قارئة الكفّ
******
طرق بابها ،و دخل مقبّلا رأسها ،جاثيا على ركبتيه مستأنسا بسحر نظراتها الثٌاقبة.
مدّ يده إليها منتظرا منها أن تقرأ كفّه
ربتت على كتفه تلك العجوز الحكيمة ،و مسحت برفق على يده، وراحت تداعبها بأناملها الخشنة في قوّة كبيرة .
صمتت لبرهة، و أخذت نفسا عميقا مستحضرة أسرار الحياة و تراكمات السّنين.
قالت له :
ما لقيت في الوجود فلسفة أكبر من فلسفة الإكتئاب.
عجيبة هي لدرجة لا يمكن تصوّرها. تقف اللغة أمامها حائرة في وصفها .
رغم غرابتها ،إلاّ أنّك تألفها بشكل رهيب،ألفة غامضة.
فأنت لا تعتادها، وفي ذات الوقت لا تستطيع التخلّص منها،
والأغرب من الغريب يا صديقي ،
أنّك لا تقبل حلولها ،ولا أنت ترفض غيابها ، بسبب بنيتها التركيبيّة، وما يعتريها من عيب يجعلها تعشقك عشقا كالضّيف الثٌقيل، الذي يحلّ عليك فجأة، ويمكث أيّام طولا حتّى يصيٌرك بدوره ضيفا عليه
يا لل..........!!!!! لا عبارة مناسبة ....
ستلتحمان معا ،وتهجعان معا إلى خلوتكما ،وتذوبان في بعضكما حتّى تصبحها فتنساك، و تنسى كيف كنت قبل أن تتقمصّها
تغريك هي إغراء، لم تشهد له مثيلا أبدا.
ستحمل في رحمك ثمرة الوجع ،ثمنا لهذه الزّيجة المختلفة و الّتي عقدتَّ فيها قرانك معها ،بشهادة كلّ من أناك و فلسفته اللاّمنتهية
فكان الإنتظار في كل هذا ،هو سيد العارفين
إنتظار يدفعك من فرط طوله السّعي خلفه،لدرجة أنّك كلّما تبعته إلى فضاء ...ينتهي بك المطاف في درب من التسآؤلات الّتي لا جواب مقنع لها .
وهكذا هي رحلتك في الوجود مع الإكتئاب
مطاردة هي، كما قيل لبداية الضّوء في حدود الظّل .
تلوح أنت بفكرك للنّوارس المقيّدة ،بالحيرة في زنزانة ما بين الحريٌة و السّجن.
فلا هي تعطيك برد اليأس فتقتلك ، و لا هي تعطيك دفء اللّقاء فتحييك.
ستصل بعدها إلى مرحلة ما.
فكما ترى لم تعد تأسى لفقد أحد، ولم تعد حتّى خيبة ظنّك فيمن طعنك ،وغدر بك تعنيك
لأنّه ما من خيبة يا صديقي مؤلمة بعد الآن
وقد خاب ظنّك فيك ....
********
ريم سنوسي
