زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

مسافة سيكارة _ بقلم: أ. عبير عزاوي





مسافة سيكارة 

*****

- زوجتي جنت .

ها أنا جالس أحدق فيها بعينين مفتوحتين إلى أقصاهما وهي تنكش شعرها، وتقطعه مولولة أمام غرفة الولدين .
 جنونها ليس وليد اللحظة/ أقصد فترة بقائي في المنزل بسبب الإقامة الجبرية التي يعيشها الناس الآن/  ، بل كانت له مقدمات كثيرة بدأت قبل هذين  الأسبوعين اللاهبين،  حين عدت متعباً بعد يوم بحث طويل عن عمل ولم يكن هناك خبز في البيت . شربت الماء ، أشعلت سيجارة استعرتها من صديقي إبراهيم واحتفظت بها طوال انتظاري لعمل بينما كنا  جالسين في الساحة مقابل الحديقة التي امتلأت بالحمام يطير ثم يحط في مواقع الطعام ، وامتدت بسطات البائعين حولها مترعة بالمواد المتنوعة الرخبصة الثمن والمنخفضة الجودة . كنا نزجي الوقت بإطعام الحمام وهو يحلق  حول العمود الشهير الذي يتوسط الساحة ، يدور دورة كاملة ثم يتهادى ويحط أمامنا ينقر مانلقيه له من فتات ، الحقيقة كنا نتحايل على الوقت بانتظار مرور أحد يطلب عمالاً . 
 عدت هذا المساء ولا أحمل سوى نصف السيجارة الذي خبأته منذ منتصف النهار ، زوجتي ما أن رأت السيجارة حتى ثارت وأرغت وازبدت وهي تقول : أنت تشرب ( ضراب السخن ) والأولاد قضوا اليوم بلا طعام سوى بقايا خبز وزيت و زعتر  ..أين كنت طوال اليوم تتسكع .
لم أرد عليها فقد كان وضعها مريباً . وخمدت رغبتي في مشاركتها لي نصف السيكارة كما تفعل زوجة ابراهيم .
 قلت في نفسي ربما تكون فورة غضب وتنتهي بسبب مكوثها  القسري في البيت وحرمانها من مشاويرها اليومية المعتادة للعمل في ببوت الجيران او بعض المعارف وحرمانها كذلك ممايجود عليها به من تعمل عندهم  ، لكن الأمور تفاقمت بعد ذلك . 
في يوم آخر وعندما كانت في المطبخ تسخن لي بقايا طعام الأمس لأتناول وجبتي الوحيدة كنت أقرف الطعام لأنه يتلوى أمامي ويتحول بعد كل التواءة إلى لون جديد شاحب يشبه لون ذلك الفيروس الذي يتحدثون عنه / . 
كانت تتحرك في المطبخ برشاقة و ترتدي ثوبا رقيقاً مطبعاً بلون بني يشبه جلد الفهود ، حين تمايلت بدت كحورية بحر بجسمها اللدن ، فمستني نشوة عارمة ،و تمنيت لو أهصرها بذراعي ،  لكن نسيت شبهها بالحورية وتذكرت البحر ، ففتحت فمي المغلق بعد طول تفكير و قلت لها : هل تعرفين كم يحتاج الطفل كي يغوص مثل السمكة قي الماء ؟ حينها نظرت إليّ وقد تجمدت ملامحها ، وشعرت أنها على وشك الوقوع في نوبة جنون جديدة ، لكنها لم تفعل بل انسحبت بصمت ودخلت غرفة الولدين وأغلقت الباب بالمفتاح .
في آخر نوبة كانت تصرخ بوجهي : أين كنت ؟! وتجيب على سؤالها دون ان تترك لي مجالا لأنبس بحرف : بالتأكيد كنت ( معمي ع قلبك ) في ساحة المرجة . 
وأرد بلا صوت : نعم كنت في ساحة المرجة ( معمي على قلبي ) ربما قالت ( مضروب ع قلبك ) . 
هززت رأسي موافقاً و كنت أدمدم لنفسي نعم في تلك الساحة أراقب المشردين وهم يتجادلون فيم يفعلون وأين يذهبون هم و أطفالهم من حمى الرعب من العدوى  التي يهجس بها  الناس ،  وأراقب أصحاب المحلات وهم يتحركون بذعر صامت يغلقون محلاتهم ثم ينصرفون بنظرات حانقة .  ولا يفوتني أن أقفز الى السيارات التي تبطئء سيرها ويطل منها رجال او نساء يطلبون عمالاً لأعمال مستعجلة ، وأنا أسابق الراكضين وأهتف بملء حنجرتي :  أعزّل الحديقة وأقلم الاشجار . أشطف الأدراج  أغسل السجاد .أعقم كل شيء .ثم أهمس بصوت خفيض : أجالس الأطفال ، لكن سباقي غالباً ما يبوء  بالفشل ، فآخذ سيجارة من إبراهيم وأشعلها ،  أتنشق دخانها الملكي الفاخر ، ثم أطفئها عندما تصل إلى نصفها،  وأحتفظ بالنصف الباقي لأكمله في البيت وأحلم أن أطلب من زوجتي ( قبل إصابتها بنوبة الجنون الأخيرة  ) أن تشاركني متعتي بسحبة أو سحبتين فتنسى همومها ، وتعتقني من صراخها وتمنحني ولو ابتسامة صغيرة ،   لكنها حين أسرّ لها بطلبي تصرخ في وجهي قائلة : - "أنا أدخن هذا السمّ ( أكيد ضاربك العمى )..."
ولم  تستحكم أعراض جنونها  فعلاً إلا حين أخبرتها أن الأطفال حين نقذفهم  من النافذة يمكن أن يكونوا مثل طيور الحمام في ساحة المرجة . بل يمكن أن يكونوا أخف بكثيير  مثل السنونو تماما ؛ تنبت لهم أجنحة ويحلقون بحرية .
اليوم قلت لها أن أفضل طريقة للتعقيم هي النار وأن تعقيم  منزل بما فيه من أطفال يستغرق سحبة سيجارة  سحبة واحدة فقط . ورحت أضغط ولاعتي مرة بعد مرة وأراقبها من خلال لسان اللهب المتراقص ، وهي تنكش شعرها وتولول - ألم أقل لكم أنها جنت تماماً



*****

عبير عزاوي










عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية