علامة تعجب
******
هناك أمور سلبية كثيرة تراها العين ويعيها العقل في عالمنا الافتراضي ثم يكون من الحكمة أن نترك ما لا يعنينا، من باب الرفق والتلطف أو من باب الحرج حتى نوفر الجدل غير المثمر ومن ثم نوفر الوقت المهدر لشيء أجدر.
من هذه السلبيات التي تتواتر بين الحين والحين أنك تقرأ منشورا يحمل هذه المعاني؛
-سأقوم بتصفية صفحتي من أي صديق لا يتفاعل مع منشوراتي
- عندي ٱلاف الأصدقاء ومع ذلك لا يتفاعل مع منشوراتي إلا بضع عشرات لذلك من لا تروقه منشوراتي فليلغ الصداقة أفضل لي وله
- تحية للذين يتابعون في صمت، متى نسمع ٱراءكم؟
- إن كنت لا تتفق مع فكري ولا يعجبك كتاباتي فلتذهب إلى الجحيم..
وعلى شاكلة هذا كثير..
هذه السلوكيات بالنسبة لي هي محل رفض شكلا ومضمونا لعدة أسباب سأحاول اختصارها فيما يلي؛
أولا؛ نحن لا نقدم للأصدقاء صدقات تحييهم حتى نتعامل معهم بهذا الترفع والتأنق، إنما نقدم لهم منتجا ثقافيا فكريا وأدبيا، ولهم كل الحق في قبوله أو الإعراض عنه.
سأقدم مثلا شديد البساطة لذلك، هب أن الناشر يقدم نصا عن لوعة الفراق وٱهات الفقد، وأنا كقارئ غير مهتم بهذا الشعور الٱن، قد أكون مهتما بلقمة العيش مثلا وأرى كتابتك في أعلى درجات الترفيه، قد أكون لا أعاني ويلات الحب أصلا فكيف أهتم لفكرتك؟
ومثل ذلك الذي ينشر فكرة الفقر والجهل، وبعض قرائه غير مكترثين بها الٱن فمنهم المسافر والمحتقن بحياته الاجتماعية، أو المنعم الذي لا يشعر بالفقر أصلا.
ثانيا؛ كان الأولى أن يقدم الناشر منتجه تبرعا بغرض الإسهام في المثاقفة والتنوير، وألا يفرضه عنوة على المستهلك، وألا يهدد بإلغاء صداقة، فالتهديد سيجعلني أعاجل الناشر بإلغاء الصداقة لأن الاهتمام لا يُطلب.
ثالثا؛ أيها الناشر ثق تماما أن ما تتفضل بتقديمه قد سبقك إليه غيرك وسيلحقك غيرك بطرحه، بأشكال متنوعة وكل بحسب فكره ولغته، وأنت بذلك لا تقدم بضاعة نادرة بل قد تكون بضاعتك مزجاة وإلا لما أعرض عنها الناس.
رابعا؛ كل منا قد أصبح مكبلا بالقيود من أول قيد الوقت، حتى قيد الزحام الفكري داخل كل عقل، ومن ثم يبرز فكر الأولويات، سأقدم الأهم على المهم، وأقدم المهم على الواجب، وأقدم الواجب على الترفيه، وبناء عليه لا ينقصني قيدك الجديد بأن تلزمني بمتابعتك، فلتذهب في أمان الله ورعايته وليس إلى الجحيم كما تتمنى لغيرك.
خامسا؛ لماذا تشغل نفسك بأعداد المتابعين والمسبحين بٱلاء حروفك في الوقت الذي كان يجدر بك الانشغال بترقية منتجك الثقافي هذا؟
اؤكد لك أيها الناشر أن منتجك لن يخرج عن هذه التصنيفات..
١/ منتج عالي القيمة واللغة.. وفي هذه الحالة لا تعبأ بمن ترك منتجك فإما تركه لسطحيته هو، أو تركه لضيق وقته، أو قرأه في صمت واستفاد وشكر الله لك، أو حتى تركه حسدا وغيرة
٢/ منتج متوسط القيمة يوجد على شاكلته كم كبير، ومن ثم فلا تستطيع لوم القارئ إذا أعرض، بل اشتغل على تنمية قلمك.
٣/ منتج ركيك مبتذل كان عليك أن تصفق للقارئ الذي أعرض عنه وتشكره لأنه يقدم لك خدمة عظيمة، سيدفعك ذلك يوما ما إلى الاجتهاد حتى ترفع من قيمة ما تقدم، أو قد يجعلك تتعرف على مستواك وأنك الٱن لا تملك قلما صالحا للكتابة فتتراجع مؤقتا أو للأبد وفي كل خير.
أخيرا..
ليس بالتفاعل وحده ستتحدد قيمة منتجك، ليس بالمسابقات فقط تتعرف على مستواك، ثم احذر انحدار الذوق العام لئلا يضللك عن الجادة، واعلم أنك بحاجة إلى القراء أكثر من حاجتهم إليك، ولتكن لديك قناعة الكيف لا الكم، فإذا طرحت منتجك وتقبله قارئ واحد واع ومثقف بقبول حسن.. فقد نجح منتجك وأضاف، ولا يغرنَّك قوائم التعليقات الطويلة أو تحبطنَّك الأعداد القليلة.
وهذه مجرد دعوة لمراجعة الرؤية ووضع الأمور في نصابها، فإن عملت بها أيها الناشر فبها ونعم، أنت حر تماما كما أن القارئ حر!
*******
سيد عفيفي
