
فكان ابن خلدون في علم الاجتماع وجابر بن حيان وابن سينا...الخ
كما ظلت حقول قرائحهم تتفتق في كل مرة عن إبداع جديد ومفيد:
كالمقامات...
فواصلوا التصنيف في شتى المجالات بأساليب تختلف عن ما سبقها في الشكل-تفاديا للتكرار- وتجاوزه في المضمون سعيا لإضافة جديد.
ففي خضم كل تلك الثروة الفكرية الهائلة وما أريق فيها من حبر كان حادي ركبهم إلى منصة الإبداع ليصعدوا عليها هو:
حب تقديم الخير للناس مما معدنه الخير الخالص.
ومُخرجة ذلك العرض على عتبة مسرح التاريخ هي:
الأخلاق.
ولا شيء سوى الأخلاق.
فكانوا لا يسلكون لتلك المنصة "منصة الإبداع" من الطرق إلا طُرق الخير الصافي الذي لا شية فيه.
بل كانوا يعتبرون كل طريق غير تلك وإن أدت إلى "منصة إبداع" فهي منصة مغشوشة والإبداع منها بريء..
فحين أوتي أبو جعفر المنصور بمبدع ليعرض أمامه إبداعه، فتقدم الغلام وأجرى عرضا في لعبة كان قد تفنن فيها.
قال لهم اذهبوا بالغلام:
وأعطوه مكافأة ثم أجلدوه مائة جلدة!
وفسر ذلك بقوله:
المكافأة لإتقانك العرض والجلد لإضاعتك الوقت فيما لا يفيد.
هكذا كانوا:
لا يمتطون للسير إلى تلك العتبة إلا جياد الخير.
ولكن يا زمان فقد دارت أيامك على ديار القوم فتبدلت السبل غير السبل وسدت أبواب تلك الطرق المؤدية إلى منصة الإبداع التي كان يسلك أهل زمانك ولم يعد "سالكا" منها سوى سبيلا واحدا ابتدعه من جاء بعدهم قد كتب على بابه بالخط العريض:
خالف تعرف.. أو خالف تذكر!
وصار مُخرج العرض على منصة الإبداع:
حب الشهرة!
وباتت صنارة المثقف -التي طالما غذت جياعا من العوام أمثالي- إذا ألقاها ترجع بحملها ويزيد من النقد الجارح لبني جلدته وبقاموس فاحش يفعل بالقارئ ما يفعله شوك سمكة "ياي بوي"(سمكة كثيرة الشوك) بجلد شفتيه..
فدار عقل المثقف عندنا حتى تبدلت أرضه غير الأرض وسماؤه غير السماء فلبس يراعه حلة غير التي كانت عليه، وصار "جسده المخالفة" وروحه الشهرة..
لطفك اللهم بأمة أمرها بين مطرقة مثقفيها وسندان عوامها!
فيا معشر مثقفينا أوغلوا في نقد أحوالنا برفق، وأتركوا لكم من البناء ما تبنون عليه في جولة الإصلاح:
فالإصلاح وصفة ناجعة لشيء قائم أما إذا تهدم كلية انقلب الإصلاح إلى الحاجة في إبداع وخلق شيء جديد!!
أصلح الله للأمة مصلحيها وألهمنا وإياهم الرشاد، وصلى الله على الحبيب وآله وصحبه.
********
الهادي حافظ
