زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

ورقة توت واحدة _ بقلم: أ. محمود فودة





ورقة توت واحدة

ــــــــــــــــــــــــــــــ


تعمد أن يتحاشى النظر إليّ وهو يحدثني بعينين مذعورتين ونظرات تائهة، تيقنت أن ثمة شيئا خطيرا ألمّ بي، بعد إلحاح شديد، أخبرني طبيبي الخاص أن الأيام الباقية لي في الدنيا باتت بعدد أصابع اليدين، ألجمتني كلماته، تحسست نظارتي الشمسية التي وضعتها أمامي على مكتبه، هممت بالقيام من المقعد المقابل له، سرت ارتعاشة كهربية في ساقيّ ، فقدت السيطرة على جسدي و كدت أهوِي من علٍ، لولا أنني انكببت بجسدي على المقعد مرة أخرى، ضغط على زر كهربائي بجانبه، طلب إلى السكرتير بأن يرافقني أحد العاملين بعيادته حتى باب المصعد، أخذ العامل بيدي، كانت المسافة من باب حجرة الطبيب حتى المصعد بضعة أمتار، بذلت جهدا شاقا حتى اجتزت الردهة المؤدية إلى المصعد، نضبت طاقتي النفسية والجسدية، هربت دمعات عصية من عينيّ، قلت له بصوت متهدج: اليوم فقط لفظتني الدنيا من حجرها، تلك الملعقة الذهبية التي أطعمتني بها حلوها مرات ومرات، صارت شوكة اشتجرت بحلقي فخلفت فيه علقما وصديدا، أخيرا... وصلت إلى المصعد، أصر العامل أن يرافقني حتى باب السيارة، لا أدري سببا لذلك، هل هي إنسانية وشهامة البسطاء الذين لم تلوث المادية البغيضة قلوبهم ؟، أيتوقع هذا العامل أنني لن أصل بحال إلى باب السيارة؟ على غير عادتي نقدت العامل ورقة جزاء مرافقته لي، رفض أن يأخذها، ألححت عليه، أخذها على استحياء، طواها ووضعها بجيبه، اتكأت على أوجاعي ورفعت رأسي المثقلة بألف هاجس، تتسارع تلك الهواجس حتى صارت أشبه شيء بدوامة تتسع و تبتلع كل شيء يقترب منها، أحسست أن روحي دخلت تلك الدوامة، نظرت في المرأة فوجدتني خرجت من عند الطبيب بهيئة غير التي دخلت بها، كأني مكثتُ في عيادته سبعين سنة فوق عمري، برغم أن المرآة نظيفة، شديدة اللمعان لكني رأيت صورتي فيها شاحبة... صارت ضبابية مظلمة، تهاوت المرآة أمامي، ولم أعد أدري شيئا، كل شيء حولي مظلم، أين أنا؟ أأُنزلتُ قبري وأُهيل على جسدي التراب؟ هل ألقاني القوم في جب عميق ثم انصرفوا عني بعد أن باعوني للموت بثمن بخس، أيكون حوت ضخم قد ابتلعني؟ أيأتيني الملكان ويقعداني ثم يسألاني... لا لست مستعدا لهذا الآن؟ صرخت بكل قوتي ولا مجيب، لم يتخطَ صوتي حدود شفتيّ، لماذا أنا محشور في هذا الجب الزجاجي البارد المظلم؟ انكشف عني غطاء البصر،  هأنذا أرى طيف إنسان يأتي من بعيد، تبينتُ، فإذا هي زوجتي، نعم هي، أعرفها من ملامحها الطيبة، مشيتها، رائحة أنفاسها، صرخت: أغيثيني يا زوجتي الحبيبة، أشاحت بوجهها عني، اقتربت مني، جثوت عند قدميها أستعطفها أن تأخذ بيدي، لم تتحدث بكلمة واحدة، نزعتْ مفاتيح خزائني وأوراقي، وأنا عاجز عن منعها، ركلتني بقدمها ومضت مسرعة، صرخت فيها: ارجعي أيتها اللئيمة، لم تلتفت إليّ، صورتها تتضاءل أمام عينيّ، كَلّ لساني من الصراخ الصامت، فجأة... عرض لي طيف شبح يدنو مني، عرفته جيدا دون جهد يذكر، هو ذلك الشاب البشوش، شريكي في المصنع الذي أنشأناه؛ ليكبر بنا ونكبر به سويا، جرت المكيافبلية في شراييني، ما تركت وسيلة إلا توسلتها من أجل أن أسلبه حقوقه ويصير المصنع ملكا لي وحدي، ألهبت ظهره بسياط ظلمي، سلبته كل شيء... اقترب مني ، مالي أراك بشوشا يا من كنت شريكي؟ أجئت شامتا فيّ أم جئت لتنتقم لنفسك؟ لم يرد عليّ إلا بابتسامة تتسع شيئا فشيئا، قهقه بصوت شقق جدران روحي ثم تلاشى فجأة مثلما ظهر، شعرت بالمكان يضيق عليّ، قفز قلبي الخاوي من صدري ليرتطم بالجدران الزجاجية مثل كرة الإسكواش، عجز لساني عن الكلام (أستفغرك ربي) لم يطاوعني لساني على نطقها،عجزت شفتاي عن أن تتحرك بحروفها، أين أنا من ذي النون؟ أنَّى لي أن أخرج من بطن هذا الحوت الزجاجي الخانق؟  أفقت ولمّا أدرِ كم قضيتُ على هذه الحال، شعرت ببرودة الأرض، ما هذا، يا حسرتا على ما فرطتُ... لماذا أنا عريان؟ قمت أعدو؛ لأواريَ سوأتي فما وجدت شيئا قط، مدّ العامل المرافق لي يده بالورقة النقدية التي نقدتها له منذ ثوانٍ معدودات، خذ هذه فاستر بها عوراتك، صحتُ ما وسعتني قوتي وأنا أخرج من باب المصعد، ياليتني جعلتهما اثنتين.


*******

محمود فودة 




















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية