زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قراءةالأستاذ خالد العجماوي في نص قشور للكاتبة زينب الأسدي


قراءة الأستاذ خالد العجماوي في نص قشور للكاتبة زينب الأسدي.

**قراءة من قاريء عادي لنص غير عادي!
**الفكرة صارت جسدا!

ما الذي قد يدفع قارئا عاديا مثلي لكي يكتب عن نص ما؟ 
أقول إني قاريء عادي، لم يتعود أن يغوص في معاني العبارات، أو أن يعمل فكره فيما يقرأ من رموز أو مجازات. وإنما أقرأ بغية المتعة. حتى إذا ما انتهيت من النص أبتسم، وقد شعرت بشيء من الرضا، ثم تراني أذهب إلى نص آخر قاصدا متعة جديدة.
قليلة هي النصوص التي أقف عندها حائرا لأسأل: ترى ما سر تلك المتعة الرائقة التي وجدتها ها هنا؟ أزعم أن القراءة النقدية حرفة، كما أنها تستلزم موهبة، أراني في الحقيقة فاقدا لها. كما أراني غير آبه كي تكون عندي؛ إذ أجدني قارئا كسولا، أروم المتعة وأكتفي بها دون البحث في الأسباب والنتائج.
والنص الذي قصدت الكلام فيه هو من تلك النصوص القليلة، والتي لم تكتف بأن حققت عندي المتعة وحسب، وإنما دفعت فيّ العقل كي يسأل ويفهم حتى بعد أن انتهيت .
"أخبرتكِ كثيرا بخطورة ما تقرأين! الأفكار نطف الكُتّاب، يقذفونها في جوف قارئاتِهم! وها أنت حبلى بفكرة! فكرة فقط! دونكِ المرآة، انظري لا شيء سوى كرشكِ المتدلي!"
كفيلة هذه العبارة كي تجعلك تنتشي فكرا وخيالا واسعا. وهي تبدو عبارة تقريرية وإن كانت تنز بفلسفة كاتبتها العميقة. 
إن الكاتبة تعتقد في أن الأفكار تستطيع التأثير في هذا العالم. بل وترى أن لها قوة وعمقا، بحيث تستطيع أن تخرج من طورها فكرة إلى أن "تتجسد" في هيئة تتحرك وتتنفس. تستلهم الكاتبة قصة العذراء مريم عليها السلام، والتي تساءلت كيف يكون لها ولد ولم يمسسها بشر. يقول النص: "لستُ متزوجة ولا أتذكر أن أحدهم وعدني بالزواج أيضا"
لا تحتاج الأفكار إلى تسعة شهور كي تصبح كائنة في دواخلنا. قد تحتاج إلى أسابيع وربما أيام، بل وربما ساعات.
 "وها هو ذا طفلي تشاركني أنفاسه الكتابة إليكم"
تقول الراوية إن الفكرة صارت جسدا، بل وصارت تتحكم فيما تكتب إلينا منذ تلك اللحظة!
الفكرة غريبة وعجيبة. تصطدم مع واقع الحياة فتصبح في نظر المجتمع مسخا دميما. وأزعم أن الكاتبة ترمي إلى أن كل الأفكار الجديدة الفاعلة في الحياة كانت في البدء مسخا. أو هكذا صورتها عقول الناس قبل أن تصبح عادة أو تصبح من المألوف. انظر إلى أي فكرة فاعلة في التاريخ، ستجدها تعاني كي تبرز إلى العالم. فكرة التوحيد بعد تعدد الألهة؟ فكرة الماركسية كعقيدة اقتصادية مثلا؟ وحتى أفكار الأنبياء، كانت تعد مسوخا حتى كتب الله لها أن تكون هي الفكرة والعقيدة الغالبة.
ترى الكاتبة أن صاحب الفكرة لا بد ينتمي إليها، وتنتمي إليه، وأنه طالما هو صاحبها، فإن عليه أن يحميها كما الأم تحمي وليدها الصغير. يقول النص:
"لم أفكر بالتخلص منه مطلقا، على العكس أشعر بشيء غريب تجاهه؛ تماما بغرابة ولادته. لست حزينة ولا سعيدة أيضا، أنا أعيش حالة مستحدثة لا أظن أحدكم مر بها من قبل، حالة ولدت بولادته. ليس أقبح مني، على الأكثر يشبهني، فقط ظهره محرشف كجلد التماسيح وينتهي بذيل مدبب. وأنا الآن مدركة ما سيعانيه من تهكماتكم"
ترى الكاتبة كذلك إن على الإنسان أن يتقبل أفكار غيره. ليس عليه أن يحكم على فكرة بالموت، او أن يسخر ويتهكم. تقوم الكاتبة بصفعنا إذا ما رفضنا قولتها تلك، بأن تقول في الأخير: كل من لا يتقبل أراء الآخرين، أو لا يتعايش معها، إنما هو في حقيقته كائن بعقول تتدنى لمرتبة الحيوانات وربما الحشرات، حتى وإن كانت تمشي على قدمين!
يقول النص: "كانت الومضة تعني مرور إنسان برأس حيوان قرب المرآة، حمار، كلب، فأرة، بعوضة، ذبابة، أفعى.. يرون وجوههم ويهربون، يوقنون أنهم رأوها هكذا"
إن المارة ها هنا يهربون من وجوههم الحقيقية، والتي تعكس ضيق الأفق والعقل فيهم.
يقول النص كذلك شيئا ملفتا :" تمضي الأيام وطفلي يكبر في اليوم الواحد عاما كاملا" أي أن الفكرة لدى صاحبها تكبر وترسخ رغما عن الجميع، طالما أنه يؤمن بها، ولم يستغن عنها!"
يقول النص في الأخير " الرؤوس التي تعاطفت مع قصة صغيري وحدها كانت رؤوسا إنسانية"
وهنا تنتهي فلسفة النص، والمقولة التي أرادت الكاتبة أن ترسلها إلينا عبر تلك الرموز والإشارات. أقول إنها عبارة بليغة تلك الأخيرة، ولكن كنت أفضل حقيقة لو كان في القصة إشارة لها او تلميحا، دون وضعها كعبارة تقريرية في آخر القصة.
أذكر أني قد علقت في أحد المنتديات فور أن قرأت النص–وأنا مقل في التعليق- فقلت إن النص عالمي، ومذهل. ولاأزال صراحة عند رأيي. كما أنني سعيد بنفسي التي ورغم افتقادها لموهبة النقد تلك، إلا أنها قد استطاعت –بعد كل هذه الأيام- أن تستشف من النص ما كتبته إليكم الآن!

*******

قشور
--------
اِستيقظتُ منذ أيامٍ فقط، وبطني متكورة، منتفخة إلى الحدّ الذي لا يسمح لأي محاولة أن تسترها.
كأنني حُقنتُ بهرمونات محفزة للنمو، ومع جهلي الكامل بالطب لكن ليس إلى الحد الذي يُخفى عليَّ إمكانية إنجاب طفل بليلة وضحاها!
في الوقت الذي هالني منظري؛ لم أكن مهيأة للتفكير إذا ما كان ممكنا لعلم الأجنة؛ اِختصار معاناة تسعة أشهر من الحمل ببضع ساعات، وعلى الأكثر شهرًا واحدًا! 
لكن ها أنا أخبركم؛ بما كان يجب أن يرد بخاطري آنذاك، وفقط.

لستُ متزوجة ولا أتذكر أن أحدهم وعدني بالزواج أيضًا، حتى رغباتي ضمرتْ منذ زمن ليس بالقصير، ولم أعد أجرؤ على اشتهاء أحدهم .. مهما أعجبني. شكلي الدميم لا يصلح سوى للتهكم والسخرية -كما يقولون دائما- .

صديقي المقرَّب؛ لم يكن طبيبًا لأهرع له كما هي عادتي، كلما واجهتني مشكلة، نعم كان حصيفًا بتهويل مشاكلي مهما بدتْ تافهة؛ فقط ليبدو بطلا عندما يخرجني منها.
ولكن هذه كيف .. ها كيف؟!
أنا حامل.. ليستْ مزحة! أتلمس بطني لأتاكد أنني لا أحلم، أصرخ: لا، أنا حامل!
- أخبرتكِ كثيرًا بخطورة ما تقرئين.
الأفكار نطفُ الكتّاب، يقذفونها في أجواف قارئاتِهم!
وها أنت حبلى بفكرة .. فكرة فقط .. دونكِ المرآة، اِنظري. لا شيء سوى كرشكِ المتدلي!

أرمي بهاتفي، أهرع إلى المرآة متيقنة؛ بأنني سأعود، وأشتمه، لأنني سأرى فضيحتي، سأرى أبي وهو يشنقني .. وأخي وهو يجأر:
لطالما أخبرتكَ أنها ساقطة.
مرآتي تبعد أقداما عن سريري لكن الطريق إليها صار طويلا، طويلا جدًا كالجري في مسار دائري، قُذفتُ إليه من الأعلى، لا نقطة تؤكد الوصول مطلقًا.
مغمضة كي لا أرى ما كنتُ متأكدة منه! أحس بلهاثي واضحًا في المرآة، وأنفاسي تكاد تهشمها.
-جبانة!
حقًا لم أرَ سوى كرشي المتهدّل!

مر الوقت بطريقة لا أعرفها من قبل، لا أعلم كيف جرى كل ما جرى... هو حصل وفقط!
وها هو ذا طفلي تشاركني أنفاسه الكتابة إليكم.

أثناء وضعي له؛ لم أكن قادرة على ترجمة تعابير الممرضة التي أخرجته، لكنها كانت أقرب إلى الاشمئزاز.
أردت أن أعرف لماذا، أرفع رأسي لأنظر من أعلى ساقيَّ المنثنيتين على السرير.
لم أسمع صرختة، كما حال حديثي الولادة، ربما ميّتا ترمي به لأخرى، تخرج فزعة من الصالة، وأنا أشاهد كل ذلك بشكل ضبابي.
وليدي كان صامتًا، شقيًّا، يتلاعب بهم، كان ينتظر أن تضربه إحداهن ليصرخ.
سمعتُ صوتًا .. لم يكن صراخًا .. ولا بكاءً، وليس أي شيء أعرفه، نغمة جديدة تتغلغل في أذني لأول مرة!
كان بلا قفا؛ هي فقط شدّت ذيله ليصدر ذلك الصوت اللا مألوف!
تهمس بأذني، وهي تضعه بجانبي:
أكنتِ هادئة بهذا الشكل المريب؛ لأنك متيقنة بأنك ستلدين مسخًا؟! حتى من تنجب نملة ستولول!

لم أفكر بالتخلص منه مطلقًا، على العكس أشعر بشيء غريب تجاهه؛ تماما بغرابة ولادته.
لست حزينة ولا سعيدة أيضا، أنا أعيش حالة مستحدثة لا أظن أحدكم مر بها من قبل، حالة ولدت بولادته.
ليس أقبح مني، على الأكثر يشبهني، فقط ظهره محرشف كجلد التماسيح وينتهي بذيل مدبب.
وأنا الآن مدركة ما سيعانيه من تهكماتكم.
ولكن لا أستبعد أيضا أن هناك من سيتعاطف معه؛ لذا أنا ماضية بمشروع هندسي سأقترحه على أمانة العاصمة.
سأنهي حديثي الآن وستعرفون كل شيء بأنفسكم لاحقا.

بعد أن استحصلت الموافقات الروتينية؛ باشرت بخطة مشروع ظاهرهُ تزيين المدينة بمرايا ملفتة، وجميلة، تستقطب المارة، تبدو ككل المرايا، وباطنها ستكون مصممة بمواصفات ترضي غاية في نفسي.

تمضي الأيام وطفلي يكبر في اليوم الواحد عاما كاملا، جالسا بقربي نلتقط الإشارات في غرفة التحكم، كانت الومضة تعني مرور إنسان برأس حيوان قرب المرآة، حمار، كلب، فأرة، بعوضة، ذبابة، أفعى.. يرون وجوههم ويهربون، يوقنون أنهم رأوها هكذا...
صار كل واحد منهم يتمنى أن يعرف كيف رأى ذاك وجهه هو الآخر.
كانت الإشارات متفاوتة، تومض مسجلة أعلى حد للعقول، والوجوه الحيوانية المستحمرة والمستذئبة...
أفتش بين الصور المكتظة بشغف؛ علني ألمح وهجًا لوجوهٍ إنسانية.

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية