زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

دراسة نقدية بقلم أ. سهيلة بن حسن حرم حماد لقصة إبحار في شاطئ الذكريات

دراسة نقدية للقصّة القصيرة " إبحار في شاطئ الذّكريات" للأستاذة ليلى المرّاني من العراق بعنوان : "قوة الإخراج المسرحي والعين الثّالثة في النّص القصصي"
بقلم أ. سهيلة بن حسين حرم حماد
===============
==================
النّص:

 إبحارٌ في شاطئ الذكريات… قصة قصيرة
             ليلى عبدالواحد المرّاني 

بحركة رشيقة أزاحت شعرها الليلكيّ الطويل إلى الوراء، ثمّ سحبت خصلةً متمرّدة بدلال، لتنسدل على صدرها، نثرت نظراتها بغنج على الحاضرين الذين جاؤوا ليحتفلوا بشاعرهم، وبصوتٍ أودعته كلّ أنوثتها قالت:
- بعد أن نلنا شرف الاحتفال بشاعرنا الكبير، شاعر الحب والرومانسية، بمناسبة صدور ديوانه السادس، الذي يحمل، كما عوّدنا شاعرنا الملهم، ثمانين قصيدة حبّ…
 قاطعها المعجبون، خصوصاً المعجبات منهم؛ بتصفيق حار. اعتدل الشاعر الستيني المتأنّق بجلسته، وألقى نظرة زهو وانتشاء على زوجته التي تجاهلته كاتمةً غيظها وذكرياتها عن مغامراته، التي ما يزال يؤرشفها أشعاراً، تصل حدّ البوح بأدقّ التفاصيل… 
- والآن ضيوفي الكرام… 
واصلت ذات الشعر الذي سرق من الليل حلكته 
- سأطلب من شاعرنا المتألّق أن يتفضّل إلى المنصّة لنحلّق معه إلى النجوم 
بحركةٍ لا تزال تحمل شيئاً من رشاقته التي ، حيّا الحاضرين بابتسامةٍ عذبة وانحناءة رأس رشيقة، اعتلى خشبة المسرح، هدوء عميق ساد قاعة الاحتفال، وأحلام مراهقات صغيرات رفرفت متلهّفةً تنتظر همسات الحب والاحتراق عشقاً، انطلق صوته يحمل رنيناً يأخذ الألباب، يغمض عينيه، يحلّق بأجنحة أشعاره، عريفة الحفل تحلّق معه منتشيةً… حين توقّف سحبت نفساً عميقاً وصوّبت نظراتها الناعسة إليه.
- لي طلب، لو سمحت، شاعرنا المتألق.
يبتسم متلذّذاً بأنوثتها الطاغية تسكبها عسلًا في صوتها السّاحر…
- كلّ طلباتك مستجابة...
يضحك الحاضرون، ويعلو تصفيقهم من جديد
- حبّذا لو تشنّف آذاننا ببعضٍ من قصائدك القديمة في الحب، تلك التي كتبتها لحبيبتك الأولى، التي خلّدتها فيها…
طافت نظرة حزينة في عينيه، تداركها بابتسامةٍ واهنة حين استشعر غيظ زوجته وهي ترميه بسياط نظراتها الملتهبة…
- آسفة، إن كان الأمر يسبب لك حرجاً…
قاطعها مسرعاً
- أبدأ… مقتطفات من تلك القصائد سألقيها
صوته اكتسى نغمةً دافئةً جديدة، كزقزقة العصافير همساته تنساب بدفق عذب، يشوبه الألم:
" لو شفتايَ الآن تسكرانْ
على شواطيكِ
لو كلّ أغصان كرومي عرّشتْ فيكِ
وأترعت كأسكِ بالحنانْ…"
علت بعض التنهدات، وساد جوّ القاعة هدوء قدسيّ… حين انساب صوت عريفة الحفل، حالماً هو الآخر، قاطعاً ذلك التواصل السرمديّ…
- والآن حضورنا الكرام، لديّ مفاجأة، لشاعرنا، ولكم أيضاً 
علت همهمات مستفهمة، ومدّ الشاعر عنقه حتى وصلت أنفاسه متسائلةً إلى أذني الحسناء، عريفة الحفل.
- معنا اليوم ملهمة شاعرنا الأولى، التي قلّد جيدها بأجمل قصائد الحب
فغر الشاعر فاهه، ارتجفت شفتاه، أمسك بحافّة المنضدة مستعينا كي يضبط إيقاع جسده، تبعثرت نظراته على وجوه الحاضرين، تبحث عن إشراقة وجهها، تلك التي هام فيها عشقاً، وكتب فيها مئات القصائد على مدار أربع سنوات، حتى أصبحا أشهر عاشقين في الجامعة...
- أستاذة ناهدة، هل تتفضلين معنا هنا…؟
كانت تجلس في الصف الأول مع زوجها، ارتبكت، اكتسى وجهها بشحوب موتى، نظرت إلى زوجها مستنجدةً، رغم وقع المفاجأة عليه، ضغط على يدها وساعدها في النهوض، اشرأبّت الأعناق مستطلعة، وانطلقت همهمات من هنا وهناك، عدّلت نظارتها الطبيّة، وبحركةٍ لا إراديّة راحت تسوّي خصلات شعرها المتبقّية بعد أن أجهز عليها العلاج الكيمياوي، نحيلةً أصبحت حدّ التقشّف، لوّحت بيدها محيّية، وابتسامة منهكة ترتجف فوق شفتيها…
مبتهجةً لتسديد هدفها في المرمى، ابتسمت الشابة المرحة وهي تنظر بثبات في عينيّ الشاعر اللتين اغرورقتا بالدموع…
- مرحبا أستاذ… 
تسلّل صوت ملاك الأمس، ضعيفاً مرتجفا، إلى مسامعه، نظراته ملتاعةً مزّقت ما تبقّى من مقاومتها، انحنى لها محيّيا بابتسامةٍ تحتضر… صفّق الحاضرون بحرارةٍ وهم يتابعون هذا المشهد الحزين، وهوى رأس الزوج بين كتفيه…
تحشرج صوت الشاعر، محاولا أن يشكر الشابة التي تبتسم له بانتشاءٍ، حين عاد إلى مجلسه، مبتلعاً صدمته ونظرات زوجته الشامتة؛ التفت يبحث عنها، لم يجد غير ديوان شعره الأخير ملقىً على كرسيّها الفارغ…⛳⛳⛳

===============
==================

القراءة :

العتبات: 
العنوان: إبحارٌ في شاطئ الذّكريات… قصة قصيرة
             ليلى عبدالواحد المرّاني 

جاء العنوان بمثابة آفيش ملصق إعلاني لفيلم سينمائي على شكل مبتدإ وخبر.
كلّ عنصر يشكّل وحده عالما بذاته مكثّف الصّورة والدّلالة سواء كان المبتدأ "إبحار" أم ال"شاطئ" أم الذّكريات " ... 
الإبحار مصدر لفعل أبحر ويفيد معنى ركوب البحر والسّفر بالقارب أو السّفينة أو غيرها، والبحر يحمل في طيّاته، سرّا، ومغامرة، و إمكانية فقد وعالما مليئا بالحياة والموت والصّراع ..داخله مفقود والخارج منه مولود ...
يصدمنا الخبر بأنّ البحر شاطئ أي أنّ الرّحلة آمنة باعتبار أنّ الإبحار سيكون "في شاطئ الذّكريات ..."
أي أنّ الكاتبة ستلج بنا ماض عبر نافذة الزّمن لتخترق بنا أزمنة وعالما من الذّكريات عبر القصّ ...

العتبات: تستهلّ السّاردة القصّة بوصف أنثى تتهيّأ في غنج للحديث، فتصفها بدقّة متناهيّة مرتكزة على الفعل والحركة "أزاحت" "سحبت" 
 "نثرت" "جاؤوا "ل"يحتفلوا" أودعت"ه.

"بحركة رشيقة أزاحت شعرها الليلكيّ الطّويل إلى الوراء، ثمّ سحبت خصلةً متمرّدة بدلال، لتنسدل على صدرها، نثرت نظراتها بغنج على الحاضرين الذين جاؤوا ليحتفلوا بشاعرهم، وبصوتٍ أودعته كلّ أنوثتها قالت:"
هذا الوصف أعطانا لمحة عن البيئة والإطار العام نحن أمام حشد من الحضور جاؤوا للاحتفال بشاعرهم  

مبدئيا كلّ المتوفّر لم يوضّح لنا إن كانت الأنثى المتغنّجة التي تعمّد السّارد وصفها من المدعوّات أم منشّطة الحفلة لغياب( المكروفون )، وصف وظّف التّسجيلي والإنشائي، والإيحائي لللإثارة والإغراء وظّف الصّوت والجسد كمدخل وبوّابة يتماشى مع الشّاطى والحياة والغنج .. لمزيد شدّ انتباه المتلقّي 

الخاتمة أو القفلة:

"تحشرج صوت الشّاعر، محاولا أن يشكر الشّابة، التي تبتسم له بانتشاءٍ، حين عاد إلى مجلسه، مبتلعاً صدمته ونظرات زوجته الشّامتة؛ التفت يبحث عنها، لم يجد غير ديوان شعره الأخير ملقىً على كرسيّها الفارغ…"

كما تلاحظون: الفقرة محاصرة بفعل مزيد " تحشرج" استدعاه السّارد العليم، من عالم الإحتضار و التّهيؤ للرّحيل، والفقد، و الموت، وعالم الأشباح، من خلال "الكرسي الفارغ " 
ما يدعم طرحنا هذا هو الجملة التّالية " التفت يبحث عنها لم يجد غير ديوان شعره الأخير ملقى على كرسيّها الفارغ"
إذا، الماثلة أمامه، كانت من المدعوات لم تكن وهما، وسرابا، ضيفة، حاضرة جاءت مع مرآة الذّاكرة التي خلّدها في ديوانه والتي صدمت من فعل مقدّمة الاحتفال التي باغتتها فلم تقبل بالموقف الذي سبّب لها إحراجا ، رغم أنّ زوجها بدا متماسكا، كيّسا، متحضّرا، فتركت الدّيوان محلّها حفاظا على مشاعر زوجها، وغادرت القاعة، لتقطع حبل التّواصل مع ذكريات كانت قطعتها بفعل زواجها، غادرت لتخرس الألسن، في مجتمع شرقي، ربّما، ولكن الأكيد أنّ واقعا آخر بدأ ينسج إذ أطلعنا على حبيبة لم يتفطّن إليها العاشق المغرم، ولم يكتب عنها في ديوانه، ذلك أنّه كان مفتونا بحبيبته، التي فضّلت غيره ؟ أم أُجبرت بقبوله؟ ذلك ما لم تُطلعنا عليه القاصّة، والسّاردة حتى لا تطيل علينا، إذ لم تشأ ان تثقل كاهل القصّة بأحداث لا تزيد ولا تفيد السّرد ولا يؤثر نقصانه على الحكائيّة... فانتقمت منهما بطريقتها لتشفي غليلها أوّلا، فأشفت بصنيعها غليل الزّوجة الخائبة المقهورة في مشاعرها، من حيث لا تشعر، التي فرحت بدورها بكسبها العظيم، وانتصارها على الجميع، ذلك أنّها هي التي ظفرت به قدرا مقدّرا رغما عن مشيئة الكلّ..بفضل صبرها وإيمانها 
ل"تشفي صدور قوم مؤمنين"..

١
نص بني على إيقاع الحاضر، والماضي، على الذهاب، والإياب، والتّجوال، والإبحار، وعلى التّفاوض، والإبطاء، وعند الوقف، وسبر أغوار النّفس، والمشاعر وجبر، المكسور ..
والقفز "على مدار أربع سنوات" والاسترداد "حتى أصبحا أشهر عاشقين في الجامعة" على صدق المشاعر، والوهم والإيهام على التّلخيص بالإيجاز بالحذف وعدم الحشو، وحسن اختيار اللّفظ المؤدي للغرض "بشحوب موتي"على الصّدمة البانورامية، على الزوج، والزوجة، والحبيبة، وزوجها، وعلى الحضور وعلى القارئ، في حضورها للعرض وتواجدها مع زوجها، و كذلك في مغادرتها، من دون إعلام، من السّاردة، لمشاغبة القارىء، و زيادة توتّره، خاصّة بتركها الدّيوان، على كرسيّها، متجنّبة الصّدام، بالانسحاب من حلبة الميدان، و"وقع المفجأة عليه "، انبنى على الصّراع بين القدر، والمقدّر، على الاختيار، على تمثيليّة تصوّر الآني، مسرح ظلال يعبُر به إلى الخيَال، إلى الذّكريات، إلى عالم الخلود، إلى حيث يريد أن يكون، كما يريدأن يكون، نرى السّاردة ربطت الحاضر بالماضي المريض، المتمثّل في الحبيبة على مرآة الحاضر، فعكست عليها "خصلات شعرها"، أي المريضة، وحركتها في الاستهلال، على (المقدّمة المنشّطة) للاحتفال بالشّاعر، موضوع التّكريم، تلك المفعمة بالحياة استشرافا، لمسقبل أفضل،. لديوان حياة أجمل، بديلة للهي تلك التي، أبدعها في شعره قلادة، كبّلت وجده ووجدانه، وطوّقت فضاءه،حاضره، ومستقبله، وصيّرته ركحا، يتحرّك فيه( أي الشّاعر)،و الهي لوحدهما، تحت ضوء الذّاكرة، تلك الهي، التي تركت له ديوانه ، بجانبه على كرسيّ، فارغ، معنًى حمّال أوجهٍ، لعلّ ابرزه الظّاهر، كما قرأته الزوجة، الشّامتة، بأن معبودته، التي تخلّت عنه، ربّما أيضا تركت الماضي على الكرسي، ومضت، حتى لا تثير الشّكوك حول إمكانيّة خيانة، ونحن في مجتمع شرقي، وما يحيط به من تباعيّات تمسّ بالخلق والأخلاق، وربّما أيضا أنّها تطمح في الخلود هناك،في عالم السّرمد عالم الخلود، علّها هي الأخرى تحمله بين الضّلوع وتحت الجفون، و قد تخاف على حبّهماالقديم، من نسمة ريح تزعزعه، لذلك آثرت المغادرة، خاصة وأن سيف السّياّف الجلّاد على رقبتها ينتظر، اللّحظة الصّفر لتنفيذ حكم الموت، الهي تلك التي رغم غيابها في حياته، كانت قصائد في ديوانه، و طاقة، خارقة، خلّاقة وهّاجة،لفتت إليها أنظار الحضور، عن طريق منشّطة الاحتفال، الماكرة والمقدّمة، ولولا مناسبة الاحتفال هذه، لما شعر بها أحد ..غير طلّاب الأمس في الجامعة ومن يعرفهما في السّابق ....
فالكلمة فاضحة، و خالدة، وهي أيضا جسد وروح، وإن كانت صورة عن الشّيء المنطوق، المتّفق عليه، ضمن المنظومة اللّغوية، المعتمدة، من قبل مجموعة بعينها، وليس الشّيء بذاته وبالرّغم من ذلك فقد نجحت الكلمة عن طرق السّرد والحوار في قدح الأذهان بحيث انسجمت مع المعروض، وتعالقت مع القرّاء تفاوض، وتُستنطق، وتجيب، وتماطل، وتراوغ وتتمنع، وتتلظّى، متخذة من الجسد الفعل عنوان الحياة في الدّنيا، المبني على حركة الفعل وعلى طاقته الإبداعيّة، فكان الانسجام والتّناسق بين إيقاع النّص، الدّاخلي والخارجي وبين الأضداد والمترادفات كالصّراع على الحياة والصّلح والانتشاء والحقد، بين الهي الزوجة والهي العشيقة المريضة الحاضرة بالحفل مع زوجها جثة هدها المرض وانهكها زادها فضول الحضور قلقا ورهبة بدت كأنها تتأهّب للرّحيل إلى الهناك إلى الأزل وكأنها تريد الفرار من عالم الأشباح إلى عالم الخلود حيث البعث من جديد إلى حيث يمكنها تحقيق ما أخفقت فيه في الهنا. فبين الماضي والحاضر، بين الرّغبة والرّضى بين الاختيار والاستسلام، تنفتح القصّة على قصائد حياة أخرى، لمعنى جديد آخر غير الذي نظّم من أجله الاحتفال، كما يجب أن تكون، سرمديّ ربما أبديّ خالد تماهي إشراقة الزّمان، إشراقة وجه الحبيبة على وجوه الحاضرين ..في بعد آخر بانورامي الأبعاد والتفضية والثّنائيات الضدية...

2

رصدت حدثا وأدارته بشكل جيّد، فهيّأت له كل مقوّمات النّجاح المسبق، واللّاحق، وقد تجلّى ذلك ، من خلال امتلائها بالفكرة، التي جنبتها الوقوع في ورطة الإرباك، كذلك حسن اختيارها للموضوع، وإبداعها، في تقمّص أبطالها لأدوارهم، و مقدرة ساردها العليم، في متابعة التفاصيل والجزئيّات, 
 فوضعت في خدمته كلّ خبرتها، ومعارفها، لبناء القصّة القصيرة، بدءا من الفكرة، و المخطّط، و البناء، و اللّغة، و القالب، والزّمن، والوصف، والمكان، والشّخصيّات، مرورا إلى القواعد، انطلاقا من (الوحدة والتّكثيف الإحكام، والصراع والصّدق والتّشويق والحبكة)، بحيث افتعلت صراعا، بدا مأزقا يصعب الخروج منه، غير أنّها استطاعت أن تديره باقتدار، وحنكة، في حبكة ماهرة، بحيث حافظت على العلاقة المنطقيّة، بين السّبب والنّتيجة، من خلال التّشويق، الذي جعل القارئء يتعاطف مع الحبيبة، التي أنهكها المرض، بشكل جعلها هيكلا، من دون أن يغيب عن القاصّة تسليط الضّوء على الظّلم، الواقع على زوجة الشاعر ، ومن خلالها على عدد كبير من النّساء زوجات النّجوم اللّاتي تكتشفن بعد زواجهن أنّ زوجها يتقاسمنه معها نساء أخريات، كثيرات.من المعجبات، وقد حرصت القاصّة ليلى مرّاني على أن يكون الجمهور ضابطَ إيقاع، وشاهدا وراصدا لكلّ حركات وساكنات كلّ من الشّاعر وغريمه، والامرأتان الزّوجة، و محبوبة زوجها، عشيقته الأوّلى. الساكنة بديوانه الأوّل ..

*فكان الزّمن: 

واقعا بين الحاضر والماضي أفعالا، توقّفا وإبطاءً حاضرا وارتدادا واستردادا وإبحارا في شاطى ذكرياتً، وصدمة، ومفاجأة، وابتسامة، وانتشاءً،،ب"الحركة التي لا تزال تحمل شيئا من رشاقته" ومن" رنين يأخذ الألباب" ومن الاستشراف ب" تنتظر همسات الحبّ والاحتراق عشقا" ومن "يحلق بأجنحته" ومن" تسكبها عسلا في صوتها السّاحر " ومن "سحبت نفسا ".،..وفي "استشعاره غيظ زوجته" وفي "مسرعا"تسريعا وفي زقزقة العصافير وب"دفق" وفي "الهمهمات" وفي" بشحوب الموتى" .. وفي تباطؤِ الاسترجاع، من خلال "تسلّل ملاك الأمس ضعيفا مرتجفا "،الواقع تحت ضوء حرف كان الزّمن إذا إيقاعا، وتصفيقا، ومن خلال مدّ أعناق الحضور، واشرئبابه.

4 ٠

لقد ساهم الحوار في الإرتقاء بالنّص، رافعا نسق الحكائيّة، والواقعيّة، وخاصة التّشويق، ممّا زاد في شدّ القارىء، قاضيّة على الملَل، بتغيير إيقاع السّرد، بتحويل (الميكروفون) للشّاعر ومقدمة الاحتفال، وناهدة، الحبيبة،التي أحرجتها المنشّطة والتي أتى صوتها ضعيفا فدعمتها السّارد واصفة كيف بلغه صوتها ؟
"مساء الخير أستاذ..."
(تسلّل صوت ملاك الأمس ضعيفا ) نقلا عن السّاردة .

*الأسلوب: 
جاء أسلوبها مميزا، فقد أحسنت التّصرف في إخراج القصّة وإدارة أحداثها بطريقة جيّدة و مميّزة.

*اللّغة :
كانت لديها سلسة، مرنة، راقية تغلب عليها البلاغة، والصّور المجازية، المكنية، مما ارتقى بها إلي التّخييل، وسحر العبارة التي تحمل القارئ إلى التأمل وإعادة النّظر والسّؤال والتّساؤل...

5

قصّة، استولت، واستحوذت، على لبِّ القارئ، من العنوان إلى القفلة، زادها تغنّج مقدّمة الاحتفال ريبة لمعرفة السّر الذي يقبع وراء مبالغة السّارد في تركيز زوم عدسته، وعدسة البطل عليها، في مطلع النّص دون غيرها من الحضور، وهي تقنيّة استوردتها من عالم السّينما و اسنخدمتها الكاتبة لتضخيم حركة الشّخصيّة، في نقل ملامحها الخارجية، وتصرّفاتها عبر لغة السّرد لرسم انفعالاتها بطريقة تكاد تكون لوحة، كاريكاتوريّة ظاهريّة، بغية توجيه أنظار القراء، لتهيئتهم نفسيّا للاستعداد لما سيحدث لاحقا، وفعلا نتبيّن فيما بعد أنّها لعبت دور المخرج المسرحيّ، والمريض الصّادي، إذ كانت عنصرا فاعلا، وفعّالا، في تطوير الحدث وفق خطّة جهنّمية خطّطت لها مسبقا، قبل بداية الاحتفال، فحوّلت الاحتفال إلى دراما ومأساة فاجأت بها الجميع، محدثة الصّدمة للحضور كما للمعني بالاحتفال فمن خلال ما قامت به، من إثارة ك "سحبت نفسا عميقا " و "صوّبت نظراتها النّاعسة إليه" كان هذا بمثاية الطّعم الذي ابتلعه لتصديق حسن نيّتها، من البداية. ولمّا استسلم لإرادتها وكان في غاية الانتشاء والاطمئنان في حضرة أنثى كقطّة وديعة لطيفة، رخيمة الصّوت. فاجأته بأن سدّدت له الضّربة الصّادمة، مخيّبة آماله في مزيد نفش ريشه، كديك رومي، يتباهى بديوانه،الذي يحتوي على ثمانين قصيدة، أمام أصدقائه، وبفحولته أمام زوجته المغلوبة على أمرها، الرّاضية بقدرها، جراء نرجسيّة مفرطة لشرقيّ، تعوّد أن يلعب دور الشّهريار، وإن لم تكن له حاشية وجلّادا ووزبرا. بدا الموقف استدراجا لغواية .. كأنّها استدرجته بنيّة مبيّتة انتقاما لشيء حدث في السّابق، وإن لم تتلفّظ به علنا إلّا أنّ سلوكها هذا، وردّة فعلها كذلك، واستخدام السّارد للجملة التّالية: يَشي بذلك، ويؤكّد ما ذهبنا إليه آنفا، من أنّ أمرا ما كان قد حدث، في السّابق، وعليه تشرّع لنفسها الانتقام منهما لتزعزع استقراهما وثقته بنفسه، لتحُطّ من شأنه، لتثأر لنفسها، أمام الملإ، من كليهما، ونقصد طبعا الشّاعر، والمُلهمة، التي فقدت شعرها من الكيميائي نتيجة مرض خبيث، والتي لم ترأف بها، فبدت منتقمة مبتهجة مسرورة، لتحالف القدر معها، ضدّ ملهمته التي فقدت مفاتنها فبدت كمومياء...
 محوّلة الرّكح إلى حلبة صراع من خلال الإيحاء في قولها: 
"مبتهجة لتسديد هدفها في المرمى"، وكأنّها امرأة العزيز التي تنتقم من يوسف لأنّه لم يتستجب لما دعته إليه، فأودعته السّجن رغم تعفّفه ...
فبعد تنحنحه وتلذّذه بنظراتها النّاعسة، بأنوثتها الطّاغيّة وبصوتها الناعم، تطبق عليه المنداف بقبضتها كأنّها الجلّاد الوحش المتربّص بفريسته، بعد أن استدعت صديقته وملهمته في السّابق، لتثأر منها إذ ربما كانت غريمتها، في زمن سابق لتزعزع استقرارها، وربّما لم يكن الشاعر قد علم بعد بمرضها وربما غيرة من زوجته الحاليّة فأرادت ان تزيد في تحطيم معناوياتها أمام الجميع ففعلتها هاته تبرز غيرة امرأة تسعى إلى زعزعة صورته أمام جمهوره و يظهر أنّها تضمر له السّوء ..لذلك، طلبت منه أن يشنّف آذان الحضور، ببعض قصائده القديمة في الحب تلك التي كتبها لحبيبته الأولى، يبدو أنّ الغيرة قد لعبت بها و أعمتها، وما كانت تقدّر أن تصمت أكثر، فأقدمت على سبق صحفيّ، منتهكة بذلك شرف المهنة، إذ بفعلتها هذه قد تدمّر علاقة الملهمة التي هي على ذمّة رجل، متزوّجة به، وكان حاضرا معها، وقد تعمّدت استدعاءها، لأنّها كانت تعرفها وربّما من الصّديقات المقرّبات إليها، كما أقدمت امرأة العزيز- التي تسبّبت في قطع أيدي النّساء- بعد أن أعدّت لهنّ متكأ.. وأدخلت عليهنّ يوسف لحظة بدأْن في قطع الفاكهة فقطعن أيديهنّ...
أمّا عن الشّاعر الذي بدا مذهولا، بعد أن استفاق من صدمته ، وكان قد سلّمها رقبته، وبات بيدقا رهن إشارتها، على إثر وعده لها بأنّ "كلّ طلباتها مستجابة ..." فلم يعد يستطع التّراجع، باعتبار شرف الوعد فلبّى اقتراحها و قرأ" بعض االمقتطفات " بصوت دافئء ...غير أنّه سرعان ما دخل في طقوس ذاك الزّمن ف "اكتسى" صوته " نغمة دافئة جديدة وكأنّه اصطبغ بشجن الماضي..فانسجم معه الجمهور، "فعلت التنهيدات وساد جوّ القاعة هدوء قدسيّا"...
غير أنّ هذا لم يشف غليلها بعد، بل زاد في جموحها، لطلب المزيد، فتمرّدت، وتمادت، أكثر في وقاحتها، مخترقة العُرف، والعادة، والأخلاق السّائدة، وما يمكن أن يحدث، لو أنّ زوج الملهمة، كان من المتطرّفين في مشاعره، يغار على زوجته من هبّة ريح، ونسمة صيف، فما بالك بشريك يتغزل بها في ثمانين قصيدة، ضاربا عرض الحائط كلّ الطّقوس والنّواميس، ولا يقبل شريكا، وإن كان من الماضي،فقد يطلّقها أو يمكن حتى أن يقتلها، ويقتله، بسيف أو بخنجر وربما ببندقية صيد، إن توفّرت ...لم تعبأ بكلّ هذا ... فعمدت إلى كشف السّتر والحجاب بعد أن اغتاضت من تواصله معها في الزّمن السّرمدي ...فأبت إلّا أن توقظه من عالمه... عالم التّخييل والخلود وتهز من مكابرته، وتحرجه، وإيّاها أمام الحضور، وتُربكه من دون أن تأخذ بعين الاعتبار قضية الشّرف، والرّجل الشّرقي..
6

فمن خلال وصف السّاعر لردُود أفعال كلّ الشّخصيّات، و من خلال استبطانه لما يختلج في نفوس بقيّة الأشخاص. ودقّة الإعتناء بالتّفاصيل، بتركيز زوم الكاميرا تكبيرا وتصغيرا ومن خلال ديموقراطيّة الأصوات، والثّنائية الضّدّية والتّفضية التي تعدّت الفوق والتحت واليمين واليسار فاخترقت الملامح عبر اللّوحة، والمرآة للمقارنة، بين الهي الماكرة، و الهي الملاك المومياء، وبين الزّوجة المقهورة المغتاضة، وبين الشيء و النّفسيّة، فتعدّدت الأصوات، إضافة إلى غناء معجمها اللّغوي ، وحسن رصدها للحركة وتوظيفها للّفظ في موقعه ليؤدّي الغرض، كما تريد بحيث يخدم الفكرة لتأثيث الحركة و المشهديّة والانفتاح على عوالم وتقنيات من عوالم وفنون مجاورة مستأنسة بالحرف للوصول إلى القصد والمقصود، والدّليل والدلالة، لتحقيق المبتغى فقد نجحت في رصد كلّ من ردّة فعل الجمهور، و شعوره ، من خلال حركته وهمهمته وتصفيقه كذلك نجحت في نقل سيكولوجيّة الإنسان المنتشي والمقهور على حدّ السّواء، سواء منه كان: *عاشقا أم معشوقا
* مهزوما بفعل الثّّقافة السّائدة
*أو مهزوما بفعل التّجاهل للانشغال، وإصابةَ القارين أو الصّاحب بمرض عمى الألوان، والانشغال بملهمة صارت من التّاريخ .. فلم ينتبه في ذاك الزّمان، ولم بنجذب لغيرها....

7

* أو مقهورا بفعل الجنس، كالتّعسّف الذّكوري، بسلب حقوق الآخر الأنثى، وتجاهل مشاعرها "ألقى نظرة زهوّ وانتشاء على زوجته، التي تجاهلته، كاتمة غيظها، وذكرياتها، عن مغامراته، التي ما زال يؤرشفها أشعارا تصل إلى حدّ البوح بأدقّ التّفاصيل..."
وكأنّه يتعمّد قهرها، وسلبها، مشاعرها، والدّوس على كرامتها، وعزتها، فكانت تتألّم وتحقد وتغتاظ في صمت .. و من خلال" قاطعها المعجبون خصوصا المعجبات منهم بتصفيق حار " بدى الشّاعر السّتيني، نجما فبالتالي عمليّة، القهر كانت على الزّوجة مضاعفة تضعيفا ...

* صورت لنا قهر النّجم المثقّف، الشّهريار بعد أن انسحبت حبيبته، من الميدان، تاركة الكلّ في تسلّل، غادرت المكان تاركة مكانها الدّيوان والغيبة ...وكأنّها بذلك ردّت إليه الصّفعة، التي كالَها لزوجته، طول السّنين الماضية، وكأنّها ثارت لكلّ النّساء من فعلته...وكأنّها قطعت مع الماضي وآثرت، من أخذ بيدها وساعدها، على الوقوف عندما استنجدت به هنا أيضا زوم الكامرا صوّر لنا اللّقطة كاملة، بكلّ تفاصيل اللّوحة للزّوجة الملهمة مكبرا إيّاها مسجّلا معها ردّة فعل الزّوج، والجمهور، ونُبرهِن على ذلك من خلال، " كانت تجلس بالصفّ الأوّل.... "
رغم وقع المفاجاة عليه أي زوجها (صُعق وصُدم )* إذن لم يكن يعلم،ضغط على يدها وساعدها في النّهوض، اشرأبّت الأعناق مستطلعة وانطلقت همهمات من هنا وهناك ، عدّلت نظّارتها الطّبّية، وبحركة لا إراديّة راحت تسوّي خصلات شعرها المتبقّية بعد أن أجهز عليها المرض "...

 كل هؤلاء المقهورين يمثلّون عيّنة من المجتمع و تصوّر حدثا، قد يكون حصل فعلا، وقد يكون من نسج الخيال، و لا زال يحدث قد يحدث في المجتمعات العربيّة المثقّفة، مع بعض التّّغيير الجزئي، حيث استحال المكان مسرحا للتّناظر، وفرضكل واحد لنفسه، وإثبات أنّه الأجدر، بالفوز بالشّاعر..
لقد لامسنا من خلال المعجم المستعمل، ومن خلال اتقان الوصف، أنّ الكاتبةاستطاعت ، أن تحرّك المشاهد، وتبثّ الرّوح في نصّها، ببراع بدرجة عالية مبرهنة عن إلمامها بكلّ دور من أدوار أبطالها في التّفاصيل والجزئيّات...

8
نراها استعملت التّضمين،حيث ضمّنت نصّها، بعضا من شعر الشّاعر، من ديوانه الأوّل ، وهو يتغنّى بمحبوبته الأولى :

"لو شفتاي الآن تسكران
 على شواطيك ....
لو كل أغصان كرومي عرّشت فيك 
وأترعت كأسك بالحنان .."
9


 الزهراء/ تونس 10/07/2020

عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية