زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

وما زلنا نلعبها _ بقلم: الأديب / محمود فودة







وما زلنا نلعبها

ــــــــــــــــــــــــــ



   في خريف العمر حين كان الضباب يحجب شمس الشرق، وصلتني دعوة من الخارجية على جناح حمامة بيضاء؛ لأشارك في جلسة الختام من أعمال الأمم المتحدة، دخلت القاعة... نازعني شعور جارف بأن هذا المكان يشبه باحة قصري القديم..في سان فرانسسيكو... تحسست الخمسة سنتات في جيبي ...
  لعبناها أول مرة يوم أن جلسنا وحدنا على الأرض الملساء في حديقة بيتنا، تدور الخمسة سنتات وتحدق فيها عيوننا، نترقب على أي جهة سترقد، تمر اللحظات مثيرة، أتمنى دومًا أن تتوقف العملة المعدنية على صورة البيت الذي أطمع أن أمتلك مثله، بينما يتطلع صديقي الشرقي إلى أن تتوقف القطعة المطلية بالنيكل على صورة (توماس جيفرسون).
   قضت قوانين اللعبة التي وضعها صديقي وحده بأنه إذا توقفت القطعة على صورة البيت، أخذ مني سنتا، فإذا كانت صورة (توماس) أهديته قبلتين، كنت ساذجة كثيرا.
   أنشبتْ المنية أظفارها في جسد أمي وانتقلتُ إلى بيت صديقي، عشتُ بين عائلته بعد أن باع أبي بيتنا على طاولة القمار وتزوج بعاهرة تعرف عليها في إحدى حانات سان فرانسيسكو.
   كبرنا و أحببته... اكتشفت أنه جعلني دولابا متنقلا لبيع العملات المزورة حينها اقتادني رجال الشرطة مغلولة اليدين... مازلت ساذجة.
  حذقت في السجن ما لم يخطر لي على بال ... خرجت بعد عامين قضيتهما هنالك، بحثت عنه، تقصيته... عاد إلى الشرق مع أسرته، بعد انتهاء مدة خدمة أبيه بسفارتهم، افترشت الشارع، وتلحفت البرد... خلعت سذاجتي وألقيتها في أقرب صندوق قمامة، اشتغلت في تهريب الكحول، جمعت مالا جما، امتلكت قصرا أفخم من بيت (توماس)، عدت إلى الشارع أتفرس وجوه الجميلات، أنتقيهن بعناية، ليقدمن خدماتهن الجليلة لزبائني من السياسيين والفنانين ورجال الأعمال حول العالم... كل شيء في قصري مباح.
  بذلتُ ما في وسعي لتكون وفود الشرق الأوسط من نصيبي دائما، في باحة قصري جلستُ أتابع عن كثب، رأيته أمامي، اقتربت منه، همست باسمه، أنكرني لأول وهلة، جذبته من يده دون مقاومة منه، كأنه منوّم، انتحينا جانبا، قلت له: عزيزي، أنا من سأضع قانون اللعبة، فغر فاه وغطت الدهشة ملامح وجهه، قلت: سيكون الرهان على أي فتاة من هؤلاء الجميلات تشاركك فراشك، لكن المقابل ليس قبلتين، أخرجت من حقيبتي خمسة سنتات وضربتها بظفري الأوسط ، دارت... وعيناه تدوران معها، كاد يفقد وعيه، لا تخف يا صديقي؛ اتخذت كافة الاحتياطات: إن قام البوليس بغارة أثناء وجود كل هؤلاء معي، ادعيت الحصانة الدبلوماسية، بل أقبض أنا عليهم وأعاملهم كرهائن أو أسرى حرب، أيها الدبلوماسيون الأجانب، رفهوا عن أنفسكم بالكثير مما نقدمه لكم بما في ذلك رياضة الفراش.
   يا لدهشتي؛ بعضهم أمضى وقتا أطول في غمس فتيله بريش فراشنا أكثر من قضايا العالم التي تنتفخ بها حقائبهم، وبعضهم لم يغادر قصرنا الفاخر طوال فترة المفاوضات، يبدو أن المعارك الدائرة على أسرتنا صهرت ثليج الحرب الباردة وجمعت المتناطحين، فأصلحت ما أفسدته السياسة، ويبدو أن فتياتي الفاتنات كنّ في غاية الأهمية لوزارة الخارجية؛ لذا قمنا بجهود استثنائية، وقضينا أوقاتا إضافية من أجل إرساء الأمن وإبقاء العلاقات الدولية على أحسن ما يرام.
  قدِم صديقي على رأس وفد كبير؛ إذ اندلعت الحرب في شرقهم، نزلوا بقصري وهنا دارت المفاوضات التي كان الخمسة سنتات حكما فاصلا فيها، كل الأسلحة متاحة على محاور الخصور ودوائر النهود، بحق كانت مفاوضات حامية الوطيس، تراقصت معها الأسِرّة واهتزت لها جدران ماخورنا.
  يالغرابتهم! كم قبلوا يديّ حين كانوا يقصدونني... زاحمتهم، طعنوني من وراء الميكروفونات وخلف، الشاشات!
دخلتُ قاعة المؤتمر الكبير قبيل التصويت على اختيار مرشح الرئاسة، ألقيت التحية، اعتليت المنصة، انتزعت الميكرفون، تطلعت إلى الوجوه التي امتُقعت لرؤيتي، انطلقت دون أدنى شفقة وبلا تردد أتلو أسماء زبائني وأنا أشير إليهم بسبابتي كأنها فوهة مدفع رشاش، كنت أجندلهم عن كراسيهم واحدا تلو الآخر، اكتشف الجميع على الهواء أن معظم من بالقاعة كانوا من زبائني.
  في الشرق ، بار ضخم، فتيات يرقصن شبه عاريات ورجال ثملون يتمايلون، طاولات مستديرة تملأ القاعة، تحلقت حولها الوفود، هناك في المقدمة طاولة ضخمة،أتصدرها  كعجوز شمطاء بجانبي  صديقي الشرقي، وحولها أخلاط من الأوربيين، يقوم على ضيافتهم طائفة من ذوي اللحى والعُقُل والعمائم والمعممين، جلست قبالته، أخرجت  من حقيبتي  قطعة معدنية مطلية بالنيكل، طُبع على وجهيها خريطة الشرق الأوسط، ضربتها بظفري ؛ لتدور ولا تتوقف.
وما زلنا نلعبها ...


********

محمود فودة 













عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية