زمرة الأدب الملكية

ما أكثر الأقلام إن فتشت محصيها،، فيها العلم وجلها غثاء من حطب،، وريشة الفهم إن جئت تطلبها،، فدواتها نحن عرين زمرة الأدب..

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

السر _ بقلم: الكاتبة / زينب الشرقاوي


 



《السر 》


*****



أرق يجتاحني ينهش عقلي نهشاً ...لم أنم منذ أيام عديدة ...لازالت تلك الفكرة تسيطر على عقلي ...بالنهاية قررت أن أجهز كل معداتي لتنفيذ تجربتي التي لم أفكر على الإطلاق بالإفصاح عنها لأحد، فهي حصيلة تعب سنين ودمج علومٍ مختلفة ..وبالحاصل أنا لا أريد أن يتهمني أحدهم بالجنون لأنني أعلم أن ما توصلت إليه من الممكن أن يعتبر محضٌ خيال في عقول الغير ...

بعد أن أتممت كل معادلاتي...نجحت إحداهن معي وكانت النقطة الفارقة التي حولت حياتي كلها ...

وقفت أمامه وجهاً لوجه أتأمله ويتأملني ...يتحرك كما أتحرك أنا ويبتسم بابتسامة تشبه ابتسامتي وحتى الخال الذي يبرق بأعلى جبهتي ...كان يمتلك مثله؛ لكنه كان يمتلك نظرةً حادة وتسريحة شعرٍ تُظهر ثقة عاليةً بنفسه...للحظةٍ تمنيت لو أنني هو ..

-من أنت ؟ قال لي 

ومن البديهي أن يبدأ هو بالحديث، فهو قوي الشخصية على خلافي أنا المتهدل الأكتاف المحني الظهر رغم أنني لم أتقدم بعد بالسن ! 

- سأخبرك لاحقاً ...

ظل ينظر حوله بالمكان، فمنزلي كان فاخرًا على خلاف المكان الذي جاء منه..

ابتسم وقال 

- هل تملك هذا المكان ؟ 

- نعم وأريد أن أمنحه لك

- حقاً سيدي 

- أنا لست سيدك ...أنا أنت وأنت أنا 

ضحك بقهقهة وقال لي 

- المهم أنني سأعيش هنا في هذا المنزل الفاخر؛ لكن ماهو المقابل سيدي 

- أن أعيش أنا في عالمك ...! 

نظر نحوي باستغراب؛لكنه

لم يتردد ...لم ينبس ببنت شفة وأنا أخترق عالمه وأرحل ..بعد أن أعطيته كتابا أشرح له كيف يتصرف وكأنه أنا ..

شيء غريب بدأ يتسلل إلى داخلي ريثما وصلت واستعمرت حياته كلها ...كم كان ساذجاً ! 

كيف قبل وخسر محبوبةً كهذه وأصدقاء يحبونه وأم تخاف عليه بلهفةٍ غريبة ؟ 

كيف استطاع أن يقبل بالوحدة ؟ 

وراح يسعى نحو المال ...وسخرية المجتمع ..راح يخسر ذاته في كل يوم ...حتى تلاشت بين رغباتٍ لئيمة بالنجاح ...كنت أراه في كل يوم يتأوه ويتألم في نومه ...يستيقظ في منتصف الليل حتى يرتشف الخمر وأحيانا كان يصرخ كمجنون ..؛ لكنه يوماً ما لم يناديني ولم يفكر بالعودة على الإطلاق ..

أصبحت أباً لثلاثة أولاد، منزل دافئ ..زوجة تغني لي كل مساء حتى أغفو ..أمٌ تزورني أيام العطل ..شمس رائعة تسطع كل صباح ..أمواج تعلو ثم تهدأ ..شتاءٌ جميل ...أرقص أنا وزوجتي تحت حبات المطر ..ثم تتعانق روحينا بدفء لا مثيل له..

وهو للآن لم يستطع أن يجد امرأة أو صديقاً واحداً يشاركه آلامه...كان دائم الخوف مرتبكا كيف يحل معضلاتٍ خلفتها ورائي ...رغم أنه أصبح ناجحاً لدرجة أن صيطه ذاع في كل بقاع الأرض ..

ظللت أراقبه من بعيد ...فأنا موازٍ له ، وبيدي مفتاح اختراق عالمه كلما أردت ...

في أحد الأيام التمست في تصرفاته ضجراً، وخوفاً، وكأنه شعر بأنه فقد الكثير والكثير ...

مرةً رأيته يقف أمام المرآة لأكثر من ساعة ...يقف بصمت يبحث عن شيء ما في ملامحه التي باتت غريبةً عنه بعض الشيء ..

رأيته يركب دراجة هوائية ويفتح ذراعيه حتى يشعر بأنه يحلق في الهواء ..

خفت ...شعرت بأنه خبِر أن لديه روحٌ تعشق الحرية ...

ولجت إلى عالمه خلسة... تأكدت أنني نصبت له فخاً كي يعمل ويعمل دون ملل ...بذلك فقط سينسى أنه إنسان .

ظل هو يتلاشى...أصبحت الساعات والدقائق أمامه أرقام يعدها ...لم تعد للحظاته قيمة ... حتى عندما شعر بألفةٍ مع إحداهن ...رآها رقمٌ آخر ...رقمٌ لديه لفظ رنان يخترق مسامعه ...ثم يتلاشى كذرات في هذا الكون ...لاح لي تمردٌ بدأ يظهر وميضه في عينيه ...تساءلت ربما يطالب بالعودة؟ !

انتابني الأرق مرة أخرى 

- تباً ..

احرقت روحه برصاصةٍ في يومٍ عصيب.

جثة ملقاة وجمهور يبحث عن سبب هذا الموت في خضم النجاحات تلك .

كان لا بد من ذلك؛ حتى يموت السر معه..


- "منذ أن عرفناه كان رجلاً يحب المال والشهرة "

- " هل خسر أمواله في البورصة؟ "

-" لقد تعب طوال عمره ومات وحيداً في الخمسين."

لم يدرِ أحد أنها كانت مجرد خمس سنوات ...حدٌّ فاصل؛ كي أحيٌا أنا 

أغلقت بعدها ذلك الباب وانغمست أنا في عالمي الجديد ..

همس أحدهم في أذني 

- "كيف ينتحر رجلٌ كهذا ؟"

لم أكن أسمع حينها سوى قهقهة أطفالي الصغار .



******


زينب الشرقاوي 
















عن الكاتب

زمرة الأدب الملكية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

المتابعون

Translate

جميع الحقوق محفوظة

زمرة الأدب الملكية