أمي
******
في بيتِنا لا نعرفُ متى يأتي العيد، تتوهُ منا التّواريخ..
فأبي ثملٌ دائمًا، وأمّي لا تتوقفُ عن العَمل..
أخي الصغيرُ لديه شللُ أطفال
والكبيرُ لا يعودُ للبيتِ قبلَ الفَجر؛ فينام.
أختي الكبيرةُ عمياءَ منذُ ضَربها أبي بالعَصا على رأسها، والصغيرةُ أصابها الخرسُ خوفًا؛ من يومها..
أجلسُ بجانبِ روزنامَة الحياة،
كلّما مزقْتُ ورقةً ابتلعتُها، علِّي أحفظُ التواريخَ وأسماءَ الأيام..
نافذةُ حُجرتي_ التي أتقاسمُها مع إخوتي_ عاريةٌ من المناظر، تُطلُّ على حائطِ جارِنا المُجاور، كثيرًا ما أسمعُ الحائطَ يبكي؛ كلّما ضربهُ برأسِ زوجتِه.
نسيتُ أن أعرّفكُم بِنفسي..
أنا إسحاق الولدُ العاقُ لأبيه البارَّ بأمه
أشتهرُ بانْطوائِيتي..
أساعدُ أمي بتنظيفِ بيوتِ الأغنياء
لا أترُكها أبدًا..
أنا كالمُحرِم عليها حين تُغادر البيت..
أكره حين تأمرها السّيدات الثّريات بأخذ بقايا الطّعام للقُمامة لتأكله القِطط، لكن أمي تحتفظُ به في جيوبِ معطفِها البالي؛ فلديها في البَيت الكثيرُ من القطط..
وجه أمي حزينٌ دائمًا، لا يعرفُ الضّحك ولا حتى كيفيّة الإبتسام، أظن أنّ أبي من سرقَ ضِحكتها ذات غفلة، وباعَها كما باع مُعظم حواسّها، أذكر أنّها كانت مضيئةً تضيء لنا البيتَ في صغري، من يومِها بِتنا على العتمة، " ترى كم كان ثمنُها؛ ضِحكة أمي"؟
أبي يقيمُ في الحَانة أكثرَ من البيت، تطردُه الحانةُ قبيل الفَجر، فهي أيضا تكرهُه، يساعدُه ظلُّه المترنِّح على الوصول.
بابُنا الخشبي فيه عشرَة أعين كل واحدةٍ ترمقهُ بمقت لكنّه يُفتحُ على مِصراعيه أمامَه؛ قبل أن يركِله.
نحنُ نأكل وجبةً واحدةً في بدايةِ اليوم
حين تولدُ الشّمس يولدُ طعامنا..
رغيفُ خبزٍ مقسّمٌ بين ستّة أشخاصٍ بالتّساوي
إبريقُ شايٍ مُرِّ المذاق فنحن لا نعرفُ السّكر،
مصفرُّ اللّون كوجهِ أمي، لكنّه لذيذٌ جدًا..
أمّي لا تجوعُ أبدًا لكنني أسمعُها في الليل تقضُم أظافرها وترتشف دموعها.
أبي يحتلُّ حجرةً كاملة، يضاجعُ سريرهُ كل أسبوعٍ مرة
فهو يكره أجسادَ النّساء..
يقول أن أفكارهُن مترهّلةٌ كوجهِه
ورائحةُ الثّوم والبصلِ عالقةٌ في ملابسِهن..
أمي تنامُ واقفة، تقولُ أنها ترتاحُ هكذا
فأختاي تنامانِ على فراشها..
أمي جميلةٌ كالقمر لديها ليلٌ كثيفٌ على رأسها
تصنع منه حبلًا طويلًا جدًّا تلفه على شكل قطعةٍ من الدونات..
هناكَ شامةٌ وقحةٌ تَربضُ على خدّها الأيمن قريبةٌ من ثغرها، أشكّ أنها تلثُمه كلّما غفت.
حينَ يشتهي أبي أكلَ البَيض يلعبُ القِمار مع جارِنا،
عشرُ بيضاتٍ مقابلَ أن تنظّفَ أمّي مَنزِله..
دائمًا يخسرُ أبي وتبكي أمي؛ فجارُنا زيرُ نساء.
أتساءلُ بما كان يفكّرُ جدّي وماذا وجدَ في أبي حتى يعطيه اسم يوسف..
أبي لا إخوةَ لديه وليسَ مليحَ الوجه رائحتُه كجيفةٍ متعفنة فهو لا يغتسل أبدًا..
ما ذنبُ الأنبياء كي نطلق أسماءهم على حُثالة البشر
ليتَ هذا الفعل كان محرّمًا.
اليومُ هو العيد لقد سحبتُ الورقة الأخيرَة من الروزنامة بالأمس، أخبرتُ أمي أن تصنعَ لنا الكعكَ في الغد..
لا رائحةَ للكعك هذا الصّباح، التّنور ما زال باردًا، والعجينُ ممتلئ بالأعين الجاحِظة..
أمي يتدلّى جسدُها من سقفِ المطبخ، وأبي يضحكُ في حُجرته كالمجنون؛ وجهه ملطّخ بالعجين.
*********
🖋🦋تناهيد عبد الرحمن
